الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

كن أنت!


الانسان, من المنظور الاجتماعي, إما تابع أو متبوع. و بعصر العولمة الذي نعيشه و الذي نتيج عن انتشار وسائل الاتصالات و المواصلات, ازدادت المجالات التي تجعل الانسان تابعا, و تراجعت الفرص التي تجعله متبوعا. فاقتصاديا, عندما يبحث الفرد عن الاستهلاك يكون تابع, و عندما يتقصى فرص التجارة المربحة و "ينجح" يصبح متبوعا. في التعليم, عندما يطلب العلم, يكون تابعا, و عندما يبتكر و يجدد المعرفة و ينجح في حصد اعتراف الناس يصبح متبوعا, و هكذا ببقية المجالات. و يبدو أن فرص التبعية أكثر متناولا للفرد, لأنها ضمن إرادته و اختياره, لكن إن أراد الانسان أن يكون متبوعا, فذلك أصعب, لأنه اختيار الناس.
التبعية و المتبوعية كلمتان تتحدث عن شيء واحد, و هو الاختيار – في تحديد الطريقة و التفضيلات. فإما أن يضع الشخص الطريقة و يسن التفضيلات لنفسه و للآخرين (فيكون متبوعا), أو أن يسير على طريقة أو تفضيلات غيره (فيكون تابعا).
في الغالب, يصعب على الانسان أن يمتلك الاختيار في الفرص التي تأتيه (بعكس الفرص التي يصنعها بنفسه). مثلا, عندما يحصل الفرد على منحة تعليمية, فهو أمام هذه الفرصة لا يملك سوى بذل أقصى جهده لتحصيل الدرجات المتطلبة للالتحاق بالتخصص الذي يحلم به, و لو كانت المناهج متقادمة أو كانت طريقة التقييم غير منصفة, أو كان المعلمون دون المستوى, هذه الأمور تخرج تماما عن اختياره و سيطرته. و المستهلك كتابع, لا يملك سوى الاختيار من بين مجموعة المواصفات و الجودة التي يختارها له المصنع (المتبوع أو المتحكم) وفقا للسعر الذي يتطلبه. و ينطبق هذا أيضا على العامل و رب العمل, فلن يملك الأول سوى قبول شروط من أوجد الفرصة الوظيفية له, و لو كانت لا تتفق مع طموحاته.
لهذا, لا تنظر للفرص التي تأتيك كغايات, فتسقط في فخ التبعية. و لكن كن أنت, كما تحب, بتعقيد خياراتك في قبول تبعية الآخرين. فإن كنت مستهلك, كن مساوما عنيفا على الاسعار و الجودة و المواصفات, حتى تضطر التجار لاحترام تفضيلاتك و تحسين أداء منتجاتهم و خدماتهم. و إن كنت ذا طموح, قم بتخطيط أهدافك المستقبلية و سبل تحقيقها و لا تنتظر أن تحددها لك المناهج أو رب العمل. فتلك الفرص تأتيك بتفضيلات من أوجدها, و التي قد لا تكون مثلى, فإن كانت سبيلا لتحقيق بعض أهدافك, فاقبلها كممرات للعبور فقط و لا تقبلها كغايات. ارتقي بأهدافك و رتب أولوياتك من أجلها باستقلالية.    

قبل أن أختم, لا أقصد من كلامي أن تبعية الآخرين شيء سيء, لأن العكس صحيح. فالانسان في حاجة للاختلاط بالأخرين باستمرار ليكتسب من معارفهم و خبراتهم, فيطور أهدافه تبعا لمستجداتهم فلا تتقادم. و في بعض الأحيان, قد تتطلب الاستفادة من الآخرين مرونة في تقبل شروطهم و لو كانت ملزمة بالصمت, كشرط الخضر على موسى عليه السلام عندما رغب في أن يتبعه. بالمناسبة, لم تكن تبعية موسى عليه السلام للخضر غاية في حد ذاتها, بل كانت وسيلة أراد منها تحقيق هدف أسمى, فكان مرنا مع شرطه, و لكن مدركا و مستقلا بأولوياته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق