السبت، 9 يناير 2016

مهارات القرن ٢١.. حاجة طلابية ملحة



قبل عدد من الأسابيع ناقشت أهمية نوع من المهارات تسمى soft skills أو حسب ترجمتي الخاصة المهارات غير المحسوسةو ذلك في مقال بعنوان يحمل اسمها. و قد حددتها بتلك التي يصعب إخضاعها للقياس مقارنة بالمهارات الأخرى التي تشمل القدرات اللغوية و الرياضية و العلمية و طرق حل المسائل (القدرات الذهنية). و على الرغم من ازدياد الاهتمام بالمهارات غير المحسوسة من قبل قادة الأعمال عند التوظيف، و ارتفاع أهميتها فيما يتعلق بنجاح الفرد على المستوى الشخصي و كذلك المهني، فإن الوعي الوطني و التعليم لايزلان غير مواكبين لذلك التحول الذي فرضته العوامل الاقتصادية المعاصرة.

مع الأسف، لازلنا نتبنى النظرة التقليدية التي تؤكد على تنمية الجانب الذهني فقط للإنسان. في حين أصبحت الحاجة ملحة بأن يولي التعليم اهتماما بالقدرات غير الذهنية و بشكل لا يقل كفاءة و جودة عن المعارف و القدرات التقليدية، و على كافة المراحل التعليمية (المدرسية، التقنية، و الجامعية).

و على الرغم من أن الأبحاث العلمية لا تقدم إجابة وافية لتحديد و قياس تلك المهارات بشكل أدق، سنحاول التعرف عليها من خلال عرض بعض النتائج البحثية و التقارير المعدة من قبل المهتمين بتطوير التعليم بالدول الرائدة صناعيا و المسوح الميدانية المتوفرة لتتضح الصورة حولها و مدى تأثيرها على مستقبل الفرد.

تذكر دراسة أجراها الباحثين Heckman and Rubinstein (2001) أن الطلاب الذين توقفوا عن الدراسة (و مع أن قدراتهم الذهنية مرتفعة) هم أكثر الموظفين غيابا، أقل رواتبا، أقل حظا في التوظيف، أكثر ارتكابا للمخالفات مقارنة بمن استطاعوا إكمال تعليمهم. و قد ذكر الباحثين أن فشلهم في الحياة المهنية مرتبط بضعف في عدد من القدرات غير الذهنية، انعكست مسبقا على شخصياتهم حينما عجزوا عن الإنتظام و الإصرار في مواصلة الدراسة.

و بعد ضبط عدد من العوامل المؤثرة على تفوق الطلاب، وجد الباحث Segal (2012) أن السمات التالية للطلاب: اللا مبالاة، تكرار الغياب، شرود الذهن أو الإهمال، التخلف عن أداء الواجبات، التشتت باستمرار، كلها سمات ارتبطت لاحقا بمعدلات الرواتب (أحد مقاييس النجاح المهني) لهولاء بعد مرور ١٢ سنة من التخرج، و بشكل يتعدى تأثير قدراتهم الذهنية. بعبارة أبسط، تلك السمات تعكس ضعف في عدد من القدرات غير الذهنية (كالعزيمة أو تحمل المسؤولية أو بُعد الرؤية) و التي إن وجدت في الشخص، يمكن أن تحكم نجاح مستقبله المهني، و بخاصة اذا تزامنت مع تقدمه في القدرات الذهنية.        

مهما تفوق الشخص في قدراته الحسابية أو اللغوية أو النقد أو السببية، هذه القدرات لا يمكن أن تعالج أي خلاف قد ينشأ بين شخصين في فريق عمل داخل شركة تؤمن و تعزز التنوع الجنسي و الثقافي (interpersonal skills). أيضا، لا يمكن لهذه القدرات أن تصنع شخص عالي الهمة و واضح الرؤية و قوي العزيمة و سديد الخطى تجاه أهدافه (intrapersonal skills). ضعف هذه الجوانب سيترتب عليه ضعف في الانتاجية و سيؤخر النمو المعرفي و الربحية لتلك الشركات، و سيترتب عليه أيضا تراجع فرص نجاح الفرد، و لن تحل محلها أو تعالجها قدراته الذهنية المتفوقة.

مناقشة هذا الموضوع تطول، لهذا سأكمل الحديث الأسبوع القادم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق