السبت، 30 يناير 2016

تطوير الجامعات .. كيف تنظر له أعين الطلاب؟



مع ارتفاع التوقعات حول الأدوار التي تلعبها الجامعات لمقابلة مطالب المجتمع لتخريج مواطنين متقدمي المعرفة و المهارة، أصبحت الحاجة ملحة ليكون هناك تحديث و تطوير للبرامج و المواد بشكل غير متوقف، و ذلك نابع من الحاجة لأن يتم إدارة التطوير بالأخذ في الإعتبار  التحديات المتجددة التي تجلبها العولمة (globalization) باستمرار، و متطلبات الاقتصاد المعرفي لبناء اقتصاد سعودي منافس على صعيد الأسواق العالمية.

إلى جانب تلك المسؤوليات، تريد الحكومة من الجامعات كفاءة في استخدام الموارد عند تشغيل البرامج الدراسية، و تريد جودة في المخرجات (معرفة و مهارة تسد احتياجات سوق العمل). و المجتمع يريد زيادة في المقاعد الجامعية، و رفع جودة التعليم، و جعل التكاليف الدراسية ميسرة.

ما بين ذاك المد و ذاك الجزر، يوجد العنصر، ربما الأكثر تأثرا، و مع ذلك، الأخفت صوتا: الطالب/الطالبة و ما يتطلع له.

و يأتي السؤال الأهم، كيف يعيش الطالب التجربة؟ بعبارة أخرى، إلى أي درجة يشعر الطالب بأنه منسجم مع الروتين و متطلبات التغيير و التحديات التي تخوضها الأقسام لمقابلة مطالب الحكومة و المجتمع، و كيف يرى تطور أهدافه التعليمية (التي من أجلها خصص جزءا من سنوات عمره الثمينة ليقضيها في التعليم الجامعي) في ظل تلك الظروف غير المستقرة داخل قسمه؟

ينبغي أن لا ننسى، أن الطالب هو العنصر الأكثر حرجا من ذلك كله، و المحدد الرئيس لمعرفة ما إذا كنا نسير بالجهود التطويرية على المسار الصحيح.

التعليم الجامعي تحول كبير في حياة الطالب (تجربة تعلم مختلفة)، فطالب الجامعة يُعامل كراشد، يُتوقع منه قدرا مضاعفا من الجهد و المسؤولية و الاستقلالية في التعلم المستمر و الذاتي، يُنظر له كعامل للمعرفة (ناقد، محلل، منتج)، و ذلك على خلاف التعليم المدرسي (التلقين).

و تجربة السنة الجامعية الأولى هي الأكثر تحديا في مسيرته، عندها يحدد تطلعاته و يدرك مسؤولياته و أدواره التي من خلالها سيحقق أحلامه، فهل تأخذ الأقسام بعين الإعتبار ما قد يتطلع له الطالب حينما تضع استراتيجيات المرحلة القادمة من التغيير، و ذلك كي تعينه ليرى الصلة فيما بين ما يريده هو و بين ما يتوقع القسم منه كطالب منتظم؟

فحينما يواجه المحاضر تكرار في الغياب، أو انخفاض كبير في الأداء لدى الطلاب، قد يتبادر في الذهن أن الطلاب غير مبالين أو لا يريدون أن يتعلموا شيئا، في حين أن السبب الحقيقي قد يعود إلى فشل البرنامج في جعل الطالب يرى العلاقة بين ما هو مطلوب منه (من حضور و جهد و تعلم ذاتي و مستمر) و بين مستقبله و أحلامه.

إن عدم ادراك الطالب لتلك العلاقة، أو إحساسه بفقدان الهوية الشخصية و هيمنة الهوية الجامعية عليها ليكون الأداة التي ترتقي بها في التصنيفات العالمية و تقابل بها شروط الإعتمادات الأكاديمية، فذلك سيعيق أمرين جوهريين: الأول جعل الطالب يؤمن في قيمة التعلم فيشعر بالمسؤولية و يبذل الجهد ليحقق المتوقع منه كطالب منتظم، و الثاني، سيصعب على الجامعة مقابلة مطالب المجتمع في رفع جودة مخرجات التعليم، لأن العنصر الأكثر حرجا، و الذي تحركت الجهود لأجله، غير مستجيب، كونه مغيب (لا يدرك موقعه من تلك العواصف (عواصف التطوير) و لا يرى صلتها بتطلعاته).



  

السبت، 23 يناير 2016

تعليم قابل للتكيف



تحدثت في المقالين الماضيين عن جوانب مهمة تتعلق بمهارات القرن الحادي و العشرين. اليوم أختم السلسلة بفقرتين جوهريتين: الأولى تناقش الطريقة التي ينبغي أن تتبع في تحديد تلك المهارات و المعارف في ظل ندرة الأبحاث بالخصوص، و الثانية تعطي نماذج لبعض المهارات المستجدة و أثرها على مستقبل الخريج المهني، كي تتضح الصورة بشكل أقرب.

هناك ضرورة لأن يدرك الوعي الوطني بأن مهمة تحديد المعارف و المهارات التي يحتاج إليها الطلاب يجب أن تلائم مشكلات و تحديات المجتمع الحالية و المستقبلية (أي نظرة معاصرة و مستقبلية). و هذا يتطلب فهم عميق و شامل (محلي و دولي) لظروف المرحلة الحالية و التنبؤ بما ستجلبه التغيرات الاجتماعية و الإقتصادية و التكنولوجية و البيئية من تحديات و مشكلات نريد من الخريج أن يواجهها بصلابة و تفوق.

المهمة معقدة و لا يمكن أن تنجز إذا ما ترك الاختيار أو القرار بيد شخص واحد أو فئة ذات اختصاص معين، المهمة تتطلب بناء شراكة واسعة تجمع عقول متنوعة على طاولة واحدة (أكاديميين و باحثين و رواد أعمال و مهنيين و واضعي السياسات و الاستراتيجيات) و يتطلب كذلك عقد لقاءات متكررة.

المهمة أيضا تتطلب مواكبة (تغيير و تطوير مستمرين). و وفقا لما يستجد على الطاولة، يتم التوصية بإضافة مسارات تخصصية جديدة و تحديث مسارات و إلغاء مسارات أخرى، تحديث مناهج و إلغاء أخرى، و تطوير دوري لطرق التدريس و التقييم. و لا شك أن ذلك سيتطلب من التنفيذيين (المدراء و المعلمين و المحاضرين بالمدارس و الجامعات) أن يتسموا بمرونة عالية مع التغيير المتكرر، لأن الظروف أصبحت تتغير بشكل سريع لأسباب تعود إلى تطورات التكنولوجيا و العولمة، المصدر الرئيس للتحديات التي ستواجه الطلاب، و ذلك كي تتحقق أهداف التنمية الوطنية المنشودة و تتم مقابلة احتياجات الجيل القادم من المعارف و المهارات الأساسية لنجاح مستقبلهم المهني.

فقرتي الثانية أهدف من خلالها إلى تقديم نماذج لمهارات أساسية تستجيب لمشكلات القرن الحالي، و مع هذا يغفل التعليم الوطني عن بعضها بشكل كبير. فاستنادا إلى نتائج مسح ميداني أجراه Millenial Branding (2012)، تحتل القدرات التالية: مهارات التواصل (communication skills)، الخصال الشخصية الإيجابية (positive attitude)، القدرة على التكيف مع التغيير (being adaptable to change)، مهارات فرق العمل (teamwork skills) المراتب الأربع الأكثر أهمية في نظر مسؤولي التوظيف عند استقبال طالبي الوظائف. أيضا من بين المهارات التي تم اختبار مدى ارتباطها بنجاح الشخص في الحصول على الوظيفة أو الراتب المجزي ما يلي: التحلي بالمسؤولية (responsibility)، الإستقلالية (independence)، (outgoing character)، الإصرار (persistence)، الاستقرار العاطفي (emotional stability)، سمة المبادرة (initiative)، المهارات الاجتماعية (social skills)، السلامة من الإضطرابات الشخصية (lack of personality disorders).

تختلف هذه القدرات عن القدرات الذهنية (المبنية على الذاكرة و السببية)، من حيث أنها تعد أدوات تمكن الإنسان من التعامل الفاعل و القيادي مع مشكلات بيئته و مع من حوله، و هذا أمر حاسم في عصر أصبحت فيها الشركات تعتمد بشكل كبير على فرق العمل (teamwork) و الشراكات (partnership) و التحالفات (alliances) في انجاز الأعمال و التغلب على التحديات، و قد تلعب تلك السمات دورا مؤثرا في بناء الميزة التنافسية لها و الاستمرارية.



السبت، 16 يناير 2016

تعلُّم قابل للتحول



ما بين الحاجة إلى مواجهة تحديات الحاضر و الاستعداد لتحديات المستقبل، تتوقف آمال الوطن و كذلك المواطن عند التعليم، ليكون مواكب للتغيرات الإقتصادية و البيئية و التكنولوجية و الاجتماعية المعاصرة، و التي شكلت المصادر الرئيسة المغذية لتلك التحديات اليوم و ستولد المزيد منها في الغد.

و حتى يلعب الفرد أدواره كمواطن، كموظف، كمسؤول، كقيادي، كمربي، كأب، كأم، كمتطوع، كمبادر، كرائد أعمال، أو أي دور وطني مسؤول، هناك ضرورة لأن يتم توجيه الجهود و الموارد لتحديد احتياجاته من رزمة المعارف و المهارات و الأدوات التي  تمكنه من الوقوف بصلابة أمام تلك التغيرات و من تجاوزها بقيادية و تفوق.

كل شيء في عالمنا يتغير، و كذلك التعليم، لن يقف عند نقطة، بل سيخوض التجربة كغيره، و سيعمل ليواكب احتياجات الوطن و المواطن المتجددة من المعارف و المهارات، و ذلك حتى يتمكن من تأدية مسؤولياته المتوقعة من دون تقصير. فهو إن وقف متفرجا، فالعواقب ستكون وخيمة; من بينها تأخر جيل بأكمله، و نشوء المزيد من التحديات و استمرار استنزاف الموارد و الطاقات البشرية و الطبيعية النافدة فيما لا يعود للمواطن و الوطن بأي نفع.

و قد قدم مقالي الأسبوع الماضي لمحة سريعة عن مهارات القرن ٢١ و تطرق للفرق بينها و بين المهارات التي يقوم عليها التعليم الوطني الحالي (و التي غالبا ما تنحصر في تقوية الذاكرة و تنمية المهارات السببية - القدرات الذهنية فقط).

و مع الأسف، لاتزال تطبيقاتنا للقدرات الذهنية محصورة على المسائل التي يعدها المعلمون أو المقدمة ضمن الكتب (أي منقطعة عما يجري في الواقع العملي من ممارسات متغيرة و متجددة، سيتعامل معها الطلاب بعد تخرجهم).

فمن ناحية، لازلنا في حاجة لمراجعة مستوى ما يقدمه التعليم الحالي للطلاب من مهارات (و المعتقد أنها ضيقة سواءا على المستوى المفاهيمي و كذلك التطبيقي)، و من ناحية أخرى، نحن بحاجة لإضافة رزمة من المهارات المستجدة لتواكب متطلبات سوق العمل التي تغيرت و لتواكب حاجة الإنسان للتعلم القابل للتحول (أي القابل للتطبيق على مجالات تتعدى مجالات التخصص الواحد- النظرة الحديثة).

و لتتضح الصورة حول مفهوم التعلم القابل للتحول، إليكم ما يلي. نحن اليوم، نبذل الجهود ليصبح ما يتلقاه الطالب من معارف و مهارات داخل الصف ممكنة التطبيق على حالات و مشكلات متخصصه خارج الصف. في حين أنه قد أصبحت هناك حاجة لأن تبذل الجهود ليتم تقديم تلك المعارف و المهارات للطالب بطريقة تسمح له توسيع نطاق تطبيقها لتشمل مجالات خارج نطاق التخصص، و ليس فقط خارج الصف (transferable competencies).

على سبيل المثال، نظرا لاستمرار تغير الظروف التجارية، ظهرت الحاجة لاستخدام معارف و قدرات علم الإحصاء في مجالات متعددة و متقدمة ضمن إدارة الأعمال، في مهام جوهرية تشمل تحليل بيانات التكاليف و المبيعات و اتخاذ القرارات.

من الضروري أن يواكب التعليم ما تتطلبه الظروف المتغيرة من تعليم عميق، يسمح بالتحول متى ما وجدت الحاجة لذلك، فذلك هو السبيل الذي يمكن من خلاله تخريج كوادر تستطيع الوقوف أمام تحولات التقنيات و الظروف الإقتصادية و الاجتماعية المتغيرة بصلابة، فتساهم في تنمية ذواتها و تقدم أوطانها.





السبت، 9 يناير 2016

مهارات القرن ٢١.. حاجة طلابية ملحة



قبل عدد من الأسابيع ناقشت أهمية نوع من المهارات تسمى soft skills أو حسب ترجمتي الخاصة المهارات غير المحسوسةو ذلك في مقال بعنوان يحمل اسمها. و قد حددتها بتلك التي يصعب إخضاعها للقياس مقارنة بالمهارات الأخرى التي تشمل القدرات اللغوية و الرياضية و العلمية و طرق حل المسائل (القدرات الذهنية). و على الرغم من ازدياد الاهتمام بالمهارات غير المحسوسة من قبل قادة الأعمال عند التوظيف، و ارتفاع أهميتها فيما يتعلق بنجاح الفرد على المستوى الشخصي و كذلك المهني، فإن الوعي الوطني و التعليم لايزلان غير مواكبين لذلك التحول الذي فرضته العوامل الاقتصادية المعاصرة.

مع الأسف، لازلنا نتبنى النظرة التقليدية التي تؤكد على تنمية الجانب الذهني فقط للإنسان. في حين أصبحت الحاجة ملحة بأن يولي التعليم اهتماما بالقدرات غير الذهنية و بشكل لا يقل كفاءة و جودة عن المعارف و القدرات التقليدية، و على كافة المراحل التعليمية (المدرسية، التقنية، و الجامعية).

و على الرغم من أن الأبحاث العلمية لا تقدم إجابة وافية لتحديد و قياس تلك المهارات بشكل أدق، سنحاول التعرف عليها من خلال عرض بعض النتائج البحثية و التقارير المعدة من قبل المهتمين بتطوير التعليم بالدول الرائدة صناعيا و المسوح الميدانية المتوفرة لتتضح الصورة حولها و مدى تأثيرها على مستقبل الفرد.

تذكر دراسة أجراها الباحثين Heckman and Rubinstein (2001) أن الطلاب الذين توقفوا عن الدراسة (و مع أن قدراتهم الذهنية مرتفعة) هم أكثر الموظفين غيابا، أقل رواتبا، أقل حظا في التوظيف، أكثر ارتكابا للمخالفات مقارنة بمن استطاعوا إكمال تعليمهم. و قد ذكر الباحثين أن فشلهم في الحياة المهنية مرتبط بضعف في عدد من القدرات غير الذهنية، انعكست مسبقا على شخصياتهم حينما عجزوا عن الإنتظام و الإصرار في مواصلة الدراسة.

و بعد ضبط عدد من العوامل المؤثرة على تفوق الطلاب، وجد الباحث Segal (2012) أن السمات التالية للطلاب: اللا مبالاة، تكرار الغياب، شرود الذهن أو الإهمال، التخلف عن أداء الواجبات، التشتت باستمرار، كلها سمات ارتبطت لاحقا بمعدلات الرواتب (أحد مقاييس النجاح المهني) لهولاء بعد مرور ١٢ سنة من التخرج، و بشكل يتعدى تأثير قدراتهم الذهنية. بعبارة أبسط، تلك السمات تعكس ضعف في عدد من القدرات غير الذهنية (كالعزيمة أو تحمل المسؤولية أو بُعد الرؤية) و التي إن وجدت في الشخص، يمكن أن تحكم نجاح مستقبله المهني، و بخاصة اذا تزامنت مع تقدمه في القدرات الذهنية.        

مهما تفوق الشخص في قدراته الحسابية أو اللغوية أو النقد أو السببية، هذه القدرات لا يمكن أن تعالج أي خلاف قد ينشأ بين شخصين في فريق عمل داخل شركة تؤمن و تعزز التنوع الجنسي و الثقافي (interpersonal skills). أيضا، لا يمكن لهذه القدرات أن تصنع شخص عالي الهمة و واضح الرؤية و قوي العزيمة و سديد الخطى تجاه أهدافه (intrapersonal skills). ضعف هذه الجوانب سيترتب عليه ضعف في الانتاجية و سيؤخر النمو المعرفي و الربحية لتلك الشركات، و سيترتب عليه أيضا تراجع فرص نجاح الفرد، و لن تحل محلها أو تعالجها قدراته الذهنية المتفوقة.

مناقشة هذا الموضوع تطول، لهذا سأكمل الحديث الأسبوع القادم.

السبت، 2 يناير 2016

تغيير وزير أم تغيير طريقة!


في العقد الأخير, تكررت إعفاءات الوزراء, و ذلك يثير تساؤلا جوهريا: هل التغيير (الإصلاح) في تلك المؤسسات الضخمة بحاجة إلى تغيير "الوزير" أم تغيير "الطريقة التي يقاد بها التغيير ذاته (القيادة)"؟

في الواقع, معظم الناس تخلط في فهم الفرق ما بين التغيير الذي يجلبه تغيير الوزير (أو الإدارة) و التغيير الذي يجلبه العنصر القيادي. 

فبينما يكون تغيير المدير هو تغيير في الأدوات أو الإجراءات التي تنجز بها المهام (كتغيير أساليب التواصل ما بين العاملين من فاكسات إلى إيميلات و أنظمة حديثة للمعلومات), أو تغيير المكاتب و تحسين ظروف العمل, فإن التغيير الذي يجلبه العنصر أو الشخص القيادي هو تغيير في الرؤية, في الرسالة, في الإنسان الذي يحملهما و يتفاعل مع من حوله على إثرهما, في الثقافة السائدة و القيم التي تتحكم في ردود فعله, و في الحس بوجود تلك الحاجة الملحة للإسهام و إحداث التحسين.

إن الإصلاح الذي نتطلع له لن يتحقق مالم يحدث التغيير في الإنسان أولا, فهو من سيقوده و ينفذه و هو من سيحول الرؤية إلى واقع. رؤية ذلك الإنسان و قيمه و ثقافته المؤسسية ستحكم خياراته و سلوكه, و من بينها مدى تقبله للتغيير.

يختلف العاملين في درجاتهم للإستجابة لمطالب التغيير, و بحسب إحدى الدراسات, فالذين سيدعمون التغيير مباشرة سيمثلون 20% من إجمالي الموظفين, أما البقية العظمى (80%) ستجدها متجمدة بمكانها و لا تتخذ أي خطوة أو قرار, و منهم من سيتبنى ردود فعل نشطة مقاومة للتغيير.   

هؤلاء الثمانون بالمائة يتوقف عندهم نجاح تنفيذ خطط التغيير, لا الموازنات الضخمة و لا مجرد تغيير الإدارة (الوزير).

هذه الفئة بحاجة إلى أن يتم التعامل معها بعناية تعكس تفهم كبير لاحتياجاتها و مخاوفها و شفافية عالية من الجهات العليا, كي تجعلها ترى الرؤية بوضوح و تخلق لديها الدافع للمشاركة في دعم جهود التغيير.  

إن التغيير يشعر هذه الفئة بوجود تهديدا لقيمهم و معتقداتهم و للمراكز الإجتماعية و المكانة و العلاقات مع من حولهم. و السؤال المؤرق في أذهانهم: إلى أين سنتجه, و أين سيأخذ بنا التغيير, و من المستفيد, و هل قدراتنا كافية لمواكبة متطلباته فلا نفقد أنفسنا و مكانتها؟

لا يمكن دفع هذه الفئة لقبول التغيير بمجرد تحديث الأنظمة أو نشر التعاميم أو توجيه الأوامر عن بعد. فمالم يتبنى الوزير منهجية قيادية تنبني على رؤية واضحة و تقترب من مشكلاتهم إلى أبوابها, و تعمل على إزالة مخاوفهم و تحفيزهم للسير مع خطوات الوزارة للتغيير فلن يكون من السهل إنجاح المهمة.

احتياجات الموظفين متنوعة, و هذا يخلق حاجة لتنويع استراتيجيات التحفيز, فمنهم من يريد وضوح الرؤية و فهم المنافع التي ستتحقق له و المخاطر التي سيتخطاها إذا ما ساهم في عملية التغيير, و منهم من يكفيه وجود الحوافز و لا يبالي بفهم الرؤية و لا دواعي التغيير, و لن يتمكن الوزير (القائد) من فهم تلك الاحتياجات و الاستجابة لها مالم يقترب منهم و يعتمد أسلوبا منفتحا و فاعلا للتواصل المستمر معهم, و بخاصة في المراحل الأولى للتغيير.

الإدارة تقود التغيير باستخدام الأبدان و الأجهزة, أما القيادة فتقوده باستخدام العقول.


القيادة تجعل الجميع قادة.

السبت، 26 ديسمبر 2015

التعليم .. يقف في العنق



إلى كل من يعرب عن مخاوفه من تفشي الفساد, انخفاض الإنتاجية, انتشار البطالة, ارتفاع الحوادث, ازدياد الأخطاء و من بينها الطبية, تدني جودة الخدمات و بالأخص التعليمية و الصحية, تراجع الابتكار و تدني الرؤية, و الكثير من المشكلات التي تتجلى على الصعيد الاجتماعي, أود القول:

الحالة التي نراها اليوم و نشكيها و نرثي حالنا عليها تعود بذرتها الأولى إلى الإنسان (المواطن) الذي يشكل لبنات هذا المجتمع, و ما ينكشف لنا على صعيد المجتمع هو انعكاس لما يراه و يؤمن فيه ذلك الإنسان. فهو المعلم, الطبيب, المشرف, الإداري, المراقب, القيادي, المبادر, المعالج, المفكر, الإعلامي, المستمع, المتكلم, الإمام, الأب, القدوة, و لك أن تضيف كل من يخطر على بالك.

قيادية إنسان اليوم و براعة ما يفرزه من مبادرات و حلول و خدمات قد حددها مسبقا مستوى التعليم و الوسائل الإعلامية و المنابر التي كانت سائدة بالعقود القليلة الماضية, غير أن التعليم أهمها.

الإنسان هو المورد الأهم و المؤثر الأكبر على تقدم المجتمع أو تأخره. و ما وصل إليه من امكانات معرفية و مهارية و قيادية سيحكم الطريقة التي تدار بها بقية الموارد و الجهود على كافة القطاعات الخدمية و الصناعية.

و لقد تطورت و تعددت احتياجات الإنسان التعليمية و تقدمت كثيرا عن مجرد الحاجة لفك الحرف أو التلقي النظري لمعارف القرون الماضية. إنسان اليوم بحاجة إلى توسيع إمكاناته الذهنية و قدراته المهارية, و بحاجة إلى التعرض إلى تطبيقات متعددة بمجالات تتصل بحقول معرفية خارج أطرها التقليدية, تشمل مثلا الأخلاقيات, تقنيات المعلومات, و القدرات القيادية.

أود الإشادة بالجهود التي تبذلها الحكومة و الإنفاق السخي الذي تحرص على توجيهه للتعليم, و ذلك إن دل على شيء فهو يدل على وضوح الرؤية التي بنيت عليها السياسة الوطنية فيما يتعلق بأهم الموارد: الإنسان.

و سنستقبل القائد الجديد لوزارة التعليم الدكتور أحمد العيسى بالأمل و التفاؤل, فهو من زمرة الذين عرفو بحمل هم تطوير هذا الكيان و هم تنمية الإنسان الذي سيشكل ثقافة الجيل القادم و يحكم مستوى تقدمه و قياديته. و أكثر ما دعاني للتفاؤل هي كلمة الوزير حينما قال بأن جهود إصلاح التعليم لاتزال على غير المسار الصحيح. و من تابع مقالاتي السنة الماضية, سيجد أنها أكدت على أهمية هذه النقطة عدد من المرات.

التعليم يقف في العنق, مستقبل الوطن و صلاح أمره متوقف على تقدم مواطنيه. و جيل الغد ستحكمه رؤية جيل اليوم. فمهما كان الإنفاق سخيا, فلن يقدم ذلك شيئا ما لم تتقدم الرؤية و تتوحد و تسير على إثرها كافة الجهود من أعلى الهرم الوزاري و حتى الفصول و القاعات الدراسية.

ينبغي أن يعي الجميع بأدواره, و يضع الطالب في موقعه الصحيح, ليكون العنصر الأهم في العملية التعليمية. فاحتياجات الطالب التعليمية هي التي تحدد كيف ينبغي أن تكون عليه إمكانات المعلمين و المناهج و كيف ينبغي أن تصرف بقية الموارد و الجهود.


السبت، 19 ديسمبر 2015

2015 .. دروس و رؤى


لعلي في هذه اللحظة أملك بعض الحق لأمسك بساعتي التي لم استطع أن أدخر منها و لا ثانية واحدة منذ أن اشتريتها, لأوقفها, فيسكن الكون قليلا, و يسمح لي ببعض الهدوء للعودة للخلف و تأمل ما خلفه اسمي من اسهامات و إخفاقات في خلال سنة من عمري في هذا الكون, بالتحديد خلال عام 2015.

مع الأسف, لن يتسع المجال لنقل التجربة كاملة و لا أعتقد أن كشف تفاصيلها سيقدم أي قيمة للقارئ, لذلك فإن الحل الأمثل هو مراجعة التجربة بشكل شخصي, أما القارئ فيستحق أن أستخلص له أهم ما انعكس عنها من دروس و رؤى.

فإن سألني أحد عن أصعب المنافسين الذين واجهتهم في عامي المنقضي, و في حياتي كلها بالأحرى, فبدون تردد سأجيب: الوقت. و السبب أنه قاطع لك لا محالة, و أما إدراته فلا تسمح بالأخطاء لأنه ماض, أصبته أم أخطأته, سيظل ماض, أعجبك أم لم يعجبك, لن يعبه بما تفكر به.

قوة هذا المنافس و قسوته, يضطر الإنسان إلى إعادة محاولة فهمه مرارا و تكرارا لمواجهته بشكل أفضل و الحد من ضياع الفرص التي يتسبب بها لعدم توفره. فما هو الوقت كما انعكس لي مع نهاية تجاربي في 2015؟ هو شيء غير مادي, لكنه محسوس بالتغير الذي يطرأ على كل شيء من حولي, فيشعرني بضرورة مراجعة الحالة التي أنا عليها بشكل مستمر و إعادة تقييمها و تعديلها أو رسم مسارات أخرى لها من أجل مواكبته.

و لسوء الحظ, اشتدت مؤخرا ضراوة هذا المنافس, مستفيدا من تقنيات التواصل التي ازاحت الأبعاد المكانية و تقدمت بمنصاتها الافتراصية الهائلة, التي استوعبت العالم بأسره و كشفته على بعضه. هنا أصبح الوقت (الذي هو التغير) ملحوظ بشكل أسرع, و السبب أننا أصبحنا تحت الملاحظة و أمام اكتشاف الحقيقة المرة دوريا عبر المقارنات التي نعقدها لتقصي و معرفة مواقعنا التي مع الأسف وجدناها تتقدم بخطى متباطئة و متعثرة أحيانا.    

أما عن ثاني أصعب المنافسين الذين واجهتهم فقد كانت النفس حينما ترضى أو تستقر. نعم, حينما تستقر بالتحديد, وقتها أكون على يقين أنها بدأت تصنع صندوقا تريد أن تجترني إلى داخله كي لا أرى العالم إلا من خلاله, و حينما أنظر إلى العالم من صندوق النفس "المستقرة" سأراه عظيما بوجودي, فخورا بولادتي, محتفيا بي. هذه النظرة تأخذ صاحبها للقاع مباشرة, و لا يمكن أن تصنع قادة. رضى النفس و طبطبتها على الروح ما هي إلا خدعة منها كي تتجنب مواجهة الحقيقة التي تخشى معرفتها إن تسائلت و بحثت, حقيقة أنها لاتزال في الخلف كثيرا أمام الواقع المتسارع.

تحدثت كثيرا عن خصماي, الآن سأختم مع عبارة تلخص الرؤية التي تكونت عبر تجارب 2015.

المعنى الحقيقي لوجودك, تحكمه قيمة اسهاماتك للعالم الذي تنتمي إليه. الأهم من ذلك, لا تنتظر من العالم أن يكتشفك, و لا أن يتعرف على عظمتك من ذاته, إنما تقدم أنت إليه بخطى سديدة و اطرق الأبواب بابا بابا, و لا تنسى أن تتعرف على أخطر خصومك بدقة متناهية, فقد تجدهم على صورة لم تتخيلها من قبل (كنفسك حينما تشعر بالرضى).