يبدوا ان تفضيلاتنا الشرائية و عروض المنتجات الاستهلاكية التي نراها
في أسواقنا المحلية متجهة نحو التماثل مع تلك الموجودة بالأسواق الدولية. و هذه
التغيرات تعد آثار طبيعية للانفتاح الذي تتمتع به الانظمة التجارية و عوامل
العولمة و خيارات التجار الدوليين, و بشكل أخص أولئك المتحكمون في قنوات التوزيع و
سلاسل القيمة الدولية. و على الرغم من ميلها العام للاتجاه نحو التقارب, إلا أن تلك
التغيرات تسير ببطء. فالمنافسة - التي يفترض أن تتصاعد مع ذلك الانفتاح - متأخرة
عن المستوى الذي يدفع بمعايير الاسعار و الأداء و تفضيلات المستهلكين للارتقاء
السريع. فماهي الأسباب التي تضعنا – كمستهلكين – أمام خيارات سلعية محدودة نوعا, و
قليلا ما يطرأ عليها تغيرات كبيرة, كحال مثيلاتها الموجودة بالأسواق العالمية؟ بصياغة
أخرى, لماذا تحتل بعض السلع و بالأخص الضرورية منها مواضع بارزة على رفوف الموزعين
لسنين طويلة, من دون أن يدخل فيها تطور متسارع في الأداء أو انخفاض في الأسعار؟ هل
تكمن المشكلة في سلوكنا كمستهلكين, أم خلل تنظيمي بالسوق و أيادي خفية تحتكر و
تدير التفضيلات وفقا لنماذجها الربحية؟ في اعتقادي, يشترك كلا الطرفين في نشوء المشكلة.
فمن جانب المستهلك, اعتقد أنه
ذا سلوك شرائي غير معقد, أي أنه لا يبني قراراته الشرائية مستعينا بسلسلة من
التحقيقات و الأسئلة حول خصائص السلع أو مستوى أداؤها الذي سيقابل المبلغ المدفوع.
بالتالي, لا يواجه البائعون أي تحديات جادة لتصريف بضائعهم و لا يحصلون على مؤشرات
تساعدهم على معرفة تفضيلات المستهلكين لاستخدامها عند تقرير سياسات الترويج.
أيضا, قد يميل المستهلك إلى اتخاذ قرارات شراء فورية, أي لا يدخل فيها
مقارنات تحليلية لتكاليف و فوائد الشراء بين اليوم و الغد, ما قد يجعله يتخذ قرارات
غير عقلانية. بالنسبة للتجار, فإن هذا السلوك مفضل, لأنه لا يضطرهم لتحديث العروض
الترويجية لتحفيز المستهلك "شديد التردد" على اتخاذ قرار الشراء الفوري.
إن تعقد تفضيلات و قرارات المشترين يمكنه أن يصعد من المنافسة و يجبر التجار على
تحسين أداؤهم و عروضهم على فترات دورية أسرع.
أما بالنسبة لوضع السوق التنظيمي, فإن الأجواء تتجه نحو التحسن تزامنا
مع تحركات وزارة التجارة و الصناعة الأخيرة لإجبار التجار على التنافس الشريف. و
لكن هذا الوضع لن يحفز التجار لتطوير سياساتهم التسويقية كونه لا يدفع بالمنافسة
للصعود. و بما أن معظم السلع في اسواقنا مستوردة و قد لا تحقق الإشباع الكامل لعدم
اتصالها المباشر بالبيئة المحلية عند تصميمها و صناعتها, فإن هناك حاجة ملحة لدخول
التجار المحليين بكثافة لرفع مستوى المنافسة على الأداء, فهم أكثر إلماما بالبيئة
النظامية و الثقافة المحلية و أكثر اتصالا بتفضيلات و احتياجات المستهلكين المتنوعة
و المتجددة, ما يمكنهم من الاستجابة لها بشكل أفضل و احداث التغيير على فترات
دورية أسرع فيتحقق التطور المتسارع للسوق بالمجمل و يستمتع المستهلك بخيارات كبيرة
من السلع المتفارقة من ناحيتي الأداء و الأسعار.
ختاما, قد تعني حالة "تقارب الاسواق" وجود هيمنة خارجية على
تفضيلات السوق المحلية, و لكي يتحقق الاشباع الأمثل للمستهلك المحلي, عليه التواجد
بمراس صعب, و على التجار المحليين الظهور بكثافة و دهاء, و على المسؤولين الحضور
الدائم.