الأربعاء، 11 فبراير 2015

لو كنت أعلم


قد لا تتفق أو يتفق القارئ العزيز معي إن قلت بأن المعرفة قوة تفوق في عظمتها أكثر أنواع الأسلحة فتكا و تطورا. و السبب ببساطة, أنه من دونها, ما صُنعت تلك الأسلحة. هي كذلك, و بخاصة, إن تمكن الإنسان من الاستحواذ عليها بأسبقية و بحصرية.

يزخر العالم المعاصر بالآلاف من الشواهد الحية التي تبرهن على ما قدمته المعرفة المتطورة للبشرية من قوة, سلطة, ثروة, أمان, و رفاهية. فمثلا, ساهم تطور المعرفة بعلوم الفضاء في ظهور الأقمار الإصطناعية, و لا يخفى على أحد, ما أحدثته تلك الصناعة من تغييرات جذرية على البشرية بالعقود الأخيرة على عدة أصعدة. و بغض النظر عن طبيعة المعرفة المراد تملكها, نجد هناك اهتمام كبير من قبل العديد من الجهات كالبنوك و الشركات و مواقع التواصل بالانترنت للاستحواذ على بيانات عملائها و تحضيرها في قوالب يمكن المتاجرة بها. و إن دل ذلك على شيء, فإنما يدل على وجود ميزة معرفية من وراء امتلاكها, تعيها جيدا الجهات التي تشتريها.  

الذي يهمني اليوم, هو تعزيز أواصر المودة و الألفة بين الإنسان الذي أصفه بالمندهش "أو الحائر" و بين المعرفة. في الحياة الاجتماعية, يعيش الانسان تحت سيطرة تفضيلات من يسبقه بالسلم الاجتماعي, و كلما تصادم مع تلك التفضيلات, التي لم يملك يوما اختيارها, أصابته الدهشة "أو الحيرة" حول ماهيتها, أسباب نشوئها, سر نفوذها, و كيفية مواجهتها. تستمر معه تلك الحيرة حتى يمتلك الوعي التام بها (العلم بتفاصيلها المهمة), ليتمكن من مواجهتها بالشكل الأمثل الذي يخفف من سطوتها عليه و يحقق له ذاته. ولكن قد يأخذ "تكوين الوعي" وقت ليس بالهين من عمر الانسان و قد يضيع عليه العديد من الفرص إلى حين امتلاكه. 

بالرغم من أن حب المعرفة شيء فطري, و تتبدى أعراضه على الانسان في أحيان كثيرة, إلا أنه قد لا يدرك ذلك, و قد لا يدرك أيضا مدى تعلقه بها, و مدى حاجته إلى تطوير أدواته المعرفية إلى المستوى الذي يمكنه من الفهم الصحيح "و المبكر" لما يراه أو ما يحيط به, فيتمكن من خلق حيزه الخاص و بث تفضيلاته من خلاله (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).


يعيب على الإنسان أنه يبالغ في الإعجاب بحواسه, فيظن أنها تنقل له الحقيقة نقية و خالصة. و الواقع, الحواس هي أبسط أدوات المعرفة و أكثرها بدائية, و غالبا ما تفشل في الوصول للحقيقة. و السبب هو اعتمادها الكلي على العقل أو الذاكرة في التعرف على الأشياء و التنبؤ, و إذا لم يملك العقل معرفة متقدمة و أدوات معرفية ملائمة, قد لا يصل للفهم الصحيح مبكرا, أو قد يصل إليه و لكن بصيغة ملتبسة, تضعه ضمن حيز يخدم تفضيلات من يتفوقون عليه معرفيا لاعتماده عليهم. و نظرا لضعفه المعرفي, إذا شعر بوجود شيء غير مألوف و مثير للدهشة و المخاوف, سيقوم بطلاءه من ألوان كان يعرفها مسبقا عن أشياء شبيهة, غير مدركا التشويه و التشويش الذي يرتكبه في حق الشيء و في حق مستقبله الذي لا يمكن أن يبنى إلا على الوعي السليم بحقيقة الأشياء و الأسبقية المعرفية. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق