نحن كبشر, شديدي الحرص على استهلاك المعلومات باستمرار. و حتى لا
تنفجر أدمغتنا لضخامة ما نستقبله, فنحن أمام ثلاث خيارات لتنظيم العملية: فإما
قبول المعلومة, أو رفضها, أو الحياد و التجاهل.
قد يتخذ غالبية الناس مواقف حيادية, و ذلك قد لا يبدو نابعا عن رغبتهم
ليكونوا حياديين (فتلك مرحلة متقدمة من الإدراك), و لكن لضخامة ما يصلهم أو صعوبته
و ضيق وقتهم.
و قد تجد البعض يميل إلى قبول كل ما ألف سماعه من مجرد العنوان أو اسم
المصدر الذي أعتاد على أن يثق في كل ما يقوله و إن لم يكن مفهوما. و قد تجد البعض
الآخر يميل إلى رفض كل ما اعتاد على رفضه من دون أن يلتفت إلى ما قد يستجد في تفاصيله.
هذا النوع من مستهلكي المعلومات سطحي المعرفة و الفهم, و متوقع أن يواجه مستقبل شديد
التقلب, قلق, و غامض, يزداد سوءا مع كل تغير يحدث في محيطه.
من المعلوم أن الذي يتحكم في خياراتنا هو سعة إدراكنا أو فهمنا للعالم
من حولنا (فكلما اتسع الإدراك, انخفض القلق مما هو غير مألوف أو غريب, و بالتالي
ارتفعت المرونة لدينا لقبول المزيد من الحقائق و المعارف). أيضا تتحكم في خياراتنا
اهتماماتنا و ميولاتنا (تحيزاتنا) الشخصية.
سأقدم قاعدتين معروفتين و سهلتا الاستخدام, يمكن الاعتماد عليهما في اختبار
صحة المعلومات التي تصلنا و تؤثر على قراراتنا و حياتنا.
القاعدة الأولى: عند البحث عن أي معلومة, تجنب الإعتماد على مصدر واحد
أو مصدرين, و لكن اعتمد على مصادر متعددة و متنوعة (كتب, مقالات, أبحاث علمية,
مدونات الخبراء, و نحوهم) و ذلك لتكوين صورة أكثر وضوحا و عمقا و شمولية, تجعلك
المتحكم الأول في تحديد مدى استحقاق المعلومة لقبولك و ملائمتها لمستقبلك.
فإذا
اتفقت جميع المصادر حولها فاعلم أن المعلومة أقرب للحقيقة المستقرة, لكن قد تتناقض
ليس لخطأ بها و إنما تبعا لبيئة أو مستوى علم أو نظرة من يقدمها لك, هنا ستحظى بمجال
أوسع لفهمها من أبعاد متعددة, و فهم الأسباب التي جعلتها تتلون.
القاعدة الثانية: لا تتسرع في قبول أو رفض أي معلومة يتخللها شيء غامض
أو غير محدد المعالم (لا تستطيع تصوره ذهنيا) مهما بدت مكررة و مألوفة إليك. و
مثالي هنا هو ما ينشر حول الطاقة التي تنبعث من الموجودات و تؤثر إيجابا أو سلبا على
حياة الناس. فقبل التصديق بما يقال حول "آثار" الطاقة, علينا أن نقف عند
الطاقة ذاتها و نتسائل: ما هي حقيقة وجودها و كيف تعمل؟ فهي تبدو غير واضحة. و لو
رجعنا للمصادر, باحثين عن الإجابة, و حرصنا على تنويع تلك المصادر لتضييق تحيزات
أنصار الطاقة, ستجد اختلافا كبيرا في الأجوبة, ما يجعل الفطن منا يميل إلى موقف
الحياد لحين أن تتضح الرؤية. فلا شيء يستحق أن نقبله أو نرفضه ما لم نستطع تصوره
ذهنيا و تصور ديناميكية عمله و تأثيره, فالعلم جعل كل ذلك ممكنا و ميسرا, و البشر
لا تنقصهم القدرة على تصور أي شيء.
ختاما, إن جودة ما نستقبله و نقبل به سينعكس مباشرة على جودة ما سنخرج
به من قرارات و أحكام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق