تعبر المهنية (professionalism) عن لياقة و أناقة الشخص في
مهنته. تعكس امكانياته و أدواته المعرفية العالية, و تطبيقاته و أساليبه التقنية
المتقدمة التي تمكنه من أداء مهماته على أكمل وجه. تدفع المهنية الافراد إلى البحث
عن الحلول و التنبؤ و الاستعداد المبكر للمشكلات لتلافي وقوعها و تجنب تقديم
الأعذار. تملي المهنية على الفرد ضرورة الالتزام بوعوده و الحرص على مقابلة توقعات
و احترام حقوق كل من لهم علاقة بالمهنة. المهنية سمة لا يمكن أن يتصف بها سوى
الناجحون, و هي من العلاملات التي تصنع فوارق جلية بين من يستحقون الثقة و من لا
يستحقونها.
الغرض من مقال اليوم هو تصوير ممارسات و سلوكيات الموظفين عند غياب
المهنية في أهم قطاعين, لا يكاد ينقطع عنهما المواطن في حياته: التعليم و
الصحة.
أبدأ أولا بمجال التعليم لنرى كيف ستكون عليه الممارسات غير المهنية للمعلمين.
غياب المهنية يعني عدم وجود ضوابط و معايير تحكم سلوكيات المعلم و المستوى العلمي
و المعرفي المتوقع منه.
و حينما يشكو أولياء الأمور من تعسف المعلمين في تعاملهم مع أبنائهم
أو من وجود حواجز تمنع الاتصال بهم لايصال رفضهم مما قد يصدر عنهم من تقصير في
الأداء أو ممارسات غير أخلاقية في حق أبنائهم, و حينما ينظر الناس للمدارس و كأنها
معتقلات مملوكة لأطراف, لا تقبل الاستماع لوجهات النظر الأخرى, لا تريد التغيير أو
التطوير, و لكن تريد أن تفرض أساليبها التقليدية الطاردة لضيوف المدرسة من الأجيال
الحديثة, و حينما ترى إصرار غير مفهوم على مشروعية الترويع و الترهيب و هدم النفوس
الصغيرة بزعم غرس "الهيبة" التي لا معنى حقيقي لها في قواميس الابداع و
لا المبدعين, و لا حتى الأسوياء, و لا التربويين, و حينما لا تعترف تلك الأطراف بأن
ثمة رابط يجمعهم بأولياء الأمور ينبغي احترامه أشد الاحترام, ألا وهو مستقبل ذلك
الطفل المرهون بمدى توافق الطريقة بين البيت و المدرسة, و حينما يصل حال بعضهم إلى
الانتقام لحقوقهم المسلوبة (على حد تعبيرهم) من خلال التقصير في أداء المهمة
التعليمية تجاه من لا ذنب لهم بالقضية, فتلك دلالات مباشرة لغياب المهنية.
ننتقل الآن إلى تصوير ما ستبدوا عليه غياب المهنية في مجال الصحة؟ قد
يكون من الصعب جدا كشف أخطاء أو محاججة الأطباء و الممرضون و الفنيون في ممارساتهم
نظرا لتخصصها الدقيق. بالتالي, لا يملك العميل سوى الاصرار على أن تكون النتائج
مرضية و مطابقة للتوقعات.
غياب المهنية في الخدمات الصحية تعني عدم وجود ضوابط للممارسات الطبية
و المستوى المعرفي المتوقع لمنسوبي الصحة و تصل خطورة ذلك إلى حد قد يكلف العميل
حياته. و حينما لا يقوم الطبيب بتوفير شرح وافي للمريض حول مشكلته, و تفصيل فرص
العلاج الممكنة منذ البداية, أو حينما يرفض الاستماع لوجهة النظر الناقدة, فيرد
عليها بعبارات من مثل "تعلمني شغلي", "أشتغل مكاني",
"الخطأ منك, ليس منا و لا من تقنياتنا", تلك دلالات مباشرة لغياب
المهنية.
ختاما, الموظف الذي لا يسير وفقا لقواعد و آداب مهنية تنظم و تحدد السلوكيات
المقبولة و المرفوضة و المستوى المعرفي و العلمي, قد لا يستحق ثقتك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق