تمر المملكة بدورة اقتصادية حرجة, فهي من ناحية تسعى إلى المحافظة على
مستويات الإنفاق العالية على الخدمات و مشاريع التنمية الوطنية, و من ناحية أخرى
تهدف إلى الإبقاء على حصتها السوقية و الهيمنة على أسواق البترول دوليا.
من أهم أسباب الأزمة داخليا, إلى جانب خسائر الحرب مع الحوثيين و
خسائر مواجهة الإرهاب, تواضع الصناعة المحلية و بطء نموها. فهي لا تواكب احتياج
الوطن من الشواغر الوظيفية و الخدمات, و لا تزال تعجز عن اللحاق بأهداف مشاريع
التنمية الحكومية لتنويع مصادر الدخل. قد يعود السبب, بشكل جزئي, إلى وجود ندرة في
رواد الأعمال الأكفاء, و أيضا ضعف مخرجات التعليم المحلي الذي يعد المسؤول الأول عن
إمدادها بالقوى البشرية المؤهلة لدفعها للنمو.
ففي حين تلجأ الشركات إلى رفع معايير القبول للوظائف القيادية و
الفنية لظروف المنافسة العالية, تجد الوظائف الحكومية أقل اشتراطا للمهارات و أكثر
أمنا على المدى الطويل, لتكون الطريق الأمثل عند معظم المواطنين. نتج عن ذلك تضخم
الوحدات الحكومية بالوظائف, لسد احتياج الوطن منها, على الرغم من آثارها السلبية
على الميزانية.
فقد بلغت نفقات الرواتب و الأجور و ما في حكمها قرابة 50% من ميزانية
2015, و هي مصروفات ضخمة, و تعد من المنظور المحاسبي هالكة, أي لا ينتظر من الجزء
الأكبر منها أي عوائد مستقبلية. أما المشاريع التنموية و التي يعول عليها مستقبل
الوطن و نمو الإقتصاد, فقد قدر نصيبها بحوالي 263 مليار ريال, أي حوالي الثلث. و
مع ذلك, ارتفع العجز للعام الحالي ليبلغ 145 مليار ريال, ما اضطر الحكومة للإقتراض
و الإستقطاع من الاحتياطيات.
أما بالنسبة للعوامل الخارجية المسببة للظروف الحرجة فتعود إلى, أولا,
تواضع الطلب على مصادر الطاقة نتيجة للتقلب المشهود في النمو الإقتصادي العالمي
بالسنوات الأخيرة, و السبب الآخر هو نشوء أسواق جديدة و منافسة في انتاج النفط, تشمل
على سبيل المثال مناطق من شمال أميركا و روسيا. تسعى تلك الأسواق إلى مزاحمة
مجموعة الأوبيك في الحصص, و سيزداد تأثيرها مالم يتزامن مع صعودها صعودا في الطلب.
و لتعطيل أو تبطئة امكاناتها للنمو و المنافسة مستقبلا, لعبت المملكة دورا
استراتيجيا للبقاء على الأسعار على مستوياتها الحالية (أي المنخفضة) و ذلك بزيادة
المعروض النفطي, ليتراجع نموها, و ليساهم ذلك أيضا في تحفيز النمو الإقتصادي
العالمي, فترجح كفة الطلب من جديد.
قد تكون الفترة الحالية هي الأكثر حرجا في السنوات الأخيرة, و السبب
يعود إلى تزامن عدة عوامل, منها الحرب على الحدود اليمنية و نمو الانفاق الحكومي مقارنة
بالسنوات السابقة. و لكن هذا لا يعني أن المملكة غير قادرة على تجاوز المشكلة,
فهناك ما يستدعي القليل من التضحيات المرحلية من أجل استقرار و نمو على مدى أطول.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق