السبت، 19 سبتمبر 2015

رافعة الحرم.. و الثقة الملكية


ارتبط اسم مجموعة بن لادن السعودية بأشرف و أضخم المشاريع الإنشائية التي تمت على أرض الجزيرة العربية, و لم تقتصر المجموعة ذلك التميز على الصعيد المحلي و حسب, بل كان لعلامتها حضور دولي, حمل للعالم جانبا من براعة صناعة الإنشاء الوطنية.

خلف تلك العلامة, تقف الثقة الملكية – أحد أثمن الأصول التي كونتها الشركة على مدى يتجاوز النصف قرن. و قرار اختيار المجموعة مجددا لتقوم بتنفيذ أكبر توسعة للحرم ليس إلا دليلا حيا على ازدهار و تقدم تلك الثقة.

و الهدف السامي من وراء تلك الجهود هو رفع مستوى رضى ضيوف الرحمن عن الخدمات المقدمة لهم, ففي خدمتهم شرف عظيم لحكومة هذا البلد و شعبه.

و لا شك أن وجود المشروع المؤقت في ساحات الحرم قد يشعرنا ببعض الحرج لما قد يصدر عنه من إزعاج أو إعاقة لحركة ضيوف المسجد الحرام, إلا أن الجميع يتفهم ما يتطلبه المستقبل من تضحيات مرحلية لن تدوم طويلا. و لكن, ما كنا ننتظر أن نسمع بخبر سقوط رافعة الحرم. فقد نزل علينا أشد عصفا من رياح مكة العاتية في تلك الليلة, بل أعظم من أعاصيرها التاريخية كلها. لقد حولت تلك الحادثة موقفنا من الحرج من وجود المشروع إلى ما هو أسوأ من ذلك.

نقلت تلك الحادثة للعالم صورة مغايرة تماما لواقع حكومتنا المتفانية و جهودها المخلصة و الدؤوبة و جهود شعبها المحب لخدمة و تسهيل حياة الزوار و جعل رحلتهم إلى مكة أحد أروع التجارب في حياتهم.  

لقد خيب إداريي المجموعة الثقة الملكية الكبيرة حينما تسببوا في حدوث الفاجعة في أكثر بقاع الأرض أمنا. فالخطأ فادح و الأضرار جسيمة بكل المقاييس, و لو كانت الرياح السبب الرئيس لكان الأمر أقل وقعا. و لكن تبين من تقرير اللجنة المكلفة بالتحقيق في الحادث وجود تقصير إداري في مسألة تأكيد سلامة وضعية الرافعة, ما قد يعني الاستهانة بأرواح الزوار.  

إن قرار منع المجموعة من دخول أي مشاريع جديدة قرار صائب و في محله. و يحكي قصة لثقة ملكية كبيرة قابلها تقصير متناهي الصغر, و لكنه وضع المملكة و شعبها في موقف بالغ الحرج و التشويه, و الأهم من ذلك أنه تسبب بألم عظيم للضحايا و ذويهم.

نهاية موجعة لعلامة لاتزال حاضرة في ذاكرة و أمام أعين كل مواطن يسير على أرض هذا الوطن, ساقها إليها جيل إداري لا أملك سوى أن أصفه بالمفلس. و كما أنه بقدر الثقة تعظم الإنجازات و الفرص, فبقدر خيبتها تكون العواقب.

ختاما, لا شك أن قرار الإيقاف ليس بالسهل و ستتبعه تكلفة, فقد أتى في الوقت الذي تعمل فيه المملكة جاهدة لدعم و تطوير الاقتصاد الوطني, لتفقد أحد أذرع صناعة الإنشاء المحلية و أحد دعائم سوق العمل في توفير الوظائف, و لكننا ندرك جميعا بأن الأهداف الوطنية لن تكون على حساب سلامة ضيوف الحرمين و رضاهم و عودة ثقتهم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق