الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

تقارب الأسواق


يبدوا ان تفضيلاتنا الشرائية و عروض المنتجات الاستهلاكية التي نراها في أسواقنا المحلية متجهة نحو التماثل مع تلك الموجودة بالأسواق الدولية. و هذه التغيرات تعد آثار طبيعية للانفتاح الذي تتمتع به الانظمة التجارية و عوامل العولمة و خيارات التجار الدوليين, و بشكل أخص أولئك المتحكمون في قنوات التوزيع و سلاسل القيمة الدولية. و على الرغم من ميلها العام للاتجاه نحو التقارب, إلا أن تلك التغيرات تسير ببطء. فالمنافسة - التي يفترض أن تتصاعد مع ذلك الانفتاح - متأخرة عن المستوى الذي يدفع بمعايير الاسعار و الأداء و تفضيلات المستهلكين للارتقاء السريع. فماهي الأسباب التي تضعنا – كمستهلكين – أمام خيارات سلعية محدودة نوعا, و قليلا ما يطرأ عليها تغيرات كبيرة, كحال مثيلاتها الموجودة بالأسواق العالمية؟ بصياغة أخرى, لماذا تحتل بعض السلع و بالأخص الضرورية منها مواضع بارزة على رفوف الموزعين لسنين طويلة, من دون أن يدخل فيها تطور متسارع في الأداء أو انخفاض في الأسعار؟ هل تكمن المشكلة في سلوكنا كمستهلكين, أم خلل تنظيمي بالسوق و أيادي خفية تحتكر و تدير التفضيلات وفقا لنماذجها الربحية؟ في اعتقادي, يشترك كلا الطرفين في نشوء المشكلة.
 فمن جانب المستهلك, اعتقد أنه ذا سلوك شرائي غير معقد, أي أنه لا يبني قراراته الشرائية مستعينا بسلسلة من التحقيقات و الأسئلة حول خصائص السلع أو مستوى أداؤها الذي سيقابل المبلغ المدفوع. بالتالي, لا يواجه البائعون أي تحديات جادة لتصريف بضائعهم و لا يحصلون على مؤشرات تساعدهم على معرفة تفضيلات المستهلكين لاستخدامها عند تقرير سياسات الترويج.
أيضا, قد يميل المستهلك إلى اتخاذ قرارات شراء فورية, أي لا يدخل فيها مقارنات تحليلية لتكاليف و فوائد الشراء بين اليوم و الغد, ما قد يجعله يتخذ قرارات غير عقلانية. بالنسبة للتجار, فإن هذا السلوك مفضل, لأنه لا يضطرهم لتحديث العروض الترويجية لتحفيز المستهلك "شديد التردد" على اتخاذ قرار الشراء الفوري. إن تعقد تفضيلات و قرارات المشترين يمكنه أن يصعد من المنافسة و يجبر التجار على تحسين أداؤهم و عروضهم على فترات دورية أسرع.
أما بالنسبة لوضع السوق التنظيمي, فإن الأجواء تتجه نحو التحسن تزامنا مع تحركات وزارة التجارة و الصناعة الأخيرة لإجبار التجار على التنافس الشريف. و لكن هذا الوضع لن يحفز التجار لتطوير سياساتهم التسويقية كونه لا يدفع بالمنافسة للصعود. و بما أن معظم السلع في اسواقنا مستوردة و قد لا تحقق الإشباع الكامل لعدم اتصالها المباشر بالبيئة المحلية عند تصميمها و صناعتها, فإن هناك حاجة ملحة لدخول التجار المحليين بكثافة لرفع مستوى المنافسة على الأداء, فهم أكثر إلماما بالبيئة النظامية و الثقافة المحلية و أكثر اتصالا بتفضيلات و احتياجات المستهلكين المتنوعة و المتجددة, ما يمكنهم من الاستجابة لها بشكل أفضل و احداث التغيير على فترات دورية أسرع فيتحقق التطور المتسارع للسوق بالمجمل و يستمتع المستهلك بخيارات كبيرة من السلع المتفارقة من ناحيتي الأداء و الأسعار. 

ختاما, قد تعني حالة "تقارب الاسواق" وجود هيمنة خارجية على تفضيلات السوق المحلية, و لكي يتحقق الاشباع الأمثل للمستهلك المحلي, عليه التواجد بمراس صعب, و على التجار المحليين الظهور بكثافة و دهاء, و على المسؤولين الحضور الدائم.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

مبدعون.. و لكن في الخيال


على الرغم من أني لا أملك احصائيات كافية حول الظاهرة, إلا أنني أؤمن بأن بلادنا تزخر بالمبدعين و الخلاقين. و السؤال المهم: أين هم, و لماذا يختفون؟
من الطبيعي أن يمتليء المحيط الخارجي للانسان بالأخطاء و الغموض, ما يدخله في حيرة كلما أراد البحث عن ذاته و مستقبله. و من الطبيعي أن لا يجد المبتديء الدعم الكافي الذي يأخذه للقمم, لأن الواقع عالم مكتظ بالمتنافسين من أجل السيطرة أو البقاء, و لا يمكن أن يكشف لك أحدهم شفرة النجاح - و التي قد يكون قد ذاق الأمرين ليتمكن هو من امتلاكها- لتنافسه. قد توحي هذه الأجواء المبهمة بأن الفرص ضيقة جدا و أن تجارب الاستكشاف ستكون مضيعة للمال و الوقت و الجهد, و أن النجاح فيها مستحيل, فينسحب الكثير عن خوضها. و لكن, الخلاقون بالطبيعة قياديون, و لا يستسلمون, فأين يذهبون؟ في اعتقادي, إلى العوالم الافتراضية – الألعاب الاليكترونية.
نقلا عن صديقتي الأخت آسيا الفارسي, و التي شغلت عدد من المناصب القيادية بواحدة من أشهر الألعاب الاليكترونية بالسنوات القليلة الماضية –Rappelz- أنه بالفترة من 2008 إلى 2012 استقطبت اللعبة حوالي ثمانين ألف سعودي من اجمالي مائتي ألف عربي, تتراوح متوسطات أعمارهم ما بين 14 و 25. و بحسب نقلها, فإن المراتب القيادية عادة ما يشغلها السعوديون و بكثافة, لاسباب تعود إلى كونهم الأكثر تخصيصا للوقت للعمل- و هي طاقات تفكير هائلة- بمتوسط 9 إلى 12 ساعة يوميا, و هم الاكثر استثمارا للمال فيها بمتوسطات تصل الى 4000 إلى 6000 للفرد, و تتفاوت الحدود العليا إلى مستويات تصل إلى عشرات الآلاف, بلغ أحدها 70 ألفا.      
إن أدوات النجاح بالواقع لا تختلف كثيرا عن تلك التي يمارسها مبدعونا بالسيرفرات, و التي تعد أكثر توحشا و قسوة, فهناك حاجة لاستثمار الوقت و الجهد و المال للبحث والتعلم والتفكير و تكوين العلاقات و اكتشاف الفرص و التقدم بخطوات قوية نحو القمم. و لكن الفرق الجوهري يكمن في أن الألعاب تتميز بوضوح قواعد اللعب و بالتالي سهولة التحكم بالمصير, و أن أدوات التنافس و مصادر المعرفة غير معقدة و متاحة, فتكون معادلة النجاح بذلك محددة و محسومة بمقدار الجهد و الانفاق, ما يجعل توازن القوى و رؤية المستقبل أمران ممكنان بالرغم من المنافسة.

كلمتي للمبدعين, كون الواقع مليء بالغموض و الأخطاء و القيود و ندرة بالأيادي الداعمة, فهو بذلك بيئة خصبة للريادة و الظهور. لأنه غير مكتمل, ما يجعله يزخر بالفرص التي تنتظر القياديين لتوليها و معالجتها. و بشراي لكم, إن مشكلات مجتمعنا مقارنة مع مشكلات الدول المتقدمة, تعد أقل تعقيدا, و من السهل على الخلاقين تحديدها و صياغة الحلول لها في صورة منتجات و خدمات أو مشاريع و مبادرات ريادية, تجذب الداعمين. و لن نكون في حاجة لإعادة اختراع العالم من جديد, فالانترنت و قواعد البيانات ممتلئة بالمعارف و الأدوات المتقدمة لاستخدامها في إعداد تلك المشاريع و المبادرات والترويج لها. كل الذي عليك هو تكثيف جانب الاعتماد على النفس و تطوير الذات و الاستشارة, وبذل الجهد في التعلم و البحث عن الفرص (المشكلات) و تنصيب النفس على قممها. 

الأربعاء، 17 ديسمبر 2014

قيادة التغيير


ما نشاهده اليوم من تحركات شجاعة من منسوبي وزارة التجارة و بعض الأمانات يعد مشروع قيادي للتغيير و متجه نحو الرقي بمستوى أداء سوق السلع و الخدمات الاستهلاكية التي فقدت ثقة المستهلك و ضللت مقاييسه للجودة و الأداء. لم يعد باستطاعة المستهلك ترشيد قراراته الشرائية لتماثل السلع من حيث الأداء و الأسعار. و لم يعد كذلك قادرا على ترشيد قراراته للاشتراك بالخدمات لتماثل بنود العقود و أحيانا تناقضها المكشوف مع ما تروج له حملاتها الدعائية من مزايا و عروض. لقد اعتاد التجار بالسنوات الماضية على نمط تنظيمي أشبه بالغائب, و استغل البعض منهم تلك الظروف ليفرض على السوق تفضيلاته المتدنية للأداء.
و اليوم, تقوم وزارة التجارة بمحاولات جادة لاسترداد قيادتها للسوق و إعادة الهيبة و الحضور للنظام, و هي بذلك تشكل تهديدا لنماذج ربحية جشعة طال وجودها و تعالى فحشها المادي و ندر اسهامها المجتمعي. لهذا من المتوقع أن تواجه الوزارة معارضة عنيفة أو محاولات ارتشاء مغرية لتتوقف عن مدها و تترك لألئك الجشعين قيادة السوق و الابقاء على طريقتهم في السيطرة على التفضيلات, بالرغم من إلمامهم باحتياجات المستهلك و تفضيلاته فيما يتعلق بالأسعار و الأداء.
من منبر صحيفة مكة, أود أن أتقدم لوزارة التجارة و منسوبيها بكلمة. إن ما تقومون به هو مشروع قيادي و ما تواجهونه من مقاومة هو حال طبيعي و سيكون مؤقت, طال أم قصر. أسباب تلك المعارضة معروفة و لا يدعمها قانون و لا منطق, لهذا لن تستطيع  الصمود طويلا, و ستتراجع أمام جديتكم و إصراركم على رفع مستوى أداء السوق و أمام صرامة القانون و ردع العقوبات. و في خلال قيادة التغيير هذه, ستكون بعض المواقف معقدة و الحرب فيها سجال, ولكن الأكثر إصرارا سيكون الاكثر تأثيرا, بالمجمل. و الذي يأمله الجمهور, أن تكون الوزارة هي الطرف الأقوى تأثيرا و الأقل تنازلا عن كل ما من شأنه رفع أداء السوق. علما بأن الوزارة لن تحتاج إلى معاقبة الجميع, و قليل من الضربات الموجعة للكبار سيبعث الكثير من الرسائل المنذرة و المحذرة للبقية بأن النظام واضح و توقعات الأداء عالية و عاقبة تجاهلها وخيمة جدا إن ثبت وقوعها, و من الحكمة تفعيل الرقابة الذاتية و تجنبها.
و بعد أن تستعيد الوزارة سيطرتها على السوق, و على تفضيلاته, سيعتاد التجار على الأجواء النظامية الجديدة و سيضعون القانون في الحسبان عند بناء نماذجهم الربحية و ممارسة أنشطتهم التجارية مستقبلا. و لكن, قد تتطور و تتعقد أساليب التحايل بالمستقبل, ما يتطلب من الوزارة البقاء يقظة و مترقبة و سباقة لكشف و منع محاولات التضليل و الحد من تقدمها و انتشارها, حتى لا تتجدد الحاجة لقيادة تغيير أخرى مكلفة و مجهدة.
و ختاما, كان تفاعل الجمهور مع مواقف الوزارة إزاء مشروعها القيادي للتغيير ملحوظا و يعكس تجدد الأمل و ارتفاع الثقة و التوقعات بقياديي الوزارة, و على قدر أهل العزم تأتي العزائم.     


الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

الأنظمة و الناس


مقالي اليوم مجزأ إلى ثلاث أقسام مستقلة كنماذج و لكن مشتركة كمفاهيم, تناقش العلاقة المتدافعة بين الأنظمة و الناس في الحياة الاجتماعية المشتركة. أبدأ القسم الأول بمناقشة ما قامت به وزارة التجارة و منسوبيها من عمل جريء لإعادة الاعتبار للأنظمة التجارية في ميدان السوق المحلي, و ذلك بالضغط على التجار لأخذ تلك الأنظمة في الحسبان كمفاتيح و قواعد رئيسة لدخول اللعبة المحلية و ممارستها. من الطبيعي أن نشهد مقاومة متصاعدة من أولئك الذين شعروا بتهديد الأنظمة لبعض مصالحهم أو جعلها ثانويه أمام مصلحة السوق و المستهلك. و قد نفقد بعض الاسماء التجارية البارزة كونها ترفض احترام أنظمة اللعب النظيف, و لكن لن يكون رحيلهم نهاية الطريق, بل البداية المبشرة. فخروج تلك القامات العريضة التي زاحمت أسواقنا بأحجامها و تحالفاتها (الاحتكارية) و نمطيتها المملة (التي تفتقر للتجديد و التنويع) و سياساتها التسويقية دون المستوى, سيتيح مساحات واسعة للاعبين جدد أكثر كفاءة و تنوع في الأداء و الجودة و الأسعار منطلقين من أسس قواعد اللعب النزيه و من احترامهم و جديتهم في رفع تفضيلات المستهلك لمعايير جودة و أسعار أفضل.
وصلتي الثانية تناقش ردود أفعال الناس تجاه الأنظمة و تحديثاتها. شهدت السنوات الأخيرة ظهور و تحديث عدد من الأنظمة التي تسعى إلى تحسين طبيعة علاقات الناس إلى مستويات ترقى و تلائم الظروف المتجددة التي تحيط بنا, و تشمل على سبيل المثال أنظمة الترافع والإجراءات الجزائية والمحاماة, نظام حماية الطفل, و أنظمة استقدام الخادمات و السائقين و غيرها. كيف ستكون أصداؤها و ردود أفعال الناس تجاهها؟ من المتوقع أن نسمع بعض الأصوات المعارضة أو بعض التجاهل, تماما كما يفعل بعض التجار تجاه حملات تفعيل الأنظمة. من بين الأسباب هو شعور البعض بالارتياح تجاه الانظمة القديمة أو غياب القانون أو بالانزعاج من التغيير الذي قد لا يفهمونه أو قد يهدد بعضا من مصالحهم الشخصية. في اعتقادي, إن الحس المجتمعي – و منه الشعور باحتياج الآخر للحماية و رفع الظلم و الذي من أجله يتم تطوير الأنظمة- شيء نفتقده, لغياب التوجيه و التوعية المنظمة و التي تبدأ بالطبع من المدارس و الجامعات– القنوات التي يمر عبرها كل أفراد المجتمع, و ينبغي أن لا يخرج منها فرد إلا و قد تم غرس ذلك الحس فيه.    

وصلتي الأخيرة تناقش الصراع بين الثقافة المحلية و أنظمة المرور. لماذا تكثر المخالفات المرورية و حوادث الطرق بالرغم من وجود الأنظمة و أدوات التفعيل التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها بالدول المتقدمة؟ في اعتقادي, السبب يعود إلى وجود تصادم بين ما تمليه الثقافة الدارجة– أو ما يعيه و يثقفه الفرد- و بين الأنظمة. فحينما تذكر الأنظمة الناس بأولويات العبور عند التقاطعات و مداخل الطرق, تعترضها ثقافة السائق بقناعات دارجة تخضعه لمقاييس توسمه بصفات منبوذة كـ "الغشامة" عند التأني أو "الجبن و الخوف" عند تأخر قرار الدخول أو التجاوز أو السرعة, و أخيرا "مسوي نظامي" إذا ربط الحزام. تعزيز الوعي حول متطلبات الشراكة المجتمعية سواءا على الطرق أو غيرها يمكن أن يسد الفجوة بين الثقافة و الأنظمة.    

الأربعاء، 3 ديسمبر 2014

تساؤلات جوهرية حول أسعار الأسهم


فنيا, يعكس سعر السهم قيمة ممتلكات الشركة متضمنة أرباح السنة الحالية مخصوما منها قيم القروض و أي إلتزامات أخرى. أيضا يمكن أن يعبر عنه بمفهوم آخر ليعكس القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية المتوقعة من تشغيل الاستثمارات بالشركة. هذه النظرة مبنية على مفهوم قيمة السهم الزمنية و التي تفترض أن المستثمر سيفضل التمتع باستخدام النقد (الكاش) على تسليمه (استثماره) للشركة و الانتظار, إلا إذا كانت الشركة قادرة على تعويضه عن ذلك الانتظار, بتنمية ماله في شكل أرباح أو تدفقات نقدية مستقبلية متنامية و مستقرة.
و بلغة أبسط, كمستثمر, سأفضل أن استخدم مدخراتي اليوم, قبل أن تفقد قيمتها نتيجة ارتفاع الاسعار المستمر للسلع, و لكن لن أمانع من تسليمها كاستثمارات في مشروع ما في حالة قيام المسؤولين عنه (المدراء) باثبات قدرته على توفير تعويضات مقنعة عن ذلك الانتظار (أرباح أو نمو لرأس المال). و مقدار التعويض الذي سأقبله عن ذلك الانتظار سيتضمن أرباح سنوية تعادل أرباح السندات الحكومية (خالية المخاطر) كأقل تقدير, مضافا إليها نسبة أرباح تقابل مخاطر تقلبات أسعار الأسهم السوقية (مخاطر السوق) و تقلبات الإقتصاد المحلي (مخاطر التضخم و الفوائد) و تقلبات المشروع (امكانياته المالية و التقنية و حصصه السوقية من المبيعات). و كلما طالت فترة الانتظار, أصبحت المخاطر أعلى, و بالتالي يحق لي كمستثمر المطالبة بنسب أرباح أعلى.
تنخفض المخاطر و يزداد وضوح المستقبل (مصداقية الأرباح الموعودة) بارتفاع جودة المعلومات المالية و الإقتصادية المتوفرة بالسوق. تعد القوائم المالية أحد أهم مصادر تلك المعلومات و تقوم هيئة السوق المالية بدور الرقابة عليها. لكن قد يحدث تضارب بين ما تعرضه تلك القوائم من معلومات دفترية حول قيمة السهم و أرباحه (التي تعكس رأي المحاسب و المراجع) و بين قيمته السوقية (التي تعكس رأي المساهم كبائع أو كمشتري, و المبني على تحليلاته).
يمكنك عزيزي/عزيزتي القارئـ/ـة إجراء مقارنة سريعة بين القيم الدفترية و السوقية لأسهم الشركات على موقع تداول, و ذلك بالرجوع إلى صفحة "عائد السهم", و باختيار احدى الشركات, سيعرض لك الموقع مؤشر "السعر السوقي/القيمة الدفترية" و الذي من المفترض أن يساوي قيمة أقرب إلى  1. و لكن, ستلاحظ وجود أسهم بأسعار سوقية متضاعفة أو منخفضة جدا عن أسعارها الدفترية (قيم أعلى أو أقل من 1 بمستويات كبيرة), ما يثير عدة تساؤلات جوهرية: هل يستخدم المستثمرون القوائم المالية عند قيامهم بتحديد أسعار التداول أم أنهم يعتمدون على مصادر أخرى للمعلومات, و ما هي؟ هل يبني المساهم استنتاجاته حول الأسعار على أسس تأخذ في الاعتبار مستقبل الشركة كمشروع يحظى بشهرة و حصة مبيعات أم أنه يعتمد على الجو العام للسوق المالية و أوضاع أسعار البترول و الأسواق المالية العالمية, بعيدا عن وضع المنشأة الداخلي و مركزها التنافسي؟ أي الآراء أصدق حول قيمة السهم و ما يعكسه من تدفقات مستقبلية, رأي المحاسب أم المساهم؟ ما مستوى الكفاءة التي تتمتع بها السوق المالية السعودية (أو إلى أي مدى تعكس أسعار الأسهم المعلومات المالية و الإقتصادية المتوفرة؟).
الغرض من مقال اليوم هو شد انتباه المستثمر إلى تلك المسائل الجوهرية, و سيكون لي عودة لمناقشتها مستقبلا.


الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

صناعة المعلومة المالية


تعد المحاسبة المالية أحد أهم دعائم المنشآت الحديثة و أسواق الأسهم. يصنع المحاسب المعلومة المالية و يقدمها لأصحاب المصالح المرتبطين بالمنشأة كملاك الأسهم. يسير على معايير في إعدادها و لكنه يتحمل مسؤولية سلامتها و تبعات القرارات الاقتصادية التي تبنى عليها.
تواجه المحاسبة المالية تحديات متجددة لارتباطها بعوامل اقتصادية على مستويات متعددة بدءا من الظروف الداخلية للمنشأة مرورا بظروف الصناعة و المنافسة و انتهاءا بالوضع الاقتصادي المحلي و أحيانا العالمي. أيضا لكون المحاسبة لاتزال فن, حيث لم تنجح الجهود الاكاديمية في الخروج بنظرية علمية متفق عليها رغم العدد الهائل من الأوراق العلمية المنشورة بالدوريات المختصة بالأبحاث المحاسبية بعد ظهور منهج positivism بأواخر السبعينيات. 
بالسابق, كانت مهمة المحاسب هي قياس و تدوين المعاملات التي يترتب عليها تبادل مالي استنادا على المعلومات الواردة بالمستندات (كالفواتير) و تلخيصها في قوائم مالية ذات أغراض عامة. و لكن مع التطور التكنولوجي, أصبحت هناك حاجة لقياس الممتلكات بطرق أكثر شمولية (لتتضمن الممتلكات غير الملموسة كالعلامات التجارية و نتائج أنشطة التطوير) و بأدوات تعكس الظروف المحيطة بالمنشأة (كأسعار السوق). و فور صنع المعلومة المالية و إخراجها, يستلمها مستخدمين ذوي كفاءات فنية عالية و متقدمة في التدقيق و المسائلة من أمثال المراجعين و المحللين و كبار المستثمرين.
من المفيد أن نتعرف كيف يصنع المحاسب السعودي المعلومة المالية و ماهي الأدوات التي يستخدمها. حوالي نصف القيم المحاسبية تقديرية (تتضمن إهلاكات, مخصصات, مستحقات مقدمة و مؤجلة و ممتلكات غير ملموسة), لهذا تتطلب المحاسبة عناية و دراية واسعة بالظروف الاقتصادية سواءا الداخلية أو البيئية للمنشأة للخروج بتقديرات أقرب للواقع. يطبق المحاسب معايير المحاسبة المتفق عليها و الصادرة من SOCPA. تلك المعايير ليست إلا دليل للممارسات المحاسبية المقبولة في القياس و لا تمنحه الحماية من المسائلة إن أخطأ في التقدير. يقوم المحاسب بمتابعة أنظمة و لوائح هيئة السوق المالية و أيضا توقعات المحللين الفنية و حركة السهم و قد يقارنه بمؤشر الصناعة و أسعار الشركات النظيرة, و إن تبين وجود فروقات كبيرة أو تضارب بين المعلومات التي يعدها و المعلومات السوقية للسهم و عوائده سيكون عرضة للمسائلة من قبل المراجعين و المحللين و المهتمين بالأمر. و في قياسه للممتلكات كالعقارات و المعدات و براءات الاختراع, قد يلجأ المحاسب للتقارير و الإحصائيات الصادرة عن وزارة الاقتصاد و التخطيط و وزارة التجارة و الصناعة ليكون لمحة عن الأوضاع الاقتصادية المحلية و بنية الصناعة (حجم و قوة المنافسين) و حجم السوق المحتمل و مخاطره, قبل تقدير قيمها. قد يلجأ المحاسب أيضا إلى متابعة منشورات ساما ليتوقع تغيرات أسعار الفائدة و العملة و فرص التمويل و التأمين و التي قد تعطي المنشأة قوة مالية تساهم في تخفيض المخاطر حول التقديرات عندما تكون المؤشرات إيجابية. أخيرا, قد يستخدم المحاسب مصادر أخرى للمعلومات غير المذكورة أعلاه إن كانت تبرر استنتاجاته.     
ختاما, صناعة المعلومة المحاسبية مسؤولية معقدة, و بالرغم من أن جزءا كبيرا منها يعتمد على التقدير, إلا أنها مقادير أساسية لقرارات اقتصادية هامة على المستويين القومي و الجزئي (المنشآت).
حنان المرحبي


الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

هيبتك أم بريستيجك أيها المعلم و المعلمة!


إني أتسائل ماذا تعني الهيبة في أذهان المعلمين؟ و ماهي طريقتهم في تعزيزها؟ مما شهدته في طفولتي و مما أشاهده اليوم من ممارسات أستطيع أن أقول أن الهيبة لديهم تعني جعل الطالب يخاف منهم أو يشعر بأنه "لا شيء" أمامهم حتى يحترمهم. و كيف يغرسون الخوف و يحطمون ثقة الطلاب في أنفسهم؟ ببساطة, من خلال استخدام أساليب ترويع و إذلال أشبه بأساليب مربي الشارع التقليدي و ليس التربوي كالعنف اللفظي و منها رفع الصوت, التحقير, السب, و التهديد, و العنف البدني كالضرب أو الحبس, و ذلك بزعم تخريج طلبة مبدعين فكريا و أسوياء سلوكيا! و هل تحتمل العملية التربوية و التعليمية تلك النماذج المضطربة و المستحقرة!
المدرسة هي بيئة للتجارب الاجتماعية و التعلم, و من المفترض أن تكون معدة لاستقبال طلاب من طبقات إجتماعية متعددة, تعلمهم و تحثهم على التفاعل –خوض التجارب- الذي قد ينشأ عنه بعض الصدامات و الأخطاء. يتوقع التربويون تلك الأخطاء مسبقا و يجهزون الحلول العلمية لها قبل حدوثها, ليقوموا باحتواؤها و تصحيحها بهدوء.
لكن الذي يحدث في الواقع مختلف تماما. يقوم الكثير من التربويين بتضييق مساحة التجارب المدرسية للحد من الأخطاء ما أمكن مستخدمين تعاليم غير دقيقة أو غير محدثة و بالتالي مثيرة لسوء الفهم و حل تربوي واحد و هو الهيبة – و بالمعنى الترهيبي. قد يكون السبب هو عجزهم في إيجاد حلول بديلة لمشكلات الطلاب المتجددة, ما يشعرهم بالتوتر و يحفز سلوكهم العنيف. و محصلة ذلك التخبط السلوكي لدى أولئك المعلمين إما طلبة فاقدين الأمان و الثقة في من حولهم (مشاغبين و عنيفين) أو طلبة فاقدين الثقة في أنفسهم (قلقين, مترددين, و منطوين).
أيضا, ينتج عن الترهيب توتر العلاقات و بناء الحواجز بين الطلبة و المعلمين. تؤكد الدراسات بان الأجواء المتوترة و غير الآمنة تضعف القدرة على الاستيعاب و تعيق التعلم و الابداع. بالتالي, لن يكون هناك تحصيل علمي و لا سلوكي, و مربي "الشارع" التقليدي كان جديرا بالمسؤولية التربوية هو أيضا, فهم لا يختلفون.
غالبية الطلبة هم من الأسوياء و يستحقون الاحترام و الثقة و عدم تعميم البلاء عليهم, و إن أخطأو فهو أمر طبيعي في حقل التجارب و التعلم المدرسي و لا ينبغي ترهيبهم بل توجيههم و رفع ثقتهم. أخطاؤهم بالغالب غير مقصودة أو ناتجة عن سوء الفهم أو لعوامل نفسية خاصة بسن الطفولة أو المراهقة, و ينبغي النظر إليها كفرص لتفعيل الدور التربوي المنظم و المدروس.
ختاما, هناك بديل أمثل للهيبة و هو بريستيج المعلم الذي لا يمكن أن يجتمع مع أساليب المربي التقليدي في شخص واحد. بريستيج المعلم يمنحه القدرة على التأثير و بناء القدوة و كسب احترام الطلبة و ثقتهم. يبنى بريستيج المعلم على أساس مستواه العلمي و التربوي, إنجازه, قدرته على تنمية مهارات الطلبة, سلوكه المؤسسي المنضبط و المبني على أسس و أهداف تربوية و تعليمية حديثة و منسجمة مع محيطه المدرسي و لا تتصادم مع توقعات الطلبة و تحترم خصائص جيلهم, امتثاله بالخلق, التسامح, و التواضع عند صحبتهم.



الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

كن أنت!


الانسان, من المنظور الاجتماعي, إما تابع أو متبوع. و بعصر العولمة الذي نعيشه و الذي نتيج عن انتشار وسائل الاتصالات و المواصلات, ازدادت المجالات التي تجعل الانسان تابعا, و تراجعت الفرص التي تجعله متبوعا. فاقتصاديا, عندما يبحث الفرد عن الاستهلاك يكون تابع, و عندما يتقصى فرص التجارة المربحة و "ينجح" يصبح متبوعا. في التعليم, عندما يطلب العلم, يكون تابعا, و عندما يبتكر و يجدد المعرفة و ينجح في حصد اعتراف الناس يصبح متبوعا, و هكذا ببقية المجالات. و يبدو أن فرص التبعية أكثر متناولا للفرد, لأنها ضمن إرادته و اختياره, لكن إن أراد الانسان أن يكون متبوعا, فذلك أصعب, لأنه اختيار الناس.
التبعية و المتبوعية كلمتان تتحدث عن شيء واحد, و هو الاختيار – في تحديد الطريقة و التفضيلات. فإما أن يضع الشخص الطريقة و يسن التفضيلات لنفسه و للآخرين (فيكون متبوعا), أو أن يسير على طريقة أو تفضيلات غيره (فيكون تابعا).
في الغالب, يصعب على الانسان أن يمتلك الاختيار في الفرص التي تأتيه (بعكس الفرص التي يصنعها بنفسه). مثلا, عندما يحصل الفرد على منحة تعليمية, فهو أمام هذه الفرصة لا يملك سوى بذل أقصى جهده لتحصيل الدرجات المتطلبة للالتحاق بالتخصص الذي يحلم به, و لو كانت المناهج متقادمة أو كانت طريقة التقييم غير منصفة, أو كان المعلمون دون المستوى, هذه الأمور تخرج تماما عن اختياره و سيطرته. و المستهلك كتابع, لا يملك سوى الاختيار من بين مجموعة المواصفات و الجودة التي يختارها له المصنع (المتبوع أو المتحكم) وفقا للسعر الذي يتطلبه. و ينطبق هذا أيضا على العامل و رب العمل, فلن يملك الأول سوى قبول شروط من أوجد الفرصة الوظيفية له, و لو كانت لا تتفق مع طموحاته.
لهذا, لا تنظر للفرص التي تأتيك كغايات, فتسقط في فخ التبعية. و لكن كن أنت, كما تحب, بتعقيد خياراتك في قبول تبعية الآخرين. فإن كنت مستهلك, كن مساوما عنيفا على الاسعار و الجودة و المواصفات, حتى تضطر التجار لاحترام تفضيلاتك و تحسين أداء منتجاتهم و خدماتهم. و إن كنت ذا طموح, قم بتخطيط أهدافك المستقبلية و سبل تحقيقها و لا تنتظر أن تحددها لك المناهج أو رب العمل. فتلك الفرص تأتيك بتفضيلات من أوجدها, و التي قد لا تكون مثلى, فإن كانت سبيلا لتحقيق بعض أهدافك, فاقبلها كممرات للعبور فقط و لا تقبلها كغايات. ارتقي بأهدافك و رتب أولوياتك من أجلها باستقلالية.    

قبل أن أختم, لا أقصد من كلامي أن تبعية الآخرين شيء سيء, لأن العكس صحيح. فالانسان في حاجة للاختلاط بالأخرين باستمرار ليكتسب من معارفهم و خبراتهم, فيطور أهدافه تبعا لمستجداتهم فلا تتقادم. و في بعض الأحيان, قد تتطلب الاستفادة من الآخرين مرونة في تقبل شروطهم و لو كانت ملزمة بالصمت, كشرط الخضر على موسى عليه السلام عندما رغب في أن يتبعه. بالمناسبة, لم تكن تبعية موسى عليه السلام للخضر غاية في حد ذاتها, بل كانت وسيلة أراد منها تحقيق هدف أسمى, فكان مرنا مع شرطه, و لكن مدركا و مستقلا بأولوياته. 

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

قرية الرياديين و السعداء


بالأسبوع الماضي قمت باعطاء صورة عامة عن ظروف الصناعة و آثار أنشطة التطوير فيها على تقادم التخصصات و تعطيل إمكانيات الخريجين. ثم ختمت مقالي بنصائح أساسية لمن يريد الوقوف بوجه تلك القوى و التقدم بلعب أدوار قيادية من منطلق تخصصاتهم. مقال اليوم يقدم تفصيلا أوفر لبعض الفرص القيادية التي يمكن أن يخلقها الخريجين لأنفسهم.
أفتتح المقال بتصوير نموذج اسميته "قرية الرياديين و السعداء". لنتخيل أنه يعيش في إحدى القرى ثلاث أشخاص يمتلكون معارف وموارد لا يتمتع بها معظم الناس: الأول طبيب, و الثاني نجار و الثالث يمتلك حقول و مزارع. هناك خياران, إما أن يقوم هؤلاء الثلاثة بكتمان و حبس تلك المزايا عن الناس, و ترك أهل القرية يعانون من الأمراض و من نقص بالأدوات و الموارد الغذائية, أو أن يقومون - مستعينين بما يمتلكونه من امتيازات و معرفة جيدة بأوضاع القرية -  بتجهيز مبادرات أو حلول متكاملة في صورة منتجات أو خدمات فريدة, ثم عرضها على الناس كأدوات فاعلة في معالجة مشكلاتهم. أي الخيارين يفتح لهؤلاء الثلاثة فرص الريادة من منطلق صنعتهم و للمجتمع أبواب السعادة؟ بالطبع الخيار الثاني. فتبني الأفراد لمبادرات مجتمعية (سواءا تطوعية أو ربحية) سيجلب لهم اعتراف الناس و دعمهم و الارتقاء السريع بأنفسهم و بمجتمعاتهم.
قيس على هذا النموذج الخريجين و ما يمتلكونه من معارف و مهارات أو براءات اختراع و قيس عليه مجتمعنا الذي ينتظر حلولهم و مشاريعهم المتكاملة مع احتياجاته.
يتطلب العمل الريادي اتقان الفرد لتخصصه و إدراكه بمشكلات مجتمعه, حتى يتمكن من مزاوجة ما لديه من مزايا معرفية مع ما يتطلع إليه الناس من حلول أو مشاريع مثلى و فريدة. و متى يصبح الدور قيادي؟ عندما يكسب صاحب الفكرة أو المنتج الاعتراف الواسع من الناس ويستقطب دعم المهتمين لتمويلها كمشروع, أو تطبيقها أو شرائها و نشرها.
أيضا, يتطلب العمل الريادي إيمان الفرد بفكرته و عمل مستمر و ثبات في سبيل تعريفها للناس و نشرها, و يتطلب أيضا الاستمرار في تحسينها و كذلك تحديثها حسب ما يطرأ من تغيرات على تفضيلات الناس و ظروفهم. بعض الحلول أو المنتجات لا تأخذ وقتا في الانتشار, كتجربة شبكة الانستقرام. و بعضها معقدة و تتطلب مراعاة كبيرة لأذواق الناس و حملات دعائية مكلفة لاقناعهم بفاعليتها.
إليكم نموذج توضيحي: أتقن أحد الخريجين برمجة تطبيقات الهواتف الذكية, و يحلم بقيادة تلك الصنعة. يعاني مجتمعه من مشكلة و هي أن أغلب مزودي الخدمة لا يقدمونها بالجودة و لا السعر المطلوب. و لتحقيق حلمه الريادي, يبدأ بعمل نماذج لتطبيقات فريدة تحقق التكامل الأمثل بين ما تعلمه من معارف متقدمة و بين ما يتطلع إليه الناس من جودة و أداء و سعر. و لتنتشر نماذجه, يستعين بحملات إعلانية أو توعوية لتقديم شروحات مفصلة لطبيعة الفكرة و كيف تتميز على نظيراتها لتكتسب الثقة.
تذكر, كلما عانى المجتمع من مشكلات, كلما زادت الفرص القيادية فيه. فالعمل القيادي ماهو إلا تبنيك لحلول متخصصة و بارعة تغير حياة الناس للأفضل.  



الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

كيف أتبنى دورا قياديا من منطلق تخصصي؟



يقضي الفرد سنوات لا يستهان بها من عمره طالبا للعلم, مستكشفا المعرفة و مجددا لقدراته. و خلال دراسته تلك, يمر بمقتطفات يسيرة من علوم متفرقة بالحياة. يستمر كذلك حتى يصل إلى مرحلة تحتم عليه اختيار التخصص الذي ينوي استثمار طاقاته في اتقانه. البعض يجد عملية اختيار التخصص عملية سهلة و البعض الآخر قد يقضي سنوات من البحث و الاستشارة حتى يتوصل إلى التخصص الأمثل- الذي يحقق التوازن بين ميوله و بين مستقبله بالصناعة.
إن بعض التخصصات معرضة للتقادم أو التحول لمسارات متقدمة أخرى أو حتى الزوال, لأسباب تعود إلى سرعة تقدم الأدوات الانسانية و المعرفية و تعقد الأسواق و التكنولوجيا. و من بين الأسباب الأخرى المتعلقة بالتخصص ذاته هو مدى حاجة الناس له و قابليته للتطور السريع.
تعتبر الشركات و المصانع محركات قوية للتطوير و التغيير, و هي في كثير من الأحيان تسبق جهود الباحثين بأقسام الجامعات لأنها أكثر قربا من واقع الأسواق و أكثر إدراكا لتقلباته. تقوم الشركات المتفوقة باعتماد ميزانيات كبيرة لأقسام البحث و التطوير لديها من أجل إخراج أجيال رائدة و متجددة من المنتجات, يتم تحديثها بشكل مستمر لتحقيق السيطرة على تحولات الصناعة.
من شأن تلك النفقات تغيير وجه الصناعة, و قد تتسبب في انهيار شركات و بزوغ شركات أخرى, أو تقادم و اندثار تخصصات و ظهور تخصصات أخرى. خير مثال على ذلك هو صناعة الهواتف المتنقلة. فقد تحول مسارها من مجرد سلعة اليكترونية بسيطة لتقديم خدمات الاتصال و الرسائل القصيرة, إلى بلاتفورم لتطبيقات غير محدودة, مرتبطة بالانترنت و شبكات التواصل إلى جانب الخدمات التقليدية. كان وراء ذلك التحول تفوق أقسام البحث و التطوير لدى العملاقتان آبل و سامسونج, حيث ساهمت تلك الشركتان في إخراج منتجات غير مسبوقة من الهواتف الذكية, أحرجت هواتف لشركات متصدرة آنذك أمثال نوكيا و إريكسون, و كذلك أحرجت أقسام تقنية المعلومات بالجامعات لتضطرها إلى بذل الجهود لاستقطاب المعرفة حتى لا تتقادم هي الأخرى فيتم إغلاق عدد من مساراتها.
إذن يمكن القول أن التخصصات رهينة لظروف الصناعة و تقلبات الأسواق و مدى الحاجة لها و قابليتها للتطور السريع. تلك العوامل تحرج باستمرار أقسام الجامعات و خريجيها. فكيف يمكن للشخص أن يصنع من نفسه عاملا مجددا للمعرفة بمجال تخصصه أو قائدا لثوراته و تحولاته؟
تأتي أهمية الشخص من أهمية تخصصه, و أهمية التخصص تأتي من فاعلية أدواره و ريادتها في تحسين حياة الناس أو معالجة مشكلاتهم. تلك الأدوار يحييها و يجددها الخلاقين و عمال المعرفة في تلك التخصصات, سواءا وجدوا بأقسام الشركات أو أقسام الجامعات, أو حتى بالمجموعات المتطوعة. الأمر يتطلب أولا الشعور بالفخر بانتمائك لتخصصك و من ثم استثمار طاقاتك في اتقانه. يتبع ذلك تعريف الناس بأهميته و أدواره القيادية في معالجة مشاكل المجتمع و تحسين ظروفه. لا يكفي الكلام و رفع الشعارات, بل يجب العمل لإخراج منتجات أو نماذج راقية تبرهن فعالية و قيادية تخصصك بالمجتمع.

فهل تحمل رسالة تخبر من خلالها الناس بمجتمعك أنك و من منطلق تخصصك تستطيع أن تقدم نموذجا رائدا و داعما لتقدمهم؟ من هنا يبدأ الدور الحي و المستقبل القيادي لك و لتخصصك. 

الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

"فرزنة المبايض" من فيسبوك و أبل


منذ اندلاع الثورة الصناعية و الصراع بين الانسان و المادة لم يزل يحتدم. تريد المادة من الانسان أن يتجرد من فطرته ما أمكن, لأنها تعتبره أحد أصولها "ممتلكاتها" التي تصنع الثروة,  و كلما تجرد من فطرته و جعل جل تركيزه في الإنجاز و العمل, كلما رحبت به و أتاحت له الفرص للغنى. لكن الإنسان بفطرته التي يتحايل عليها في بعض الأحيان, لديه ميول لأمور أخرى غير العمل - تراها المادة عوامل تشتيت مزعجة - كتكوين الأسرة و رعايتها, و ممارسة أنشطة اجتماعية خارج نطاق العمل, و التمتع بإجازات و أوقات ترفيه أطول.
و إن قمنا بالمقارنة بين المرأة و الرجل, أيهما أفضل؟ بالتأكيد سترحب المادة بالرجل لأن فطرته أقرب للاستجابة لمتطلباتها فهو لا يحمل و لا يرضع و لا يتشتت ذهنه بمسؤولية الاعتناء بالأبناء و المنزل بقدر ما تتشتت المرأة بذلك. بالتالي, لا ترحب المادة بالمرأة مهما برهنت تفوقها ذكاءا أو إنجازا.
و لإعادة التوازن, تقوم الحكومات بالضغط على الشركات لتقليل الفارق بين أعداد موظفيها من الرجال و النساء, ما ولد الحاجة لدى المادة لابتكار أساليب ملتوية تستعيد من خلالها هيمنتها على الانسان و اختياراته, ليظهر الحل من المبدعتين فيسبوك و أبل.  فقد تقدمت الشركتان بمقترح مبتكر يطلب من المرأة أن تعيد تشكيل تكوينها الجسدي لتقترب من سمات الرجل – المفضل حسب مقاييسها - و ذلك بالتخلى عن مبايضها و فرزنتها بالشركة مقابل منافع تصل إلى 20 ألف دولار. مع العلم أنه لا توجد ضمانات بأن تصبح المرأة قادرة على الحمل بعد استعادة مبايضها, و أن المقترح لايزال تحت التجربة. فمن سيكون المنتصر.. المرأة أم المادة؟
دعونا نتخيل حال الانسان إذا انتصرت المادة و برهن المقترح فاعليته. أولا, سيلقى المقترح انتشارا واسعا ببقية الشركات, و قد يصبح بند من بنود عقود العمل ببعض الدول التي لا يتوافر لديها قوانين تحمي حقوق النساء. أيضا, قد تضطر النساء إلى تأجيل الحمل طويلا لأجل الاستفادة من الحوافز, و عندما تقرر الانجاب, ستكتفي بعدد محدود من المواليد, كونها كبرت بالسن.
من الشيق أن نتصور الوضع بالمملكة, و نتخيل قيام الشركات المحلية بتبني المقترح, فمن سينتصر.. المرأة السعودية أم المادة؟
تتفانى المرأة السعودية من أجل مقابلة توقعات المجتمع منها كربة بيت ناجحة و لو كانت تعاني من ضغوط عمل. أضف إلى ذلك تواجه المرأة السعودية العاملة مشكلات قاهرة في التنقل و ندرة بالحضانات و لا تُمنح اجازات الأمومة بسهولة ما يجعلها تعاني من ضغوط نفسية و اجتماعية عالية. بالتالي, تعاني المرأة السعودية من تشتت عال جدا, يجعلها في أدنى مستويات الجاهزية للعمل و منافسة الرجل, من منظور المادة. فهل "فرزنة المبايض"سيقدم حل؟
قد يكون الجواب بنعم. فالمرأة السعودية لاتزال تبحث عن الفرص التي تعيد وجودها بعد أن ساهمت التقاليد بانحصارها و أخلت الساحة للذكور و تسببت في تحميلها ما لا تطيقه من الأعباء من دون أن تتكفل بأدنى متطلبات معيشتها و احتياجاتها. و لتستعيد المرأة السعودية مكانتها, فقد تقرر التحالف مع المادة و تقبل بحوافزها أيا كان نوعها, فهي عامل يغني عن الحاجة و يعزز من الكرامة.



الثلاثاء، 14 أكتوبر 2014

المحاسبة.. الكنز المفقود


تطالعنا وسائل الإعلام بمواد إخبارية متجددة حول مشكلات مالية تكاد تكون يومية, تشمل على سبيل المثال, تضخم غير معقول في تكاليف المشاريع و اختلاسات للممتلكات العامة. أما بالنسبة للقطاع الخاص, فلعل أبرز المشكلات المالية تظهر في شكل تذبذب عالي و مستمر في أسعار الأسهم, و وجود فوارق كبيرة بين قيمها السوقية و قيمها الدفترية. أيضا, قد لا تحظى الأرقام الواردة بالقوائم المالية للشركات المساهمة بثقة المتعاملين بالسوقثقة, فقد تكونت.ن الساحة الاعلامية و تكاد تخلو المحاسبة من بتعثين بهذا المجال..
هناك غياب ملحوظ للدور الهام الذي يمكن أن تلعبه المحاسبة في معالجة الكثير من المشكلات المالية. و لكن يبدو أن المحاسبة بالمملكة لاتزال الكنز المفقود. هناك ضعف ملحوظ في مخرجات التعليم في تخصصات المحاسبة و هناك ندرة في أعداد المبتعثين لهذا المجال و ندرة في أعداد الخبراء و العاملين بالمهنة. أيضا, لا توجد أقلام محاسبية فاعلة للمطالبة بتفعيل أدوار المحاسبة.
ماهي المحاسبة و ما أدوارها؟ المحاسبة هي نظام معلوماتي يهدف إلى قياس الوضع المالي و الأداء للمنشآت و التقرير عنهم بصفة دورية. تلعب المعلومة المحاسبية "المنتج الرئيس من ذلك النظام" دورين رئيسيين: الدور الأول هو دور رقابي و الآخر هو دور تنبؤي. بالنسبة للدور الرقابي, توفر المحاسبة تقارير مالية دورية معدة بناءا على أسس و قواعد محاسبية معتمدة و موحدة لتمكين عقد المقارنات و تيسير المتابعة المستمرة و لتعزيز المصداقية. يمكن مراجعة دقة تلك التقارير منيتم مراجعتهارنة و المصداقيةية من التحديات قبل جهة خارجية مستقلة.
جميع الشركات المسجلة بسوق الأسهم ملزمة بقياس و عرض تقارير مالية دورية لنتائج أنشطتها السنوية "الأرباح و الخسائر", و قيم الممتلكات و مقدار الديون و حال رأس المال. من بين أهم المستفيدين من تلك المعلومات المساهمون, فهم لا يملكون أي وسيلة أخرى لمتابعة و رقابة فاعلية الإدارة التنفيذية في تشغيل رؤوس أموالهم و تحقيق الأرباح, نتيجة الفصل القائم بين الملكية و الإدارة تحت نظام شركات المساهمة.أما بالنسبة للوحدات الحكومية, فقد لا تتمتع بالاستقلالية. بالتالي سيظل هناك انعدام للشفافية و ثغرات متعددة للفساد المالي الذي لن يمكن تتبع أثره و اكتشافه في ظل ضعف نظام المحاسبة.
أما بالنسبة للدور التنبؤي, فالأرقام المحاسبية تعكس القيم المستقبلية المتوقعة للممتلكات. يقوم المحاسب بتصنيف أي نفقة إلى واحدة من إثنين: إما مصروف محمل على ربح السنة الحالية, ليخصم منه فورا, حيث لا يتوقع أن تتحقق أي عوائد مستقبلية منه. أو مصروف محمل على أرباح السنوات المقبلة, لتخصم منها بدلا من ربح السنة الحالية, و بالتالي يصنف كأصل, لوجود توقعات بعوائد مستقبلية مرتبطه به. المصروف الذي يتم تصنيفه كأصل حسب معايير المحاسبة يرسل إشارة إيجابية للسوق بأن هناك فاعلية و بُعد تخطيط لدى الإدارة التنفيذية, حيث تستخدم رؤوس الأموال في أنشطة متوقع أن تحقق نموا على المدى البعيد. و لكن, عملية التصنيف تلك ليست سهلة, فالعوامل الاقتصادية التي تحيط بالتعاملات المالية متغيرة و متشابكة ما يصعب الخروج بتنبؤات دقيقة بمقدار العوائد المستقبليةصنيف تقبلية, و س كل أصل عوائد مستقبلية, و هذه إحدى أهم تحديات المحاسبة.يعكس بعد تخطيط الإدارة و تركيزها على الأنشطة و المشار, فضلا عن وجود حوافز للتضليل و التلاعب من قبل الإدارة, كون الأرباح مقياس لفاعليتها.
مما سبق, يمكن للمحاسبة أن تلعب أدوار هامة في عدد من المجالات, لكن وضعها الراهن لا يبشر, و بحاجة لمجددين.

   

الأربعاء، 8 أكتوبر 2014

كيف أتبنى مشروع مربح؟


سؤال يكثر طرحه لكن عادة لا يجد إجابة شافية. إن الدخول بأي مشروع يتطلب رأس مال و نفقات. و كل ريال ينفقه الشخص على مشروعه, مبني على توقع بإسترداده في شكل إيرادات أو أرباح أو شهرة, و إلا فهو خسارة. إن القدرة على رؤية العلاقة بين ريال اليوم المنفق و إيراد المستقبل هو سر تفوق تاجر عن آخر. تتأثر تلك الرؤية بعوامل متعددة من داخل المشروع و من خارجه, و تلعب الخبرة و المعرفة أدوار رئيسية فيها.
من أهم أمثلة العوامل الخارجية, الزبائن و تفضيلاتهم الشرائية و المنافسين و تحركاتهم الإستراتيجية. و لتكوين رؤية واضحة عن مدى تأثيرهم على العلاقة بين نفقات اليوم و عوائد المستقبل, عليك طرح أسئلة كهذه: هل ما ستنفقه اليوم سيعالج مشكلة إرضاء الزبون أو سيساعدك على استقطاب آخرين؟ و هل سيجعل منتجاتك أو خدماتك تتقدم من حيث الجودة أو الأداء على تلك التابعة لمنافسيك فتحافظ بذلك على زبائنك أو تستقطب زبائنهم إليك؟
أما عن أمثلة العوامل الداخلية فهي تشمل الإمكانيات التقنية و الفنية و التنظيم الإداري ورداده في شكل إيراد مبيبيعاتحيمه:زبائنهم إليكيال اليوم المنفق و عائده المستقبلي. من العلم مبلغا, عندها إبدأ بوضع بصمتك الخاصة ع الموارد و مدى قدرتها على مقابلة تفضيلات الزبائن, و صعوبة تقليدها من قبل المنافسين. تمثل الإدارة و الأساليب الحديثة المتبعة لديها و الثقافة السائدة داخل الشركة عوامل نجاح أو فشل داخلية. تقوم الإدارة بمحاولات لعمل دمج أمثل بين التقنيات و العاملين ذوي القدرات العالية للخروج بجيل متميز من المنتجات و الخدمات. تلك المحاولات ستتطلب نفقات هائلة لأجل تطوير الامكانيات و توجيهها إلى ما يحقق التفوق للشركة. لكن, في نهاية المطاف, يجب أن تثمر المحاولات و النفقات عوائد مستقبلية و إلا فلا معنى لها.
أصبحت المعرفة عامل حاسم لإدارة مشاريع اليوم المعقدة و تعزيز القدرة على رؤية مستقبلها. يبدأ المدير الذكي بصياغة مئات الأسئلة حول أوضاع السوق (الزبائن و المنافسين) الحالية و المستقبلية و أوضاع الأنظمة و الهيكلة و الموارد التي تمتلكها الشركة و مدى ملائمتها لظروف السوق, كاستعداد مبكر لفهم المستقبل و وضع استراتيجية عن رؤية واضحة. فالإجابة على تلك الأسئلة تتطلب خبرة و معرفة من أجل الخروج بقرارات مثلى تمتزج أهم العوامل الداخلية و الخارجية و توجه الثروة إليها بكفاءة.  معرفة ة مضمونةلنفقات الهائلة على تطوير تلك الامكانيات فشل. ماتك؟ و هل سيجعل منتجاتك و خدماتك تتقدم بخطوة ()يجية.
أعتقد أن مقالي أخذ يتعقد, و لعلي أختم ببعض المقترحات التي تلائم المبتدأين الذين إذا دخلوا السوق بمشاريعهم و عادوا لقراءة مقالي هذا بعد حين, سيرون بوضوح تام عن ماذا كنت أتحدث.
كمبتديء, و تريد أن تضع ريالك في محله, أمامك حلين. إما أن تقوم بالعمل في أحد المشاريع التي ترغب بالدخول فيها مستقبلا, بهدف اكتساب الخبرة في إدارته و أخذ فكرة واضحة عن أهم زبائنه و تفضيلاتهم و أهم منافسيه و مدى تأثيرهم على مشروعك, أو أن تقوم بشراء مشروع قائم و ناجحاكتساب الخبرة في إدارته و أخذ فكرة واضحة عن أهم زبائنه و تفضيلاتهم و أهم منافسيه و مورديه و تكوين العلاقات معهم, أ (يمتلك قائمة نشطة من الزبائن و شهرة واسعة), مع ضرورة الإحتفاظ بإدارته و عامليه لسنوات فهم سر نجاحه, و لا تحاول أن تغير من طريقتهم بل تعلم منهم و استكشف أساليبهم الإدارية المتميزة, حتى إذا بلغت من العلم كفايته, عندها إبدأ بوضع بصمتك الخاصة على المشروع. الخبرة و المعرفة هما سر وضوح الرؤية في العلاقة بين ريال اليوم المنفق و عائده المستقبلي.


الأربعاء، 24 سبتمبر 2014

الاقتصاد الوطني: تقدم مالي .. تأخر صناعي


مقال اليوم هو امتداد لمقال الأسبوع الماضي و سيركز على مناقشة مركز الاقتصاد الوطني عالميا من المنظور التقني و الصناعي.
كثيرا ما تشير التقارير الدولية إلى استحواذ المملكة على مكانة متقدمه بعدد من التصنيفات العالمية. فقد حصلت مؤخرا على مرتبة سيادية بالتصنيف الإئتماني العالمي من "فيتش"  AAو تفوقت به على العديد من الدول الأوروبية. أيضا, أعتبرت المملكة ضمن أفضل دول العالم من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال, و متوسط دخول الأفراد من بين الأعلى عالميا, و حقق الناتج القومي نمو وصل إلى 4.7 و هو يفوق المتوسط العالمي 3.3 في عام 2013. و لا تزال الجهود مستمرة لتطوير المزايا الاقتصادية الوطنية و التحول إلى اقتصاد قائم على المورد البشري (المعرفة و التقنية).
أما بالنسبة للوضع الصناعي, فالأمر مختلف. وفقا لنموذج IDP المفصل بالمقال السابق, فمستوى التقدم بالصناعة المحلية يمكن اعتباره بالمرحلة الثانية, و هي مرحلة متأخرة, حيث لاتزال الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة أعلى من الخارجة و كلاهما بمستوى منخفض جدا بالمقارنة مع عدد من دول الشرق الأسيوي و القارة الأميركية الجنوبية اللاتي تشهد تطورا صناعيا متسارعا انعكس في احداث نمو كبير للاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة و الخارجة, حسب تقرير أونكتاد الأخير, و ذلك بصناعات تقنية هامةلكلأمر2013تملك الإمكانيات للخروج و المخاطرة لضعف القدرات التقنية و المعرفية التي تمتلكها.و أسواق ناشئة لتعزيز الماركات السعودي. تشمل تلك الدول على سبيل المثال اندونسيسيا, هونق كونق, الهند, الصين, و البرازيل و هي تعتبر اقتصادات منافسة في استقطاب رؤوس الأموال و توطين التقنيات, ينبغي تتبع استراتيجياتها و أنماطها و تطوير السياسات باستمرار على إثر تحركاتها.      
 ماذا تعني تلك المؤشرات؟ إن انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة رغم توفر مزايا وطنية هامة و مؤثرة كاستقرار المركز الإئتماني و نمو دخول الأفراد, قد يعود لأسباب من بينها الاضطرابات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط, صغر حجم السوق المحلية بالمقارنة مع أسواق أخرى منافسة كالصين و اندونيسيا و التي تتفوق في معدلات تعداد السكان, أيضا عدم توفق سياسات هيئة الاستثمار المختصة بالمجالة الإستثمار و الحاجة إلى ل الأفراد رغم محدودية عدد السكان,  نمتلكها على كثير من تلك الدول قد يعود لأسباب .
و انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة يعني أن الشركات المحلية لا تزال بمرحلة صناعية متأخرة حيث لا تملك المعرفة و لا التقنية التي تمكنها من المخاطرة و الخروج برؤوس أموالها لتشغيل أنشطة دولية لنشر و تعزيز علاماتها التجارية عالميا, و ذلك بالرغم من توافر أسواق ناشئة و ذات متطلبات غير معقدة كالسوق الاندونيسي. و إن انخفاض المنافسة محليا لغياب المنافس المتميز سواءا الوطني أو الأجنبي جعل الشركات الوطنية تتراجع في سياسات الإنفاق على الأبحاث و التطوير أو الخروج باستثماراتها المباشرة للبحث عن فرص تكامل تقنية مع شركات دولية, بالتالي نشهد تراجعا بالاستثمارات المباشرة الخارجة.
في الواقع, القاعدة الصناعية غير واسعة و هي بالغالب متركزة على الصناعات البتروكيماوية و منتجات المعادن و الغذاء, لهذا لا تتصل المخرجات بسلاسل القيمة التي ترتبط بالتقنية, ما يصعب عقد شراكات بحثية و تطويرية مع شركات دولية مختصة بالمجال. و لكون المصانع محدودة العدد و تعمل من أجل مقابلة متطلبات السوق المحلية, تنخفض المنافسة – و هي من أهم محفزات التطوير.

ينبغي على هيئة الاستثمار و وزارة التجارة و الصناعة دراسة المسائل بشمولية و تكامل عند وضع السياسات التطويرية, فهي معقدة و متشعبة و لا تقتصر على البعد المحلي, بل مرتبطة و بعمق بتطورات الصناعة و التجارة الدولية. 

الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

الاقتصاد الوطني بالمقياس العالمي

قامت حكومة المملكة بتخصيص ميزانيات كبيرة لتحقيق تنمية شاملة و تعزيز مكانتها الاقتصادية  بين دول العالم. بالتالي, من المهم أن نضع تقدير مبدئي لموقع الاقتصاد الوطني بين الاقتصادات العالمية و معرفة ما اذا نتج عن تلك الجهود أي تقدم, و الوقوف عند التحديات لمعالجتها.  
سيعتمد التحليل على نموذج Investment Development Path (IDP) و الذي قدمه (Dunning, 1981) و نظرية Ownership-Location-Internationalization (OLI) لنفس الباحث (1993). و بحسب النموذجين, تقسم اقتصادات الدول من حيث تقدمها الصناعي إلى خمس مراحل وفقا لتغيرات الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فمع تقدم الدولة اقتصاديا, ستتحول من مستقبلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مستثمرة في مشاريع بدول أجنبية - استثمارات مباشرة خارجة. تحدث تلك التحولات نتيجة ظهور تغيرات بالظروف الاقتصادية المحلية تتمثل في نمو الناتج القومي و تصاعد المنافسة بين الشركات الوطنية و الأجنبية و تقدم التقنيةالدول الأقل تقدما, يعتمد الاقتصاد كليا على الموارد الطبيعية. العالمي؟. تنعكس تلك الظروف على قرارات الشركات المحلية, و تدفعها للبحث عن فرص استثمارية بدول أجنبية لتعزيز قواها التنافسية.
فبالمرحلة الأولى, و هي الأقل تقدما, يعتمد اقتصاد الدولة كليا على الموارد الطبيعية. بالتالي, تكون الدولة مستقبلة فقط للاستثمارات الأجنبية المباشرة للشركات الدولية و بكميات محدودة جدا, لتطوير و استغلال تلك الموارد.
بالمرحلة الثانية, يحدث تقدم بسيط باقتصاد الدولة نتيجة ارتفاع معدل الاستثمارات الاجنبية الداخلة لتطوير تلك الموارد, مع بقاء الاستثمارات المباشرة الخارجة على أدنى مستوياتهاالخارجة عدل نمو الناتج القومي.داخلة بوتيرة أسرع من معدل نمو الناتج القومي.. في هذه المرحلة, تحقق الدولة بعض النمو بالناتج القومي, قد يتم استغلاله في تحسين البنية التحتية و البيئة الصناعية المحلية.
بالمرحلة الثالثة, يتسارع معدل نمو التدفقات الاستثمارية المباشرة الخارجة من قبل الشركات المحلية بحثا عن فرص استثمارية بدول أجنبية, و يتباطأ بنفس الوقت معدل نمو الاستثمارات الأجنبية الداخلة, لكن تظل كمية الاستثمارات الداخلة أعلى من الخارجة. في هذه المرحلة يرتفع الناتج القومي المحلي و تنمو دخول الأفراد, فيزداد الطلب على السلع الأكثر جودة و التي عادة ما يوفرها المستثمرين الأجانب. لهذا, تبدأ الشركات المحالقومي المحلي, فيزداد الطلب على السلع ذات الجودة و التي عادة ما تتوفر من قبل المستثمرين الأجانب.جنبية الداخلة.لية بتطوير أصولها لمواجهة المنافسة الأجنبية من خلال, مثلا, الاستثمار في مشاريع بدول متقدمة صناعيا لنقل التقنية و تدريب العاملين, أو تقوم بالبحث عن أسواق ناشئة - تتميز بكثافة في الطلب و تراجع في الصناعة- و ذلك لتسويق منتجاتها فيها – كلا الاستراتيجيتان تمثلانالأجور و ذلكنفس القدر تقريبا للاستثمارات المباشرة استثمارات مباشرة خارجة. و هنا تصنف الدولة كدولة صناعية ناشئة.
بالمرحلة الرابعة, تصبح الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة أعلى من الداخلة, نتيجة تزايد عدد الشركات المحلية الباحثة عن فرص استثمارية دولية كعمالة منخفضة الأجور بالصناعات ذات الكثافة العمالية,  أو بحثا عن أسواق ناشئة. و هذا ناتج عن تقدم الشركات المحلية معرفيا و تقنيا و امتلاكها لأصول من تطوير الانسان في صورة موارد بشرية عالية القدرات و تقنيات و منتجات متميزة تمكنها من المنافسة ليس فقط محليا بل و عالميا.    
بالمرحلة الخامسة, و تشمل الدول الأكثر تقدما كاليابان و أميركا. تتمتع هذه الدول بمستويات عالية للتدفقات الاستثمارية المباشرة الداخلة و الخارجة و الفرق بينهما ضئيل, و تعتمد الاختيارات الاستثمارية للشركات الدولية لديها كليا على المعرفة و الأصول الانسانية المتقدمة و التي تتقارب فيما بين تلك الاقتصادات, ما يجعلها تستقبل و تصدر حوالي نفس القدر من الاستثمارات. 
للمقال بقية..


الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

القروض الاستهلاكية.. أعباء مستقبلية


أظهرت النشرة الاحصائية الصادرة عن ساما للربع الثاني من عام 2014 وجود تصاعد في أحجام القروض الاستهلاكية حيث وصلت إلى 333 مليار ريال (أي نحو 67.7% عن ما كانت عليه بنهاية 2010). هذا الصعود غير مفاجئ إذا ما تم ربطه بالاستقرار الذي يتمتع به الاقتصاد السعودي و الذي يبرهنه النمو السنوي للناتج القومي المحلي البالغ 4.7 بنهاية عام 2013 متفوقا على نظيره العالمي البالغ 3.3 بنفس العام. لكن المدهش أن تشكل تلك القروض ما يقارب 25% من إجمالي الناتج القومي المحلي للقطاع غير النفطي – و هو أحد الارقام الاقتصادية الهامة للقياس و المقارنة. بمعنى آخر, يستخدم ما يعادل ربع الناتج القومي غير النفطي في أغراض استهلاكية لا تعود بفوائد مستقبلية و لا تضيف أي نمو للفرد و لا للاقتصاد الوطني, فما الآثار المترتبة على تلك القرارات؟ور الى استخدمها ل عن معدلد لا تقل عن معدل فائدة السندات
تجلب القروض على حامليها إلتزامات مالية مستقبلية – في شكل تدفقات نقدية خارجة – تعمل على تخفيض قدراتهم المالية و تقليل امكانياتهم المستقبلية للمشاركة بالفرص التي ترتقي بحياتهم للأفضل أو تخفف من أعبائهم. لذلك, ينصح المختصين التمويليين بضرورة توجيه تلك الأموال نحو أوعية استثمارية توفر تدفقات نقدية داخلة مستقبلية يمكنها أن تقابل تلك الالتزامات و بحيث لا تقل عوائدها السنوية عن فائدة السندات الحكومية على أقل تقدير. لكن ماذا يحدث باقتصادنا؟ تخبر الارقام بأن ربع الناتج القومي غير النفطي يتجهدات و أمور متنوعة أخرى. نحو الاستهلاك, و قد يشير ذلك إلى أن الأولويات في استغلال المصادر التمويلية لدى المواطنيناعدفراد ما يرفع سلع و الخدمات ة اع في الطلب على السلع و الخدمات  هي استهلاكية و ليست ادخارية و لا استثمارية. من المعلوم أن فئة كبيرة من أولئك المقترضين هم من الأفراد الذين لا يملكون مصادر دخل سوى مرتباتهم الشهرية, و قد ذكر الدكتور سامي النويصير بمقاله في صحيفة الاقتصادية أن 90% من موظفي المملكة يحملون قروض استهلاكية. فبالإضافة إلى الأعباء المالية المستقبلية التي ستترتب على قراراتهم التمويلية, من المتوقع أن يستمر ارتفاع الطلب على السلع و الخدمات نتيجة السيولة النقدية العالية التي تضخها البنوك في شكل قروض ميسرة بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى ما يدفع بالأسعار للتصاعد و يفاقم المشكلات على حاملي القروض بالمدى المتوسط و البعيد.
أما بالنسبة للآثار على مستوى الاقتصاد الكلي, فكون الأولويات من استغلال المصادر التمويلية لاتزال استهلاكية, فقد لا نشهد زيادة أو تنويع بالمشاريع الوطنية التي قد تسهم في رفع جانب العرض و مواجهة التضخم على الصعيد الداخلي. أيضا سيستمر الاعتماد على الواردات من السلع الأجنبية المتأثرة بتقلبات الاسعار بالأسواق العالمية, فضلا عن استمرار ترحيل الثروة من خلالها إلى خارج البلاد و تعطيل فرص توطينها في مشارع تعمل على تدويرها محليا في صورة فرص وظيفية و استثمارية و تنموية متعددة.
قبل الختام, ينبغي على الأفراد الذين لا تتوافر لديهم مصادر دخل عالية إعادة النظر في أولوياتهم و قراراتهم التمويلية و رفع الوعي الاستثماري و التخطيط ثماري  و  والتمويلية و قة بتغلالها في شكل تضيف لحياتهم على المدى البعيدللمدى البعيد, فالقروض ستضيف أعباء مستقبلية لن ترحمها تقلبات الأسعار للمسكن و الغذاء.
و رسالتي لمؤسسة النقد, إن سياسات ضبط فوائد القروض تعتبر سلاح ذو حدين. فتيسير الاقراض لأغراض الاستهلاك سيصحبه تقلبات في أسعار السلع و الخدمات خاصة و أن الأولويات استهلاكية و ليست استثمارية أو تنموية.


الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

فرص و تحديات عقود تقنية الشبكات


جلبت التقنية المتطورة بالاتصالات و شبكات المعلومات فرص استثمارية لا تعترف بالقيود الجغرافية و لا المعرفية. تتميز المشاريع بتلك المجالات بمرونة عالية للتوسع حيث يمكنها  أن تصل إلى أي بقعة يغطيها الانترنت و بأقل التكاليف. و على عكس المشاريع التقليدية التي يشكل عامل الخبرة فيها حاجزا عظيما أمام الرواد الصغار, فإن فرص عقود التقنية تتميز بوضوح قواعد اللعبة لتوافر مصادر المعرفة البديلة للتعليم التقليدي (الجامعي) و التي تتمثل في المحتوى التعليمي سواءا الكتابي أو الفيلمي على شبكة الانترنت.
لقد برهنت المشاريع بتقنهرت بالمجتمعاتعظيمة وصلت إلى طموحاتها و هي لا تزال بالعشرينات. باب مصادر كثيرة لرفع كفاءاتهم و قدراتهم الفنية لاستغلال تلك ية المعلومات و الشبكات فعاليتها  كأوعية استثمارية منافسة و قوية, حيث قدمت أسماء عظيمة رغم حداثتها. لدينا على سبيل المثال المبرمج الأمريكي مارك زاكربيرج Mark Zuckerberg)), مؤسس شبكة التواصل الشهيرة فيسبوك, الذي بدأ مشواره العظيم, و هو في الثالثة و العشرين, بمجرد فكرة بسيطة لانشاء صحفة اليكترونية تعمل كشبكة مصغرة لربط طلبة الجامعة لتداول الأفكار و النقاشات فيما يتعلق بمتطلبات دراستهم الجامعية أو للتسلية في بعض الأحيان. و سرعان ما انتشرت فكرته بين زملاءه و لاقت قبولا أوسع بداخل الجامعة و خارجها إلى أن وجد مارك نفسه غير قادر على أن يوازن بين متطلبات إدارة شبكته التي أخذت بشق طريقها نحو العالمية رغم صغر سنها و بين دراسته ليقرر ترك جامعته و يتفرغ لمستقبله الذي قفز نحوه سابقا بأعوام موعد استلام شهادته.
لقد أسس مارك و زملاءه نموذجا حديثا لمشروع مربح معتمدا على الانترنت. يقوم هذا النموذج من المشاريع على استقطاب مستخدمي الانترنت للاشتراك بالشبكة لأغراض التواصل الاجتماعي, ثم يستقبل الاعلانات و يعرضها على صفحاته في مقابل عوائد. بنهاية عام 2013, وصل عدد مستخدمي شبكة فيسبوك إلى مليار و مائتين مليون مشترك نشط من جميع أنحاء العالم, و في الثالث من سبتمبر 2014 بلغت القيمة السوقية للشركة نحو 194 مليار, و قد قدرت ثروة مارك بما يقارب 33 مليار دولار بنهاية عام 2013. و الجدير بالذكر, أن ثروة مارك قد نشأت من رأسمال و مجهود لا يذكر.   
يزخر هذا العالم بالعديد من النماذج التي تمكنت من صناعة الملايين و بأقل التكاليف و الخبرات. و لكن ما يثير الدهشة, هو أن تحدياتفي العشلثة و العشرينجتماعية علانات.راسته ليترك جامعته و يتفرغ لمستقبله الذي سبق شهادته.  مشاريع عقود التقنية من صنع فرصها. فضعف حواجز المعرفة و التكلفة الأولية المنخفضة يجعل الباب مفتوحا لأي شخص و بأي منطقة بالعالم لدخول هذا المجال و بابداعات منافسة و غير متوقعة, من شأنها أن تحرج العمالقة كما فعل الانستقرام بالفيسبوك في مطلع ظهوره, فقد اكتسب شعبية لم تكن في حسبان مارك ليضطر على رك على رذات بداعات مرار النجاحيث أتى آبل و غير وجه صناعة الهواتف النقالة تماماشراءه مقابل مليار دولار, كقرار استرتيجي للتصدي لخطره. أيضا تتصف المشاريع المعتمدة على تقنيات الاتصالات و المعلومات بأنها سريعة التغير و تتطلب تطوير و تحديث مستمر للمحافظة على مراكزها القيادية بالصناعة ما يتطلب تكاليف باهظة على المدى البعيد. وهو ما تأخرت في إدراكه نوكيا, لتتلقى الضربة من آبل و بلاكبيري اللذان غيرا وجه صناعة الهواتف النقالة و تركاها بالمؤخرة. لا توجد أي ضمانات للنجاح و الاستمرار بتلك المشاريع مهما ارتفعت نفقات البحث و التطوير أو تقدمت المعرفة لديها.


الأربعاء، 27 أغسطس 2014

هل ستقدم قوائم الأولوية ببرنامج الدعم السكني سكنا؟


يواجه المواطن تحديات كبيرة تقف أمام تحقيق حلمه في امتلاك مسكن. ففرص التمويل الآجل محدودة جدا, و إذا حصل عليها, ستكون بأسعار و فوائد مضاعفة. من جانب آخر, يشهد سوق العقار تقلبات مستمرة و متجهة نحو تضخم لا يرى سقفه, و يتبادل الشاريع أحايث حول وجود مجموعات عقارية تمتلك معلومات خاصة لا يمكن لغيرها الوصول إليها, تستغلها في تحقيق مكاسب فاحشة على حساب الأفراد أو المجموعات الأخرى. و النتيجة, اختلال في توازن السوق و اضطرار المواطن إلى البقاء بالمسكن المستأجر.
قامت وزارة الاسكان باعتماد برنامج الدعم السكني الذي يهدف إلى تيسير تملك المواطن المسكن. من بين أهم فقراته شروط ومعايير آلية الاستحقاق للتنظيم و إعداد قوائم الأولوية. بذلت الوزارة جهودها في إعداد تلك الآليات, و لكن, هل ستقدم قوائم الأولوية –المنتج الأولي للبرنامج- تغييرا حقيقيا يتفوق على ما كانت عليه البرامج السابقة؟      
للأسف, برنامج الدعم السكني لا يقدم حل بالمدى القصير. فمعظم تركيزه منصب في إعداد و إخراج قوائم الأولوية و هذا لا يختلف كثيرا عما كانت عليه البرامج السابقة. إن ما يبحث عنه المواطن ليس قوائم مفاضلة – أو قوائم انتظار- و لا نقاط أفضلية مميزة بقدر ما يبحث عن تقديرات أولية لمواعيد استلام المنتجات السكنية.ئم و عدم إظهار أي مؤشرات خرين؟ و ما هو معدل الإنجاز و التسليم للمنتجات السكنية السنوية المتوقعة؟ فلا يوجد بالبرنامج أي مؤشرات حول سنوات الانتظار المتوقعة و التي يجب على المتقدم الامتناع خلالها عن أي محاولات للبحث عن بدائل سكنية, و هو انتظار لا يعرف ما إذا كان في حدود متوسط عمر الانسان الطبيعي أو سيتجاوزه. بل يثير البرنامج عدة تساؤلات جوهرية: كيف سيكون معدلي الإنجاز و التسليم للمنتجات السكنية السنويين و اللذين يعتبران من أهم أدوات مراقبة فعالية البرنامج في تحقيق أهدافه؟ و هل ستسمح معايير المفاضلة بتحديث قوائم الأولوية في حالة نشوء تغييرات طارئة بالأوضاع المعيشية لبعض المتقدمين, ما يتسبب في ارباك تقديرات الأفراد لمواعيد الاستلام التي يجتهدون في بنائها مستعينين بالمتابعة الدورية لتقدمهم بالمراتب عبر السنوات؟  و بما أن البرنامج يضع أولوياته لدعم الفئات الأكثر حاجة - وفقا للحالة المالية و السن و عدد أفراد الأسرة كما أشار المسؤولين بالصحف غياب آخرين من المواطنين الذين , فمتى سيأتي الدور لبقية الفئات و بالأخص تلك المجموعة المنتجة و الداعمة لمسيرة التنمية الوطنية؟

قبل الختام, لقد وضعت الوزارة شروطا على المتقدمين للبرنامج تجبرهم على الانتظار و عدم تملك المساكن إلى أجل غير مسمى. فكما يجب عليهم الانتظار و تحمل مشاق العيش في شقق غير صالحة للسكن أو مساكن مرتفعة السعر, على الوزارة, كأقل دور مسؤول مقابل ذلك الإلزام, أن تبرهن شمولية رؤيتها لجميع جوانب المشروع و فعالية استراتيجياتها و واقعية خططها و ذلك من خلال إظهار تقديراتها المبدأية لمستوى الانجاز و مواعيد التسليم التقريبية للمنتجات السكنية و معدلات الانحراف عن الخطط السنوية و ذلك في تقارير معدة لتلك الأغرض تقوم بنشرها دوريا. فعدم توفر تلك المعلومات سيحبط نصف آمال المشروع, حيث لم يظهر اختلافا كبيرا في تعاطيه مع أزمة المستقبل السكني المجهول, و سيؤدي إلى استمرار تفاقم الضغط من جانب الطلب و ارباك توزان السوق.