ما نشاهده اليوم من تحركات شجاعة من منسوبي وزارة التجارة و بعض الأمانات
يعد مشروع قيادي للتغيير و متجه نحو الرقي بمستوى أداء سوق السلع و الخدمات
الاستهلاكية التي فقدت ثقة المستهلك و ضللت مقاييسه للجودة و الأداء. لم يعد
باستطاعة المستهلك ترشيد قراراته الشرائية لتماثل السلع من حيث الأداء و الأسعار.
و لم يعد كذلك قادرا على ترشيد قراراته للاشتراك بالخدمات لتماثل بنود العقود و
أحيانا تناقضها المكشوف مع ما تروج له حملاتها الدعائية من مزايا و عروض. لقد اعتاد
التجار بالسنوات الماضية على نمط تنظيمي أشبه بالغائب, و استغل البعض منهم تلك
الظروف ليفرض على السوق تفضيلاته المتدنية للأداء.
و اليوم, تقوم وزارة التجارة بمحاولات جادة لاسترداد قيادتها للسوق و إعادة
الهيبة و الحضور للنظام, و هي بذلك تشكل تهديدا لنماذج ربحية جشعة طال وجودها و تعالى
فحشها المادي و ندر اسهامها المجتمعي. لهذا من المتوقع أن تواجه الوزارة معارضة
عنيفة أو محاولات ارتشاء مغرية لتتوقف عن مدها و تترك لألئك الجشعين قيادة السوق و
الابقاء على طريقتهم في السيطرة على التفضيلات, بالرغم من إلمامهم باحتياجات
المستهلك و تفضيلاته فيما يتعلق بالأسعار و الأداء.
من منبر صحيفة مكة, أود أن أتقدم لوزارة التجارة و منسوبيها بكلمة. إن
ما تقومون به هو مشروع قيادي و ما تواجهونه من مقاومة هو حال طبيعي و سيكون مؤقت,
طال أم قصر. أسباب تلك المعارضة معروفة و لا يدعمها قانون و لا منطق, لهذا لن
تستطيع الصمود طويلا, و ستتراجع أمام جديتكم
و إصراركم على رفع مستوى أداء السوق و أمام صرامة القانون و ردع العقوبات. و في
خلال قيادة التغيير هذه, ستكون بعض المواقف معقدة و الحرب فيها سجال, ولكن الأكثر
إصرارا سيكون الاكثر تأثيرا, بالمجمل. و الذي يأمله الجمهور, أن تكون الوزارة هي
الطرف الأقوى تأثيرا و الأقل تنازلا عن كل ما من شأنه رفع أداء السوق. علما بأن
الوزارة لن تحتاج إلى معاقبة الجميع, و قليل من الضربات
الموجعة للكبار سيبعث الكثير من الرسائل المنذرة و المحذرة للبقية بأن النظام واضح
و توقعات الأداء عالية و عاقبة تجاهلها وخيمة جدا إن ثبت وقوعها, و من الحكمة
تفعيل الرقابة الذاتية و تجنبها.
و بعد أن تستعيد الوزارة سيطرتها على السوق, و على تفضيلاته, سيعتاد
التجار على الأجواء النظامية الجديدة و سيضعون القانون في الحسبان عند بناء
نماذجهم الربحية و ممارسة أنشطتهم التجارية مستقبلا. و لكن, قد تتطور و تتعقد
أساليب التحايل بالمستقبل, ما يتطلب من الوزارة البقاء يقظة و مترقبة و سباقة لكشف
و منع محاولات التضليل و الحد من تقدمها و انتشارها, حتى لا تتجدد الحاجة لقيادة
تغيير أخرى مكلفة و مجهدة.
و ختاما, كان تفاعل الجمهور مع مواقف الوزارة إزاء مشروعها القيادي
للتغيير ملحوظا و يعكس تجدد الأمل و ارتفاع الثقة و التوقعات بقياديي الوزارة, و
على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق