الأربعاء، 18 فبراير 2015

دكتوراه السريحي و الفساد العلمي


يبدو أن سنن الحياة لا تختلف و لو تعددت و تنوعت المجتمعات الإنسانية. و يبدو أن النظرة السائدة بأي ظرف يشغله الإنسان ستمارس سطوتها باستبداد من شأنه إسقاط كل من يحاول المرور عبر جسور غير جسورها.

ينبغي أن لا نندهش من الحقيقة المتضمنة وجود الفساد في المجتمع العلمي. و قد تتمثل صور الفساد لديهم في تبني استراتيجيات و معايير يُزعم بأنها علمية و لكنها معدة بطريقة تقود إلى نتائج بحثية مقررة مسبقا (متحيزة منهجيا و موضوعيا) و ذلك على حساب الاسهام المعرفي و الأصالة العلمية. إن الحيادية (أو التحرر من التحيزات الإنسانية) من أهم مؤشرات القوة التي يمكن أن يتمتع بها البحث العلمي, و الاستهانة بذلك يعني الانهيار لذلك الكيان.

لندخل في موضوعنا و نتسائل: ما معنى أن تقوم مؤسسة علمية بحجب رسالة دكتوراه قامت على منهج أعترف به المجتمع البحثي الذي قُدمت له و حصلت على قبوله بتقدير "جيد جدا"؟

ألا يدل قبول المجتمع العلمي على سلامتها من أي خلل خطير في المنهج التحليلي الذي اعتمدته و السياق الموضوعي للمحتوى و العرض؟

لقد أشارت المصادر المتداولة إلى أن سبب الحجب يعود إلى احتواء الرسالة على " أفكار و عبارات و منهج غامض لا يتفق و تعاليم و مباديء ديننا و بيئتنا و مجتمعنا الاسلامي". و لكن تؤكد الجهات المناصرة لقضية السريحي على أن الرسالة لا تحتوي على أي عبارات مخالفة للمعتقدات الدينية. و بالرغم من ذلك, لم يقدم مجلس الجامعة (و الذي قد لا يمت بصلة للمجتمع البحثي للرسالة)  أي مبررات لقراره من صلب ما يعتقده من افتراضات و استراتيجيات علمية يتبناها في التقييم, مكتفيا بتلك العبارة الإنشائية و التي تحمل درجة كبيرة من الغموض هي أيضا. و المثير للاستغراب, قيام الجامعة بالتشكيك في إمكانياتها العلمية عندما وصفت منهج الرسالة "بالغامض", مشيرة و بطريقة غير مباشرة إلى ضعف لجنة المناقشة و التي لم تدرك ذلك الخلل الخطير و أوصت بمنح الدرجة للسريحي.

إن الصمت الذي تعيشه الجامعة إزاء ما يتم كشفه من تفاصيل خانقة من جانب أنصار السريحي يرفع احتمالات وجود الفساد في الطريقة التي تنتهجها الجامعة في تقييم نتائج الأبحاث العلمية. يجب على الجامعة أن تقوم بتقديم مبررات علمية مفصلة تأخذ في الحسبان ما تحمله الإداعات الموجهة ضدها, حتى يتمكن الشاهد من تقييم مواقف طرفي القضية و الحكم على درجة نزاهة استراتيجيات الجامعة العلمية. إن الصمت لن يكون في مصلحة الجامعة, و قد يدل على وجود نهج استبدادي تجاه المجتمع الذي وُجدت كي تسهم في تنميته و تكون مرآة لقيمه و تطوره, و ليس لإقصاءه و تجاهل قضاياه.

ختاما, نأمل من الجامعة أن تبرئ موقفها بالرد اللائق, فتؤكد بذلك على احترامها للمجتمع و تؤكد أن قرار الحجب كان مستندا على مبررات علمية واضحة و قوية, و لم يكن نتيجة مواقف متعسفة و استغلال متبجح للنفوذ الوظيفي, ما يعني الفساد.




الأربعاء، 11 فبراير 2015

لو كنت أعلم


قد لا تتفق أو يتفق القارئ العزيز معي إن قلت بأن المعرفة قوة تفوق في عظمتها أكثر أنواع الأسلحة فتكا و تطورا. و السبب ببساطة, أنه من دونها, ما صُنعت تلك الأسلحة. هي كذلك, و بخاصة, إن تمكن الإنسان من الاستحواذ عليها بأسبقية و بحصرية.

يزخر العالم المعاصر بالآلاف من الشواهد الحية التي تبرهن على ما قدمته المعرفة المتطورة للبشرية من قوة, سلطة, ثروة, أمان, و رفاهية. فمثلا, ساهم تطور المعرفة بعلوم الفضاء في ظهور الأقمار الإصطناعية, و لا يخفى على أحد, ما أحدثته تلك الصناعة من تغييرات جذرية على البشرية بالعقود الأخيرة على عدة أصعدة. و بغض النظر عن طبيعة المعرفة المراد تملكها, نجد هناك اهتمام كبير من قبل العديد من الجهات كالبنوك و الشركات و مواقع التواصل بالانترنت للاستحواذ على بيانات عملائها و تحضيرها في قوالب يمكن المتاجرة بها. و إن دل ذلك على شيء, فإنما يدل على وجود ميزة معرفية من وراء امتلاكها, تعيها جيدا الجهات التي تشتريها.  

الذي يهمني اليوم, هو تعزيز أواصر المودة و الألفة بين الإنسان الذي أصفه بالمندهش "أو الحائر" و بين المعرفة. في الحياة الاجتماعية, يعيش الانسان تحت سيطرة تفضيلات من يسبقه بالسلم الاجتماعي, و كلما تصادم مع تلك التفضيلات, التي لم يملك يوما اختيارها, أصابته الدهشة "أو الحيرة" حول ماهيتها, أسباب نشوئها, سر نفوذها, و كيفية مواجهتها. تستمر معه تلك الحيرة حتى يمتلك الوعي التام بها (العلم بتفاصيلها المهمة), ليتمكن من مواجهتها بالشكل الأمثل الذي يخفف من سطوتها عليه و يحقق له ذاته. ولكن قد يأخذ "تكوين الوعي" وقت ليس بالهين من عمر الانسان و قد يضيع عليه العديد من الفرص إلى حين امتلاكه. 

بالرغم من أن حب المعرفة شيء فطري, و تتبدى أعراضه على الانسان في أحيان كثيرة, إلا أنه قد لا يدرك ذلك, و قد لا يدرك أيضا مدى تعلقه بها, و مدى حاجته إلى تطوير أدواته المعرفية إلى المستوى الذي يمكنه من الفهم الصحيح "و المبكر" لما يراه أو ما يحيط به, فيتمكن من خلق حيزه الخاص و بث تفضيلاته من خلاله (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).


يعيب على الإنسان أنه يبالغ في الإعجاب بحواسه, فيظن أنها تنقل له الحقيقة نقية و خالصة. و الواقع, الحواس هي أبسط أدوات المعرفة و أكثرها بدائية, و غالبا ما تفشل في الوصول للحقيقة. و السبب هو اعتمادها الكلي على العقل أو الذاكرة في التعرف على الأشياء و التنبؤ, و إذا لم يملك العقل معرفة متقدمة و أدوات معرفية ملائمة, قد لا يصل للفهم الصحيح مبكرا, أو قد يصل إليه و لكن بصيغة ملتبسة, تضعه ضمن حيز يخدم تفضيلات من يتفوقون عليه معرفيا لاعتماده عليهم. و نظرا لضعفه المعرفي, إذا شعر بوجود شيء غير مألوف و مثير للدهشة و المخاوف, سيقوم بطلاءه من ألوان كان يعرفها مسبقا عن أشياء شبيهة, غير مدركا التشويه و التشويش الذي يرتكبه في حق الشيء و في حق مستقبله الذي لا يمكن أن يبنى إلا على الوعي السليم بحقيقة الأشياء و الأسبقية المعرفية. 

الأربعاء، 4 فبراير 2015

كيف أصنع النجاح لأفكاري؟


كما تفرز الغدد الصماء الهرمونات, تفرز عقولنا الأفكار. و هي نتيجة تأملات أو عصف ذهني بدافع الخروج بحلول أو كشف مسببات مشكلة ما. و الأفكار تعكس اعتقاداتنا في نوعين من الأشياء أو الموجودات: الأولى ما تراه أعيننا أو تسمعه أذاننا أو تشعر به بقية حواسنا (موجودات محسوسة أو ملموسة). و الأخرى تعكس موجودات غير مرئية أو ملموسة و لكنها محددة بالأذهان, قد يؤمن بوجودها الإنسان, و يفهم ما تشتمل عليه من معاني و صفات من دون أن يملك القدرة على رؤيتها أو لمسها كالحسد, الوطنية, الحب, الطموح.

كلا النوعين من الموجودات يمكن التعبير عنها في شكل مفاهيم (مسميات و تعاريف), ثم يمكن تكوين علاقات فيما بينها لتصبح فرضيات أو نظريات. إن تحديد و تعريف المفاهيم أمر مهم كي يتحقق لها القبول و الانتشار أو تبنى منها النظريات. و التعاريف قد تأخذ صيغة مجردة (abstract), أي تركز على تحديد الصفات العامة و المشتركة للشيء الموجود (التلفزيون مثلا), مستغنية عن تفاصيله الخاصة (اللون و الحجم) و أنواعه المتطورة (الأسود و الأبيض, الملون, البلازما) و ذلك لغرض تكوين مفاهيم و نظريات يمكن استعمالها أو تعميمها بصورة أوسع (universal). فيكون تعريف التلفزيون وفقا لذلك: جهاز يقوم باستقبال إشارات إليكترونية و من ثم تحويلها إلى صور متحركة و أصوات عبر شاشة عرض.   

بالأعلى مقدمة مختصرة لمكونات الأفكار كي يسهل استيعاب الفقرات التالية. و سؤال مقالي لليوم يبحث في أسباب نجاح أفكار و فشل أخرى. لنتفق أولا أن مقياس نجاح الفكرة هو قدرتها على حشد الاعتراف و قابليتها للتطبيق العملي و الانتشار (عموميتها و نفعها).

هناك مشكلتين تعترض نجاح الأفكار بأي مجتمع. المشكلة الأولى تتعلق بالفكرة نفسها, و تشمل (1) درجة البراعة في بنائها لتبدو للسامع عملية, متطورة, و ملائمة للحاجات الانسانية.  و تشمل أيضا (2) مدى الاتقان في أسلوب عرضها بشكل يضمن أن تستوعبه أو تفهمه الثقافة السائدة أو الوعي العام, و يتطلب الاتقان في العرض أن لا تستخدم مفاهيم غير واضحة للمجتمع المقصود حشد اعترافه من دون تقديم تفاصيل وافية, تمزج بين روح الفكرة و بيئتهم, و لا تتصادم مع قيمهم بشكل متبجح أو لا يحترم حقهم في الفهم التام, مخاوفهم مما قد يترتب عليها, و حقهم في الاختيار.

و المشكلة الثانية التي تعترض نجاح الأفكار تتعلق بمدى استعداد المجتمع لاستيعابها - مستوى أدواته المعرفية التي تساعده على الفهم الصحيح. يمكن تحديد ذلك بالاجابة على الاسئلة التالية: إلى أي مدى يمكن للفرد بذلك المجتمع التمييز بين الآراء و الحقائق, فيتجنب تشويش الشائعات أو الافكار المغلوطة و يميز بوضوح الأفكار الجيدة منها و يقبلها؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزاته الشخصية (ميله لقبول أفكار ذات نمط متكرر, فيرفض أو يتجاهل غيرها و لو كانت جيدة من دون مبررات مقنعة)؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزات و دوافع الاشخاص الذين يستمع لأفكارهم؟ لأنهم قد يحجبونه عن الاستماع لغيرهم لدوافع عدة منها الحفاظ على شعبيتهم.

ختاما, قد تموت أفكارمبدعة في مهدها, و تنتشر أفكار فاسدة, يعتمد نجاح الفكرة بشكل أكبر على الابداع في بنائها و عرضها و على مستوى الادوات المعرفية للجمهور المستهدف.   



الأربعاء، 28 يناير 2015

لقد رحل


في كل زاوية تلتفت إليها تسمع صوته, صوت التغيير, التطوير, الحداثة التي أرادها لشعبه. لقد رحل, لكن صوته لايزال يتردد, يسمعه المواطن و يستشعر أصداءه أينما حل أو ارتحل. كانت كلمته الأولى و الأخيرة المواطن, و صادقت مشاريعه كلماته, لتكون محورها الانسان, حمايته, كرامته, و تقدمه.

لقد رحل قبل أن يرى الفجر الذي رسم ملامح بزوغه, رحل قبل أن يبتهج صدره برؤية الحلم, حلمه في تخريج نماذج وطنية و اسلامية تبرهن للعالم قدرتها على صناعة و ريادة الانسانية في مختلف المجالات.

لقد صنع الحروف, و لم ينسى أبدا, أن يجعل علامات تشكيلها الانسان. لم ينسى ذلك, بالرغم من قسوة و تأثير الظروف و الاضطرابات التي أحاطت بحدود دولته, و امتدت الى قلبها. لقد كانت أحلامه يقينا في عينيه, يقينا مكنه من رؤية الكلمات التي ستقوم بتكوينها أنامل أبناءه مستعينين بحروفه.

التغيير, التطوير, و الريادة العالمية للانسانية عبارات يتردد صداها في كل موضع من هذا الوطن. رحيله لن يغيبها, بل سيحفز من ظهور الخلف الذين أدركوا طريقته و آمنوا بعالميتها.

ستعيد طريقته الاعتبار الدولي للمواطن و المسلم, ستزيل عنه الحيرة التي سكنت في نفسه طويلا, ستسلمه الأداة, و تستحث عزيمته, ستحفظ حقه, و ستحفظ كرامته, ستفرض التغيير الايجابي الذي لا يستثني أحدا, مسؤولا كان أو طفلا, بالإصرار و الثبات و الإيمان.

لقد اتخذت مشاريعه شكلا متسقا دارت حلقاته حول حياة المواطن. و انطلقت من مركزها الأهم, البناء المعرفي. لذلك لم يتوقف لحظة عن دعم و تطوير التعليم بجميع مراحله, و عمد على موازات تلك الجهود المحلية, بمنح الابتعاث الخارجية, ليستعجل بإخراج الكوادر المتقدمة.

ثم أولى عناية كبيرة بسوق العمل, ليعيد تشكيله من خلال تحديث و تفعيل أنظمة العمل, حتى يجد ذلك الانسان البيئة التي تحمي و تدعم تقدمه. تلى ذلك عنايه فائقة ببيئة الأعمال و الصناعة, فأعاد تطوير الأنظمة التجارية و أنظمة الاستثمار, و أنشأ المدن الصناعية, ليتوفر المناخ الصناعي المتقدم للفرد المستثمر, و تستحدث و تنمو الفرص الوظيفية للفرد الباحث عن العمل. أما على الصعيد القومي, فكانت احدى أكبر آماله, بناء المجتمع المعرفي الذي ينعم أفراده بريادة المعارف و التقنيات, و تنوع و تطور مصادر الدخل و المنتجات.

و قد أدرك أن تلك التحديثات النظامية لن تستقيم مالم يتوفر نظام قضائي متقدم يدعم تفعيلها, فيحقق العدالة و يحمي الحقوق. فأطلق مشروعه الطموح لتطوير القضاء, الذي يتضمن عدد من التغييرات الهامة و التي من بينها انشاء المحاكم المتخصصة.

و لأن محور اهتمامه المواطن, تقدمه و حمايته, قام بادخال و تفعيل الحكومة الاليكترونية. و هي حكومة ذكية, تستعين بالأنظمة الحديثة للمعلومات لتسريع انجاز المعاملات و بكفاءة عالية. و تقوم كذلك بالاستعانة بأدوات رقابية متقدمة تمكن المسؤولين من متابعة سير التعاملات و القضاء على ثغرات كبيرة للفساد بالسابق.

حاولت بكلماتي المتواضعة اختصار عرض مسيرة تغيير عظيمة قادها ملك الانسانية, صاحب الطريقة العالمية, التي لم ينسى للحظة أن يجعل روحها و قلبها النابض, الانسان. لن تفي كلماتي حقه, لكن له الوعد منا, نحن أبناءه, بأن نكمل المسيرة, حتى نصنع من حروفه أحلامه.  


الأربعاء، 21 يناير 2015

مشروع التحول لمعايير المحاسبة الدولية


تتجه الرؤية للعديد من دول العالم نحو اعتماد معايير موحدة لقياس و عرض المعاملات المالية و الاقتصادية للمنشآت التجارية. و بلغ عدد الدول التي طبقت معايير التقرير المالي (IFRS) و الصادرة عن مجلس معايير المحاسبة الدولية (IASB)  نحو 90 دولة, و بلغ عدد الدول التي تسمح للشركات باعتمادها نحو 120 دولة. يدعم مشروع توحيد المعايير المحاسبية عدد من المنظمات الدولية الهامة كصندوق النقد الدولي, مجموعة العشرين G20, البنك الدولي, و Basel Committee.

المملكة العربية السعودية, كأحد أعضاء مجموعة العشرين, قد باشرت مشروع التحول و وضعت خطة زمنية لاعتماد معايير IFRS على القوائم المالية للشركات المدرجة في السوق المالية و المعدة عن الفترات المالية اعتبارا من 1/1/2017. أما بالنسبة للمنشآت الاخرى فستطبق المعايير على القوائم المالية المعدة عن الفترات المالية بدءا من 1/1/2018.

تتميز معايير IFRS بسمة الاعتماد على المبدأ, و هي بذلك تعطي مساحة للمدير المالي أو التنفيذي ليقوم باستخدام خبراته و امكانياته في معالجة و قياس العمليات المالية المعقدة أو غير المعتادة, و يعد قراره معتبر مالم يخالف المباديء و الأطر المفاهيمية المنصوص عليها بالمعيار, مع ضرورة تدعيم ذلك بالادلة الكافية. إن اعتماد IFRS على المباديء يقلص الحاجة لسن قاعدة محاسبية لكل حالة أو معاملة اقتصادية طارئة, و هو بذلك يختلف عن الجاب الأمريكي (US GAAP) حيث تستجيب المعايير بشكل دقيق و مفصل لكل حالة, و النتيجة, تضخم المجلدات بالمعايير التي قد لا تلائم سوى البيئة المحلية, و لو ارتفعت جودتها.

و من بين المزايا الأخرى لمعايير IFRS أنها تخضع لتطوير و تحديث مستمر استجابة للتطورات الاقتصادية العالمية. بالتالي لن تكون الدول المطبقة لها بحاجة للانفاق و لا لتخصيص الجهود لتطوير أي معايير محلية.

و تتمتع معايير IFRS بالسمعة الجيدة و الجودة حسب ما تراه الكثير من المنظمات الدولية و الأكاديميين.  و قد اظهرت الدراسات وجود انخفاض في تكاليف رؤوس الأموال, و ارتفاع في جودة المعلومات المالية الواردة بالتقارير المالية المعدة وفقا لمعايير IFRS.

أضف إلى ما سبق, إن اعتماد معايير دولية موحدة سيحد من حاجة الشركات للانفاق في سبيل اعداد مجموعتين من التقارير: الأولى وفقا للمعايير المحلية (استجابة لنظام سوق المال المحلي) و الأخرى وفقا للمعايير الدولية (استجابة للمهتمين من الاطراف الأجنبية). أيضا, تمكن المعايير الموحدة مستخدمي التقارير المالية من اجراء المقارنات للمعلومات المالية الواردة بين طياتها لمختلف الشركات الأجنبية, و ذلك لاعتمادها على نفس الأسس عند القياس و العرض.

أما بالنسبة للمشاكل المتوقعة من اعتماد IFRS فهي قد تتضمن استغلال بعض المدراء بالشركات لبعض الفجوات المحتملة بتفاصيل تلك المعايير و ذلك لاظهار نتائج الأعمال في صورة مغايرة لواقعها, و لا ننسى أن معظم الأرقام المحاسبية عبارة عن تقديرات, تعتمد تلك التقديرات بشكل كبير على رؤية و توقعات الإدارة, و للادارة الدافع لاظهار النتائج في صورة مطمئنة و متنامية كي تتجنب المسائلة من قبل ملاك الأسهم من المستثمرين و المقرضين.

ختاما, بالرغم من أن مشروع التحول يعد خطوة قوية, إلا أن المعايير بحد ذاتها لن تكفي. ستظل هناك حاجة ماسة لتفعيل عدد من الأدوات الرقابية الداعمة, سيكون لي حديث عنها مستقبلا.


  


الأربعاء، 14 يناير 2015

المهنية في التعليم و الصحة


تعبر المهنية (professionalism) عن لياقة و أناقة الشخص في مهنته. تعكس امكانياته و أدواته المعرفية العالية, و تطبيقاته و أساليبه التقنية المتقدمة التي تمكنه من أداء مهماته على أكمل وجه. تدفع المهنية الافراد إلى البحث عن الحلول و التنبؤ و الاستعداد المبكر للمشكلات لتلافي وقوعها و تجنب تقديم الأعذار. تملي المهنية على الفرد ضرورة الالتزام بوعوده و الحرص على مقابلة توقعات و احترام حقوق كل من لهم علاقة بالمهنة. المهنية سمة لا يمكن أن يتصف بها سوى الناجحون, و هي من العلاملات التي تصنع فوارق جلية بين من يستحقون الثقة و من لا يستحقونها.

الغرض من مقال اليوم هو تصوير ممارسات و سلوكيات الموظفين عند غياب المهنية في أهم قطاعين, لا يكاد ينقطع عنهما المواطن في حياته: التعليم و الصحة. 

أبدأ أولا بمجال التعليم لنرى كيف ستكون عليه الممارسات غير المهنية للمعلمين. غياب المهنية يعني عدم وجود ضوابط و معايير تحكم سلوكيات المعلم و المستوى العلمي و المعرفي المتوقع منه.

و حينما يشكو أولياء الأمور من تعسف المعلمين في تعاملهم مع أبنائهم أو من وجود حواجز تمنع الاتصال بهم لايصال رفضهم مما قد يصدر عنهم من تقصير في الأداء أو ممارسات غير أخلاقية في حق أبنائهم, و حينما ينظر الناس للمدارس و كأنها معتقلات مملوكة لأطراف, لا تقبل الاستماع لوجهات النظر الأخرى, لا تريد التغيير أو التطوير, و لكن تريد أن تفرض أساليبها التقليدية الطاردة لضيوف المدرسة من الأجيال الحديثة, و حينما ترى إصرار غير مفهوم على مشروعية الترويع و الترهيب و هدم النفوس الصغيرة بزعم غرس "الهيبة" التي لا معنى حقيقي لها في قواميس الابداع و لا المبدعين, و لا حتى الأسوياء, و لا التربويين, و حينما لا تعترف تلك الأطراف بأن ثمة رابط يجمعهم بأولياء الأمور ينبغي احترامه أشد الاحترام, ألا وهو مستقبل ذلك الطفل المرهون بمدى توافق الطريقة بين البيت و المدرسة, و حينما يصل حال بعضهم إلى الانتقام لحقوقهم المسلوبة (على حد تعبيرهم) من خلال التقصير في أداء المهمة التعليمية تجاه من لا ذنب لهم بالقضية, فتلك دلالات مباشرة لغياب المهنية.

ننتقل الآن إلى تصوير ما ستبدوا عليه غياب المهنية في مجال الصحة؟ قد يكون من الصعب جدا كشف أخطاء أو محاججة الأطباء و الممرضون و الفنيون في ممارساتهم نظرا لتخصصها الدقيق. بالتالي, لا يملك العميل سوى الاصرار على أن تكون النتائج مرضية و مطابقة للتوقعات.

غياب المهنية في الخدمات الصحية تعني عدم وجود ضوابط للممارسات الطبية و المستوى المعرفي المتوقع لمنسوبي الصحة و تصل خطورة ذلك إلى حد قد يكلف العميل حياته. و حينما لا يقوم الطبيب بتوفير شرح وافي للمريض حول مشكلته, و تفصيل فرص العلاج الممكنة منذ البداية, أو حينما يرفض الاستماع لوجهة النظر الناقدة, فيرد عليها بعبارات من مثل "تعلمني شغلي", "أشتغل مكاني", "الخطأ منك, ليس منا و لا من تقنياتنا", تلك دلالات مباشرة لغياب المهنية.   

ختاما, الموظف الذي لا يسير وفقا لقواعد و آداب مهنية تنظم و تحدد السلوكيات المقبولة و المرفوضة و المستوى المعرفي و العلمي, قد لا يستحق ثقتك.





الأربعاء، 7 يناير 2015

ديناميكية صناعة الثروة


أيا كان نوع المشروع و أيا كانت طبيعة السلع التي يقدمها, سيكون الهدف الأهم من تشغيله هو صناعة الثروة. من منطلق هذا المنظور, فان قرار اختيار المشروع المربح سيعتمد بشكل رئيس على خصائص السوق الذي سيعمل فيه.

تختلف الأسواق بحسب درجة المنافسة, و يمكن تصنيفها إلى: أسواق ذات طابع تنافسي مطلق –عدد كبير من البائعين و المشترين, يتداولون سلع متشابهة من ناحية المواصفات و الأسعار كأسواق الخضرة و مراكز التموينات - و أسواق غير مطلقة المنافسة – عدد أقل من البائعين, يتداولون سلع نادرة أو ذات علامات تجارية محفوظة.

نبدأ بدراسة ديناميكية صناعة الثروات في النوع الأول من الأسواق. إن التحدي الكبير الذي يواجهه التجار في هذا النوع من الأسواق يكمن في وفرة المعروض من السلع و تشابهها. بالتالي, إن قام أحدهم برفع أسعار معروضاته ليصنع بعض المال, سيجني خسارة محتمومة, و إن استمر على تلك السياسة, سيجد نفسه خارج السوق من دون أن يقطع خطوة واحدة نحو حلم الثراء. إذن كيف يمكن لبائع الخضرة مثلا صناعة الملايين؟ تعد سياسة تخفيض الأسعار جاذبة للمشترين و عامل رئيس لجني الايرادات في هذا النوع من الاسواق, مع العلم أن هناك هامش ربح أدنى مرتبط بحجم "الدكان" لا يمكن للبائع النزول عنه, ليتمكن من تغطية مصروفاته و تجنب الخسائر. مالحل إذن!

الحل يقدمه خبراء الاقتصاد عبر مفهوم اقتصاديات الحجم الكبير(economies of scale). وفقا لهذا المفهوم, يمكن لذلك البائع صناعة الثروة من خلال العمل على تخفيض مصروفات المحل الأخرى و التي لا ترتبط بالسلعة مباشرة كالادارية, الايجار, الكهرباء و الماء, و ذلك من خلال توسيع طاقة المحل الاستيعابية و المتاجرة بالكميات الكبيرة, عندئذ يصبح بالامكان تخفيض نصيب السلعة من تلك المصروفات غير المباشرة إلى مستويات تطرح امكانيات بائع "الدكان" الصغير, فيتحقق له قدرة أعلى لتخفيض أسعاره و بالتالي جذب المشترين. بالطبع ستظل هناك حاجة لاختيار الموقع المناسب و إطلاق بعض الحملات الاعلانية.

أما النوع الثاني من الأسواق فيتضمن السلع النادرة أو ذات العلامات التجارية. و السلعة التي تحمل علامة تجارية بارزة بالغالب غير متداولة سوى باماكن محدودة, بالتالي يمكن للبائع صناعة الثروة من خلال تغيير سياسات التسعير "أو مجازا: تبديل القير" من فترة لأخرى من دون أن يخسر زبائنه, على عكس النوع الأول من الاسواق. و ديناميكية صناعة المال هنا تكون على النحو التالي: يبدأ البائع أولا باستهداف شريحة المشترين المهتمين بالعلامة (مفهوم brand awareness ) عبر تكثيف الحملات الدعائية و طرح "التشكيلات الجديدة" على أعلى أسعار ممكنة. و بعد الانتهاء من تلك الشريحة, يقوم بتغيير الأسعار لاستقطاب بقية الشرائح من المشترين من المدخرين أو ذوي الدخول المتوسطة و هي شرائح كبيرة و مربحة, و ذلك من خلال إطلاق حملات "التخفيضات الموسمية".

ختاما, ركز مقالي على ديناميكية صناعة الثروة تحت مناخين مختلفين من الأسواق التقليدية. و الجدير بالذكر, أن معظم المشاريع تقع على مناطق رمادية بينهما, أو قد تأخذ نماذج حديثة يصعب اخضاعها لأي من التصنيفات المعروفة. تخضع بيئة الأعمال لعوامل متغيرة كثيرة, و تتعدد نماذج صناعة الثروات بحسب معطيات البيئة التنافسية و الأساليب الإدارية الحديثة.     


@hanan_almarhabi