على الرغم من أني لا أملك احصائيات كافية حول الظاهرة, إلا أنني أؤمن
بأن بلادنا تزخر بالمبدعين و الخلاقين. و السؤال المهم: أين هم, و لماذا يختفون؟
من الطبيعي أن يمتليء المحيط الخارجي للانسان بالأخطاء و الغموض, ما يدخله
في حيرة كلما أراد البحث عن ذاته و مستقبله. و من الطبيعي أن لا يجد المبتديء الدعم
الكافي الذي يأخذه للقمم, لأن الواقع عالم مكتظ بالمتنافسين من أجل السيطرة أو البقاء,
و لا يمكن أن يكشف لك أحدهم شفرة النجاح - و التي قد يكون قد ذاق الأمرين ليتمكن
هو من امتلاكها- لتنافسه. قد توحي هذه الأجواء المبهمة بأن الفرص ضيقة جدا و أن تجارب
الاستكشاف ستكون مضيعة للمال و الوقت و الجهد, و أن النجاح فيها مستحيل, فينسحب الكثير
عن خوضها. و لكن, الخلاقون بالطبيعة قياديون, و لا يستسلمون, فأين يذهبون؟ في
اعتقادي, إلى العوالم الافتراضية – الألعاب الاليكترونية.
نقلا عن صديقتي الأخت آسيا الفارسي, و التي شغلت عدد من المناصب
القيادية بواحدة من أشهر الألعاب الاليكترونية بالسنوات القليلة الماضية –Rappelz- أنه بالفترة من 2008 إلى 2012 استقطبت اللعبة
حوالي ثمانين ألف سعودي من اجمالي مائتي ألف عربي, تتراوح متوسطات أعمارهم ما بين
14 و 25. و بحسب نقلها, فإن المراتب القيادية عادة ما يشغلها السعوديون و بكثافة, لاسباب
تعود إلى كونهم الأكثر تخصيصا للوقت للعمل- و هي طاقات تفكير هائلة- بمتوسط 9 إلى
12 ساعة يوميا, و هم الاكثر استثمارا للمال فيها بمتوسطات تصل الى 4000 إلى 6000
للفرد, و تتفاوت الحدود العليا إلى مستويات تصل إلى عشرات الآلاف, بلغ أحدها 70
ألفا.
إن أدوات النجاح بالواقع لا تختلف كثيرا عن تلك التي يمارسها مبدعونا
بالسيرفرات, و التي تعد أكثر توحشا و قسوة, فهناك حاجة لاستثمار الوقت و الجهد و المال
للبحث والتعلم والتفكير و تكوين العلاقات و اكتشاف الفرص و التقدم بخطوات قوية نحو
القمم. و لكن الفرق الجوهري يكمن في أن الألعاب تتميز بوضوح قواعد اللعب و بالتالي
سهولة التحكم بالمصير, و أن أدوات التنافس و مصادر المعرفة غير معقدة و متاحة, فتكون
معادلة النجاح بذلك محددة و محسومة بمقدار الجهد و الانفاق, ما يجعل توازن القوى و
رؤية المستقبل أمران ممكنان بالرغم من المنافسة.
كلمتي للمبدعين, كون الواقع مليء بالغموض و الأخطاء و القيود و ندرة بالأيادي
الداعمة, فهو بذلك بيئة خصبة للريادة و الظهور. لأنه غير مكتمل, ما يجعله يزخر بالفرص
التي تنتظر القياديين لتوليها و معالجتها. و بشراي لكم, إن مشكلات مجتمعنا مقارنة
مع مشكلات الدول المتقدمة, تعد أقل تعقيدا, و من السهل على الخلاقين تحديدها و
صياغة الحلول لها في صورة منتجات و خدمات أو مشاريع و مبادرات ريادية, تجذب
الداعمين. و لن نكون في حاجة لإعادة اختراع العالم من جديد, فالانترنت و قواعد
البيانات ممتلئة بالمعارف و الأدوات المتقدمة لاستخدامها في إعداد تلك المشاريع و
المبادرات والترويج لها. كل الذي عليك هو تكثيف جانب الاعتماد على النفس و تطوير
الذات و الاستشارة, وبذل الجهد في التعلم و البحث عن الفرص (المشكلات) و تنصيب النفس
على قممها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق