السبت، 26 سبتمبر 2015

ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟


في المرحلة الإبتدائية, كنت أحلم بأن أكون معلمة, لتقليد دور المعلمة في الحركة, الحديث, و الكتابة على "السبورة". و حينما انتقلت إلى المتوسطة, ظهر لدي ميول إداري. و لكن صدمت حينما علمت بأن متطلبات القبول الجامعية للتخصصات الإدارية منخفضة, فأيقنت أنه لا مستقبل لها.

و مع انتقالي إلى الثانوية, أصبح الأمر أكثر جدية, فأرغمت نفسي على قبول النظرة السائدة بأن التخصصات المثلى هي الطبية, بللرغم من أن سماتي الشخصية لا تتقابل معها "لا من قريب و لا من بعيد".

ليس مهما أن تعرفوا كيف اعترضت مساري "البركة الإلهية" لتعيدني إلى المجال الملائم لميولي "الأعمال" و أنا حينها مكرهة لا بطلة, و لكن المهم من هذه القصة هو إثارة التساؤل مجددا: ما هي الخيارات الوظيفية التي يتطلع لها قادة المستقبل, طلابنا اليوم؟ و ما مقدار الدعم المقدم لهم من قبل المعلمين و المربين في هذا الشأن؟

فهل لايزال الطب هو الخيار المهيمن على عقول المتفوقين, على الرغم من تنوع اهتماماتهم و سماتهم الشخصية و التي يمكن أن تبرز بشكل قيادي في مجالات أخرى؟ و هل لاتزال الوظائف الحكومية هي الوجهة الأولى, على الرغم من إنخفاض الرواتب و ندرة فرص الإبداع و القيادية فيها, مقارنة بالأعمال الحرة؟

يقدم تقرير CareerCast الذي يعده الباحث الأميركي توني لي و فريقه المعاون قائمة سنوية بأفضل و أسوأ الفرص الوظيفية في أميركا. و على مدى 27 عام من العمل في المشروع, طور فريق توني مقياس لتقييم الوظائف يشتمل على عدة جوانب منها المشاعر و حددها في درجة المنافسة و التواصل مع الجماهير (اعتبرها عوامل سلبية), أيضا تضمن المقياس جانب الضغوط النفسية و حدده في الحاجة المتكررة للسفر, المواعيد النهائية للتسليم, و مخاطر فقدان الروح,  و الجانب البدني و حدده في الحاجة للتحرك على الأطراف الأربع و ببطء أو الركوع أو الإنحناء نحو الأرض و الرفع مرارا, و شمل أيضا البيئة من حيث التلوث و الإزعاج, و أخيرا معدلات الأجور و الترقيات.

و بحسب تقرير CareerCast لعام 2015, ارتبطت أفضل عشر وظائف بأميركا بتخصصات العلوم, التكنولوجيا, الهندسة, الرياضيات, و المجال الصحي. و المثير أن أفضل وظيفة لعام 2015 جائت في صالح هواة قضم الأرقام (الرياضيات) في وظيفة محلل بيانات التأمين (actuary), التي تتطلب جمع و تفسير الأرقام الإحصائية و حساب احتمالات نشوء الحوادث, الأمراض, الوفاة, و فقدان الممتلكات, أما الراتب فيعادل 29,440 ريال شهريا, في بيئة عمل مريحة و آمنة, الضغوط منخفضة, و البطالة محدودة.    


بالطبع أميركا بيئة متقدمة تعليميا و صناعيا و تنظيميا, و لا يمكن الاستفادة من نتائج مشروع توني خارجها. لكن لعلنا نرى قريبا مشاريع مشابهة لـ CareerCast يقودها أكاديميين و مهنيين سعوديين تساعدنا على معرفة الوظائف المحلية الأعلى مرتبا, و الأوفر حظا في الترقيات و الشواغر مستقبلا, يستعين بنتائجها المعلمين و المربين في إثراء خيارات الطلاب بحسب ميولاتهم التي تبرز في الحياة المدرسية, فتختصر مشوارهم نحو الريادية, و أيضا يستفيد منها من يرغب في تغيير المهنة. و ينبغي أن يتزامن مع ذلك تعليم مواكب بالقدرات و المعارف التي تتطلبها الوظائف المتميزة محليا, فلا يتردد عنها الطلاب المتفوقون تجنبا لعدم القبول و البطالة.

السبت، 19 سبتمبر 2015

رافعة الحرم.. و الثقة الملكية


ارتبط اسم مجموعة بن لادن السعودية بأشرف و أضخم المشاريع الإنشائية التي تمت على أرض الجزيرة العربية, و لم تقتصر المجموعة ذلك التميز على الصعيد المحلي و حسب, بل كان لعلامتها حضور دولي, حمل للعالم جانبا من براعة صناعة الإنشاء الوطنية.

خلف تلك العلامة, تقف الثقة الملكية – أحد أثمن الأصول التي كونتها الشركة على مدى يتجاوز النصف قرن. و قرار اختيار المجموعة مجددا لتقوم بتنفيذ أكبر توسعة للحرم ليس إلا دليلا حيا على ازدهار و تقدم تلك الثقة.

و الهدف السامي من وراء تلك الجهود هو رفع مستوى رضى ضيوف الرحمن عن الخدمات المقدمة لهم, ففي خدمتهم شرف عظيم لحكومة هذا البلد و شعبه.

و لا شك أن وجود المشروع المؤقت في ساحات الحرم قد يشعرنا ببعض الحرج لما قد يصدر عنه من إزعاج أو إعاقة لحركة ضيوف المسجد الحرام, إلا أن الجميع يتفهم ما يتطلبه المستقبل من تضحيات مرحلية لن تدوم طويلا. و لكن, ما كنا ننتظر أن نسمع بخبر سقوط رافعة الحرم. فقد نزل علينا أشد عصفا من رياح مكة العاتية في تلك الليلة, بل أعظم من أعاصيرها التاريخية كلها. لقد حولت تلك الحادثة موقفنا من الحرج من وجود المشروع إلى ما هو أسوأ من ذلك.

نقلت تلك الحادثة للعالم صورة مغايرة تماما لواقع حكومتنا المتفانية و جهودها المخلصة و الدؤوبة و جهود شعبها المحب لخدمة و تسهيل حياة الزوار و جعل رحلتهم إلى مكة أحد أروع التجارب في حياتهم.  

لقد خيب إداريي المجموعة الثقة الملكية الكبيرة حينما تسببوا في حدوث الفاجعة في أكثر بقاع الأرض أمنا. فالخطأ فادح و الأضرار جسيمة بكل المقاييس, و لو كانت الرياح السبب الرئيس لكان الأمر أقل وقعا. و لكن تبين من تقرير اللجنة المكلفة بالتحقيق في الحادث وجود تقصير إداري في مسألة تأكيد سلامة وضعية الرافعة, ما قد يعني الاستهانة بأرواح الزوار.  

إن قرار منع المجموعة من دخول أي مشاريع جديدة قرار صائب و في محله. و يحكي قصة لثقة ملكية كبيرة قابلها تقصير متناهي الصغر, و لكنه وضع المملكة و شعبها في موقف بالغ الحرج و التشويه, و الأهم من ذلك أنه تسبب بألم عظيم للضحايا و ذويهم.

نهاية موجعة لعلامة لاتزال حاضرة في ذاكرة و أمام أعين كل مواطن يسير على أرض هذا الوطن, ساقها إليها جيل إداري لا أملك سوى أن أصفه بالمفلس. و كما أنه بقدر الثقة تعظم الإنجازات و الفرص, فبقدر خيبتها تكون العواقب.

ختاما, لا شك أن قرار الإيقاف ليس بالسهل و ستتبعه تكلفة, فقد أتى في الوقت الذي تعمل فيه المملكة جاهدة لدعم و تطوير الاقتصاد الوطني, لتفقد أحد أذرع صناعة الإنشاء المحلية و أحد دعائم سوق العمل في توفير الوظائف, و لكننا ندرك جميعا بأن الأهداف الوطنية لن تكون على حساب سلامة ضيوف الحرمين و رضاهم و عودة ثقتهم.


السبت، 12 سبتمبر 2015

قواعد المعرفة


نحن كبشر, شديدي الحرص على استهلاك المعلومات باستمرار. و حتى لا تنفجر أدمغتنا لضخامة ما نستقبله, فنحن أمام ثلاث خيارات لتنظيم العملية: فإما قبول المعلومة, أو رفضها, أو الحياد و التجاهل.

قد يتخذ غالبية الناس مواقف حيادية, و ذلك قد لا يبدو نابعا عن رغبتهم ليكونوا حياديين (فتلك مرحلة متقدمة من الإدراك), و لكن لضخامة ما يصلهم أو صعوبته و ضيق وقتهم.

و قد تجد البعض يميل إلى قبول كل ما ألف سماعه من مجرد العنوان أو اسم المصدر الذي أعتاد على أن يثق في كل ما يقوله و إن لم يكن مفهوما. و قد تجد البعض الآخر يميل إلى رفض كل ما اعتاد على رفضه من دون أن يلتفت إلى ما قد يستجد في تفاصيله. هذا النوع من مستهلكي المعلومات سطحي المعرفة و الفهم, و متوقع أن يواجه مستقبل شديد التقلب, قلق, و غامض, يزداد سوءا مع كل تغير يحدث في محيطه.

من المعلوم أن الذي يتحكم في خياراتنا هو سعة إدراكنا أو فهمنا للعالم من حولنا (فكلما اتسع الإدراك, انخفض القلق مما هو غير مألوف أو غريب, و بالتالي ارتفعت المرونة لدينا لقبول المزيد من الحقائق و المعارف). أيضا تتحكم في خياراتنا اهتماماتنا و ميولاتنا (تحيزاتنا) الشخصية.

سأقدم قاعدتين معروفتين و سهلتا الاستخدام, يمكن الاعتماد عليهما في اختبار صحة المعلومات التي تصلنا و تؤثر على قراراتنا و حياتنا.

القاعدة الأولى: عند البحث عن أي معلومة, تجنب الإعتماد على مصدر واحد أو مصدرين, و لكن اعتمد على مصادر متعددة و متنوعة (كتب, مقالات, أبحاث علمية, مدونات الخبراء, و نحوهم) و ذلك لتكوين صورة أكثر وضوحا و عمقا و شمولية, تجعلك المتحكم الأول في تحديد مدى استحقاق المعلومة لقبولك و ملائمتها لمستقبلك. 
فإذا اتفقت جميع المصادر حولها فاعلم أن المعلومة أقرب للحقيقة المستقرة, لكن قد تتناقض ليس لخطأ بها و إنما تبعا لبيئة أو مستوى علم أو نظرة من يقدمها لك, هنا ستحظى بمجال أوسع لفهمها من أبعاد متعددة, و فهم الأسباب التي جعلتها تتلون.

القاعدة الثانية: لا تتسرع في قبول أو رفض أي معلومة يتخللها شيء غامض أو غير محدد المعالم (لا تستطيع تصوره ذهنيا) مهما بدت مكررة و مألوفة إليك. و مثالي هنا هو ما ينشر حول الطاقة التي تنبعث من الموجودات و تؤثر إيجابا أو سلبا على حياة الناس. فقبل التصديق بما يقال حول "آثار" الطاقة, علينا أن نقف عند الطاقة ذاتها و نتسائل: ما هي حقيقة وجودها و كيف تعمل؟ فهي تبدو غير واضحة. و لو رجعنا للمصادر, باحثين عن الإجابة, و حرصنا على تنويع تلك المصادر لتضييق تحيزات أنصار الطاقة, ستجد اختلافا كبيرا في الأجوبة, ما يجعل الفطن منا يميل إلى موقف الحياد لحين أن تتضح الرؤية. فلا شيء يستحق أن نقبله أو نرفضه ما لم نستطع تصوره ذهنيا و تصور ديناميكية عمله و تأثيره, فالعلم جعل كل ذلك ممكنا و ميسرا, و البشر لا تنقصهم القدرة على تصور أي شيء.


ختاما, إن جودة ما نستقبله و نقبل به سينعكس مباشرة على جودة ما سنخرج به من قرارات و أحكام. 

السبت، 5 سبتمبر 2015

الاستثمار الأجنبي في تداول السعودية


يحتل الإقتصاد السعودي مكانة متقدمة بين الاقتصادات العالمية, فالمملكة عضو في G20, و يبلغ إجمالي القيمة السوقية للأسهم السعودية المدرجة 1,692.47 مليار ريال, ليكون من بين الأكبر خليجيا و عربيا.

و إلى وقت قريب, كان سوق الأسهم السعودي أحد أكثر الأسواق تقييدا لمشاركة المستثمرين الأجانب, حتى أعلنت هيئة السوق المالية في أواخر شعبان من هذا العام بالسماح للمستثمر الأجنبي (فئة المؤسسات المالية كالبنوك و شركات التأمين) بتملك ما يعادل 5% من قيمة رأس مال الشركة المدرجة, و بأن لا تتجاوز نسبة التملك المباشر 20%.

و لكن, إلى أي مدى يمكن للمستثمر الأجنبي التأثير على كفاءة السوق (استقرار الأسعار), و رفع ثقة المستثمرين في الأسهم؟

تسعى الهيئة إلى استقطاب استثمارات طويلة الأجل و مستثمرين محترفين. و لهذا وضعت مجموعة من المعايير لتقييم طلبات الاستثمار الأجنبي تغطي جوانبا للقوة المالية و الخبرة, حيث اشترطت أن لا تقل الأصول التي يملكها مقدم الطلب عن 18,750 مليون ريال, و أن لا تقل عمر المؤسسة في مزاولة أنشطة الأوراق المالية عن خمس سنوات.

فبالنسبة للسوق ككل, من المتوقع أن يأتي الأثر من مشاركة المستثمر الأجنبي في صورة إنخفاض للسيولة العالية الناتجة عن تداول الأفراد الذي يمثل نحو 90% من تداولات السوق (بحسب تقارير هيئة سوق المال). فالمستثمرون الأفراد يملكون نحو 34% من قيمة السوق, و هم بالعادة ليسو محترفين كالمؤسسات المالية, بالتالي قد لا تعكس الأسعار التي يتداولونها أي تقديرات دقيقة للقيم المستقبلية للمشاريع, لأنها على الأغلب لا تكون مبنية على دراسات و تحليل أساسي, و إنما على بعض التحليل الفني للحركة التاريخية للسهم و ملخص نتائج الأعمال أو على الحدس, ما يضيف إلى تقلب الأسعار.

أما بالنسبة للشركات المدرجة, فالتغيير سيكون ملحوظا على هيكل رأس المال الذي سيضم الشريك الأجنبي. و هو شريك يتسم بمطالب أكثر تطورا و تمرسا فيما يتعلق بجودة المعلومات المالية, تطبيقات الحوكمة, و كفاءة استغلال الموارد.

و ماذا عن المستثمرين الأفراد الذين يبحثون عن أوعية استثمارية تسهم في تنمية مدخراتهم على المدى البعيد و بشكل مستقر و آمن؟

قد تتضارب مصالح هؤلاء مع مصالح الإدارة التنفيذية بالشركة كونها تميل إلى تحسين صورتها أمام مجلس الإدارة و اللجان التي عينتها من خلال التركيز على تحقيق أرباح فترية عاجلة على حساب تنمية المشاريع على المدى البعيد. أيضا, قد تتضارب مصالح هؤلاء الأفراد مع مصالح المساهمين المؤسسين أو الكبار الذين يملكون حقوق تصويت و قدرات أكبر للتأثير على القرارات الإستراتيجية للشركة و توجيه استثماراتها إلى أوعية قد تصدم توقعات الأفراد. إن فتح المجال أمام المؤسسات المالية الأجنبية لتصل نسبة تملكها المباشر إلى 20% و بحد أقصى 5% للشريك, سيمنع تضخم الاستحواذ من جانب الشريك الأجنبي, و سيجعل ذوي المصالح أكثر تعددا, و ستكون حقوق التصويت موزعة على شرائح أكبر من السابق. و برأيي, قد تسهم تلك العوامل إلى جانب القوة المالية و خبرة الشريك الأجنبي في دعم مصالح المستثمرين الأفراد و إعادة الثقة في الأسهم.     


ختاما, إذا نجحت الهيئة في استقطاب ذلك المستثمر المحترف و بحجم أكبر, سيكون ذلك أمرا باعثا للتفاؤل بخصوص مستقبل الاستثمارات في تداول.

السبت، 29 أغسطس 2015

تقلبات أسواق النفط و عوامل الحرج


تمر المملكة بدورة اقتصادية حرجة, فهي من ناحية تسعى إلى المحافظة على مستويات الإنفاق العالية على الخدمات و مشاريع التنمية الوطنية, و من ناحية أخرى تهدف إلى الإبقاء على حصتها السوقية و الهيمنة على أسواق البترول دوليا.

من أهم أسباب الأزمة داخليا, إلى جانب خسائر الحرب مع الحوثيين و خسائر مواجهة الإرهاب, تواضع الصناعة المحلية و بطء نموها. فهي لا تواكب احتياج الوطن من الشواغر الوظيفية و الخدمات, و لا تزال تعجز عن اللحاق بأهداف مشاريع التنمية الحكومية لتنويع مصادر الدخل. قد يعود السبب, بشكل جزئي, إلى وجود ندرة في رواد الأعمال الأكفاء, و أيضا ضعف مخرجات التعليم المحلي الذي يعد المسؤول الأول عن إمدادها بالقوى البشرية المؤهلة لدفعها للنمو.

ففي حين تلجأ الشركات إلى رفع معايير القبول للوظائف القيادية و الفنية لظروف المنافسة العالية, تجد الوظائف الحكومية أقل اشتراطا للمهارات و أكثر أمنا على المدى الطويل, لتكون الطريق الأمثل عند معظم المواطنين. نتج عن ذلك تضخم الوحدات الحكومية بالوظائف, لسد احتياج الوطن منها, على الرغم من آثارها السلبية على الميزانية.

فقد بلغت نفقات الرواتب و الأجور و ما في حكمها قرابة 50% من ميزانية 2015, و هي مصروفات ضخمة, و تعد من المنظور المحاسبي هالكة, أي لا ينتظر من الجزء الأكبر منها أي عوائد مستقبلية. أما المشاريع التنموية و التي يعول عليها مستقبل الوطن و نمو الإقتصاد, فقد قدر نصيبها بحوالي 263 مليار ريال, أي حوالي الثلث. و مع ذلك, ارتفع العجز للعام الحالي ليبلغ 145 مليار ريال, ما اضطر الحكومة للإقتراض و الإستقطاع من الاحتياطيات.  

أما بالنسبة للعوامل الخارجية المسببة للظروف الحرجة فتعود إلى, أولا, تواضع الطلب على مصادر الطاقة نتيجة للتقلب المشهود في النمو الإقتصادي العالمي بالسنوات الأخيرة, و السبب الآخر هو نشوء أسواق جديدة و منافسة في انتاج النفط, تشمل على سبيل المثال مناطق من شمال أميركا و روسيا. تسعى تلك الأسواق إلى مزاحمة مجموعة الأوبيك في الحصص, و سيزداد تأثيرها مالم يتزامن مع صعودها صعودا في الطلب. و لتعطيل أو تبطئة امكاناتها للنمو و المنافسة مستقبلا, لعبت المملكة دورا استراتيجيا للبقاء على الأسعار على مستوياتها الحالية (أي المنخفضة) و ذلك بزيادة المعروض النفطي, ليتراجع نموها, و ليساهم ذلك أيضا في تحفيز النمو الإقتصادي العالمي, فترجح كفة الطلب من جديد.  


قد تكون الفترة الحالية هي الأكثر حرجا في السنوات الأخيرة, و السبب يعود إلى تزامن عدة عوامل, منها الحرب على الحدود اليمنية و نمو الانفاق الحكومي مقارنة بالسنوات السابقة. و لكن هذا لا يعني أن المملكة غير قادرة على تجاوز المشكلة, فهناك ما يستدعي القليل من التضحيات المرحلية من أجل استقرار و نمو على مدى أطول.  

السبت، 22 أغسطس 2015

للمدرسة دور تجاه الوطن و شعبه


لو أدركنا الدور الذي يلعبه التعليم في تحديد مصير الوطن و مصير أبناءه, سيكون همنا الأكبر بعد الأمن و سنكون أكثر حرصا على متابعة و دعم و تقويم الجهود المبذولة في تشغيله و إصلاحه و تطويره.

إن سألني أحد عن أكثر العوامل تأثيرا على نمو الاقتصاد, توفير الوظائف, تقدم التقنيات و الخدمات, تطور القضاء, انتشار العدل, رقي الثقافة و الأخلاق, و انحسار الفساد و القضايا الاجتماعية, فإجابتي ستبدأ من: التعليم, فهو المسؤول الأول عن إمداد الوطن و مؤسساته و مشاريعه بالكوادر التي لا تقل معرفيا و مهاريا و أخلاقيا عن المستوى الذي يدفع بها نحو التقدم إلى مصاف نظرائها الدوليين, بما يقدموه من ابتكارات و خدمات رائدة و منافسة. إن مؤسساتنا الحكومية و مشاريعنا بحاجة إلى جيل عالي الامكانات و المعارف و المهارات, قوي الإرادة و التأثير و ابتكاري و شديد الحماس للتطوير و الرقي بكل ما من شأنه رفع شأن الوطن و دعم رفاهية مجتمعه.

فالدور الرئيس من وجود التعليم كجهاز هو بناء ذلك الجيل و ضمان استمرارية إمداد الوطن به. و ليتحقق ذلك, هناك حاجة ملحة لأن تتكامل الرؤى  والخطط و الجهود و ذلك من قمة الهرم الوزاري و حتى الفصول الدراسية (المعلم و الطالب).

و أولى الخطوات الصحيحة نحو تحقيق ذلك التكامل هي الاتفاق على رؤية واحدة و إجابة محددة حول الاحتياجات المعرفية و المهارية التي ينبغي مقابلتها لبناء ذلك الجيل و أيضا الاتفاق على رؤية واضحة حول الوضع الراهن للتعليم (ما إذا كانت امكاناته الحالية قادرة على تحقيق تلك الأهداف و بناء ذلك الجيل, و أين تكمن جوانب القصور).

و لبناء تلك الرؤية, يجب الاعتماد على دراسات و جهود حثيثة تجمع آراءا لعددا من الباحثين و المختصين و الخبراء للخروج باستراتيجية تغطي كل ما ينبغي القيام به من خطط و أهداف و نتائج و إجراءات ميدانية للتنفيذ الفعلي خطوة بخطوة و مقاييس لكشف الانحرافات عن الخطط و تصحيحها, حتى نتجنب فقدان الفرص و إضاعة الوقت بين قرارات و أنشطة غير مدروسة أو مسترجلة (لا ضمانة لفاعليتها) كما كنا نفعل بالماضي.

و فيما يتعلق بالتعليم العام, فبفضل من الله ثم برعاية حكومتنا, تملك وزارة التعليم استراتيجية واضحة لبناء ذلك الجيل (الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام "تطوير"). و المطلوب هو أن تتحول تلك الاستراتيجية إلى واقع, من خلال تكامل الجهود في جميع المستويات و بخاصة المدارس تبعا للاستراتيجية

بالتالي, فإن الدور المتوقع من المعلمين و قيادات المدارس (كأكثر المسؤولين تأثيرا على مدى تقدم الوزارة في واجبها الاصلاحي) مرتبط مباشرة بما تم تحديده في "تطوير" و في المناهج, فهما يقدمان تصور لاحتياج الطلاب المعرفي و المهاري و احتياج الوطن. و الخروج عنهما أو الاسترجال بالأنشطة الصفية و القرارات المدرسية قد يقود إلى هدر عظيم للجهود و الوقت و الثروات و الأهم من ذلك ضياع الأمانة (الطلاب و الوطن).

المدرسة مسؤولة أمام المجتمع (أولياء الأمور, الرأي العام, و الحكومة), و الدور المنتظر منها تجاه الأبناء و الوطن محدد, و عظيم, لا يحتمل التجارب و النتائج غير المؤكدة, و إنما التكامل مع الاستراتيجيات المدروسة لدعم الوطن و شعبه.  

  

السبت، 15 أغسطس 2015

الحوكمة و ثقة المستثمر في سوق الأسهم


لعل أكبر هاجس يؤرق المستثمرون في الشركات المساهمة هو كفاءة الإدارة في تشغيل و تنمية أموالهم. و أعني بكفاءة الإدارة أي قدرتها على استغلال تلك الإستثمارات بالشكل الذي يضمن تحقيق أرباح مستمرة و متنامية على المدى البعيد, كما يأمل المساهمين.

فبمجرد شراء الأسهم, تنتقل القدرة على التحكم أو التصرف في ذلك المال كليا من يد المستثمر إلى يد إدارة الشركة. و نتيجة لذلك الفصل بين الملكية و الادارة, تلزم هيئة سوق المال الشركات المساهمة بإصدار تقارير مالية, سنوية و ربع سنوية, تعرض أرباحها, و قيم ممتلكاتها (إستثمارات المساهمين), بطريقة تمكن المستثمرين من الخروج بقرارات بيع و شراء الأسهم, و من متابعة و تقييم كفاءة الإدارة في استخدام رؤوس أموالهم.

و لكن, كيف يمكن للمستثمر أن يثق في معلومات تعدها و تقدمها الإدارة عن نفسها (أعمالها), و من المعلوم أنه لديها الدافع لإظهارها مطمئنة و إيجابية و لو لم تكن الحقيقة كذلك, فهي تخشى أن يتم الاستغناء عنها إذا ما أظهرت القوائم خسائر أو سوء استغلال للثروة؟

قد يخطر ببال أحدكم, قرائي الأعزاء, دور المراجع الخارجي في إضفاء المصداقية على تلك المعلومات من خلال رأيه الذي يبديه عن مدى سلامة التقارير من الأخطاء الجوهرية و التلاعب. و لكن بعد الأزمات المالية بالأسواق العالمية و بعد السقوط الهائل الذي حدث في قيمة الأسهم السعودية في عام 2006, ظهرت شكوك كبيرة في قدرة المراجع وحده على كشف خلل التقارير و حماية المساهمين, و بالتالي انخفضت ثقة المستثمرين في أسواق الأسهم بشكل كبير.

لهذا, و لتخفيف النزاع الحامي ما بين المستثمرين و الإدارة, لجأت العديد من الحكومات و من بينها حكومة المملكة إلى إلزام الشركات لتبني الحوكمة. و هي مجموعة من القواعد و الإجراءات التي تصب في حماية حقوق المستثمرين و بقية أصحاب المصالح الآخرين, و تعنى بإعادة توزيع السلطة داخل الشركة بحيث لا تكون في يد الإدارة كاملة.

تختلف ممارسات الحوكمة المثلى بين الدول قليلا, و فيما يتعلق بالمملكة, فالشركات السعودية ملزمة بتطبيق ما جاء بلائحة حوكمة الشركات الصادرة في عام 2006 بطريقة "طبق أو وضح اسبابك لعدم التطبيق" "”comply or explain و هي طريقة معتمدة دوليا. و الشركات أيضا ملزمة بالتقرير عن إجراءات الحوكمة المتبعة ضمن "تقرير مجلس الإدارة" السنوي.

أحد متطلبات لائحة الحوكمة السعودبة هو تأكيد شفافية التقارير المالية و تأكيد سلامتها. و ليتم ذلك, تم تحميل مجلس الإدارة (الذي يتكون من عدد من الأعضاء) تلك المسؤولية إلى جانب الإدارة التنفيذية, مع العمل على رفع استقلالية المجلس عن الإدارة ليضم عددا من الأعضاء المستقلين عن الشركة (من بينهم كبار المستثمرين و أكاديميين و مدراء تنفيذيين في شركات أخرى). أيضا تم تحميل المجلس مسؤولية إنشاء و الإشراف على لجنة للمراجعة الداخلية و لجنة لتعيين و مكافأة المدراء التنفيذيين, و تفعيل نظام للضبط الداخلي لاكتشاف الأخطاء و الانحرافات في الإجراءات المالية و في التقارير.

و السؤال المهم, ما مدى استجابة الشركات السعودية للائحة الحوكمة و هل انعكس ذلك على جودة التقارير المالية و ثقة المساهمين في سوق الأسهم؟  

سؤال يبحث عن إجابة.

دمتم سالمين.