منذ اندلاع الثورة الصناعية و الصراع بين الانسان و المادة لم يزل يحتدم.
تريد المادة من الانسان أن يتجرد من فطرته ما أمكن, لأنها تعتبره أحد أصولها
"ممتلكاتها" التي تصنع الثروة,
و كلما تجرد من فطرته و جعل جل تركيزه في الإنجاز و العمل, كلما رحبت به و
أتاحت له الفرص للغنى. لكن الإنسان بفطرته التي يتحايل عليها في بعض الأحيان, لديه
ميول لأمور أخرى غير العمل - تراها المادة عوامل تشتيت مزعجة - كتكوين الأسرة و
رعايتها, و ممارسة أنشطة اجتماعية خارج نطاق العمل, و التمتع بإجازات و أوقات
ترفيه أطول.
و إن قمنا بالمقارنة بين المرأة و الرجل, أيهما أفضل؟ بالتأكيد سترحب
المادة بالرجل لأن فطرته أقرب للاستجابة لمتطلباتها فهو لا يحمل و لا يرضع و لا
يتشتت ذهنه بمسؤولية الاعتناء بالأبناء و المنزل بقدر ما تتشتت المرأة بذلك. بالتالي,
لا ترحب المادة بالمرأة مهما برهنت تفوقها ذكاءا أو إنجازا.
و لإعادة التوازن, تقوم الحكومات بالضغط على الشركات لتقليل الفارق بين
أعداد موظفيها من الرجال و النساء, ما ولد الحاجة لدى المادة لابتكار أساليب
ملتوية تستعيد من خلالها هيمنتها على الانسان و اختياراته, ليظهر الحل من
المبدعتين فيسبوك و أبل. فقد تقدمت
الشركتان بمقترح مبتكر يطلب من المرأة أن تعيد تشكيل تكوينها الجسدي لتقترب من
سمات الرجل – المفضل حسب مقاييسها - و ذلك بالتخلى عن مبايضها و فرزنتها بالشركة مقابل
منافع تصل إلى 20 ألف دولار. مع العلم أنه لا توجد ضمانات بأن تصبح المرأة قادرة
على الحمل بعد استعادة مبايضها, و أن المقترح لايزال تحت التجربة. فمن سيكون
المنتصر.. المرأة أم المادة؟
دعونا نتخيل حال الانسان إذا انتصرت المادة و برهن المقترح فاعليته. أولا,
سيلقى المقترح انتشارا واسعا ببقية الشركات, و قد يصبح بند من بنود عقود العمل ببعض
الدول التي لا يتوافر لديها قوانين تحمي حقوق النساء. أيضا, قد تضطر النساء إلى
تأجيل الحمل طويلا لأجل الاستفادة من الحوافز, و عندما تقرر الانجاب, ستكتفي بعدد
محدود من المواليد, كونها كبرت بالسن.
من الشيق أن نتصور الوضع بالمملكة, و نتخيل قيام الشركات المحلية
بتبني المقترح, فمن سينتصر.. المرأة السعودية أم المادة؟
تتفانى المرأة السعودية من أجل مقابلة توقعات المجتمع منها كربة بيت
ناجحة و لو كانت تعاني من ضغوط عمل. أضف إلى ذلك تواجه المرأة السعودية العاملة مشكلات
قاهرة في التنقل و ندرة بالحضانات و لا تُمنح اجازات الأمومة بسهولة ما يجعلها
تعاني من ضغوط نفسية و اجتماعية عالية. بالتالي, تعاني المرأة السعودية من تشتت
عال جدا, يجعلها في أدنى مستويات الجاهزية للعمل و منافسة الرجل, من منظور المادة.
فهل "فرزنة المبايض"سيقدم حل؟
قد يكون الجواب بنعم. فالمرأة السعودية لاتزال تبحث عن الفرص التي
تعيد وجودها بعد أن ساهمت التقاليد بانحصارها و أخلت الساحة للذكور و تسببت في
تحميلها ما لا تطيقه من الأعباء من دون أن تتكفل بأدنى متطلبات معيشتها و
احتياجاتها. و لتستعيد المرأة السعودية مكانتها, فقد تقرر التحالف مع المادة و
تقبل بحوافزها أيا كان نوعها, فهي عامل يغني عن الحاجة و يعزز من الكرامة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق