مقالي اليوم مجزأ إلى ثلاث أقسام مستقلة كنماذج و لكن مشتركة كمفاهيم,
تناقش العلاقة المتدافعة بين الأنظمة و الناس في الحياة الاجتماعية المشتركة. أبدأ
القسم الأول بمناقشة ما قامت به وزارة التجارة و منسوبيها من عمل جريء لإعادة
الاعتبار للأنظمة التجارية في ميدان السوق المحلي, و ذلك بالضغط على التجار لأخذ
تلك الأنظمة في الحسبان كمفاتيح و قواعد رئيسة لدخول اللعبة المحلية و ممارستها.
من الطبيعي أن نشهد مقاومة متصاعدة من أولئك الذين شعروا بتهديد الأنظمة لبعض
مصالحهم أو جعلها ثانويه أمام مصلحة السوق و المستهلك. و قد نفقد بعض الاسماء
التجارية البارزة كونها ترفض احترام أنظمة اللعب النظيف, و لكن لن يكون رحيلهم
نهاية الطريق, بل البداية المبشرة. فخروج تلك القامات العريضة التي زاحمت أسواقنا
بأحجامها و تحالفاتها (الاحتكارية) و نمطيتها المملة (التي تفتقر للتجديد و
التنويع) و سياساتها التسويقية دون المستوى, سيتيح مساحات واسعة للاعبين جدد أكثر
كفاءة و تنوع في الأداء و الجودة و الأسعار منطلقين من أسس قواعد اللعب النزيه و من
احترامهم و جديتهم في رفع تفضيلات المستهلك لمعايير جودة و أسعار أفضل.
وصلتي الثانية تناقش ردود أفعال الناس تجاه الأنظمة و تحديثاتها. شهدت
السنوات الأخيرة ظهور و تحديث عدد من الأنظمة التي تسعى إلى تحسين طبيعة علاقات
الناس إلى مستويات ترقى و تلائم الظروف المتجددة التي تحيط بنا, و تشمل على سبيل
المثال أنظمة الترافع والإجراءات الجزائية والمحاماة, نظام
حماية الطفل, و أنظمة استقدام الخادمات و السائقين و غيرها. كيف ستكون أصداؤها و
ردود أفعال الناس تجاهها؟ من المتوقع أن نسمع بعض الأصوات المعارضة أو بعض التجاهل,
تماما كما يفعل بعض التجار تجاه حملات تفعيل الأنظمة. من بين الأسباب هو شعور
البعض بالارتياح تجاه الانظمة القديمة أو غياب القانون أو بالانزعاج من التغيير
الذي قد لا يفهمونه أو قد يهدد بعضا من مصالحهم الشخصية. في اعتقادي, إن الحس
المجتمعي – و منه الشعور باحتياج الآخر للحماية و رفع الظلم و الذي من أجله يتم
تطوير الأنظمة- شيء نفتقده, لغياب التوجيه و التوعية المنظمة و التي تبدأ بالطبع من
المدارس و الجامعات– القنوات التي يمر عبرها كل أفراد المجتمع, و ينبغي أن لا يخرج
منها فرد إلا و قد تم غرس ذلك الحس فيه.
وصلتي الأخيرة تناقش الصراع بين الثقافة المحلية و أنظمة المرور.
لماذا تكثر المخالفات المرورية و حوادث الطرق بالرغم من وجود الأنظمة و أدوات
التفعيل التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها بالدول المتقدمة؟ في اعتقادي, السبب يعود
إلى وجود تصادم بين ما تمليه الثقافة الدارجة– أو ما يعيه و يثقفه الفرد- و بين
الأنظمة. فحينما تذكر الأنظمة الناس بأولويات العبور عند التقاطعات و مداخل الطرق,
تعترضها ثقافة السائق بقناعات دارجة تخضعه لمقاييس توسمه بصفات منبوذة كـ "الغشامة"
عند التأني أو "الجبن و الخوف" عند تأخر قرار الدخول أو التجاوز أو السرعة,
و أخيرا "مسوي نظامي" إذا ربط الحزام. تعزيز الوعي حول متطلبات الشراكة
المجتمعية سواءا على الطرق أو غيرها يمكن أن يسد الفجوة بين الثقافة و الأنظمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق