كما تفرز الغدد الصماء الهرمونات, تفرز عقولنا الأفكار. و هي نتيجة تأملات
أو عصف ذهني بدافع الخروج بحلول أو كشف مسببات مشكلة ما. و الأفكار تعكس اعتقاداتنا
في نوعين من الأشياء أو الموجودات: الأولى ما تراه أعيننا أو تسمعه أذاننا أو تشعر
به بقية حواسنا (موجودات محسوسة أو ملموسة). و الأخرى تعكس موجودات غير مرئية أو
ملموسة و لكنها محددة بالأذهان, قد يؤمن بوجودها الإنسان, و يفهم ما تشتمل عليه من
معاني و صفات من دون أن يملك القدرة على رؤيتها أو لمسها كالحسد, الوطنية, الحب,
الطموح.
كلا النوعين من الموجودات يمكن التعبير عنها في شكل مفاهيم (مسميات و
تعاريف), ثم يمكن تكوين علاقات فيما بينها لتصبح فرضيات أو نظريات. إن تحديد و
تعريف المفاهيم أمر مهم كي يتحقق لها القبول و الانتشار أو تبنى منها النظريات. و
التعاريف قد تأخذ صيغة مجردة (abstract), أي تركز على تحديد
الصفات العامة و المشتركة للشيء الموجود (التلفزيون مثلا), مستغنية عن تفاصيله
الخاصة (اللون و الحجم) و أنواعه المتطورة (الأسود و الأبيض, الملون, البلازما) و
ذلك لغرض تكوين مفاهيم و نظريات يمكن استعمالها أو تعميمها بصورة أوسع (universal). فيكون تعريف التلفزيون وفقا لذلك: جهاز يقوم
باستقبال إشارات إليكترونية و من ثم تحويلها إلى صور متحركة و أصوات عبر شاشة عرض.
بالأعلى مقدمة مختصرة لمكونات الأفكار كي يسهل استيعاب الفقرات
التالية. و سؤال مقالي لليوم يبحث في أسباب نجاح أفكار و فشل أخرى. لنتفق أولا أن
مقياس نجاح الفكرة هو قدرتها على حشد الاعتراف و قابليتها للتطبيق العملي و
الانتشار (عموميتها و نفعها).
هناك مشكلتين تعترض نجاح الأفكار بأي مجتمع. المشكلة الأولى تتعلق
بالفكرة نفسها, و تشمل (1) درجة البراعة في بنائها لتبدو للسامع عملية, متطورة, و ملائمة
للحاجات الانسانية. و تشمل أيضا (2) مدى الاتقان
في أسلوب عرضها بشكل يضمن أن تستوعبه أو تفهمه الثقافة السائدة أو الوعي العام, و
يتطلب الاتقان في العرض أن لا تستخدم مفاهيم غير واضحة للمجتمع المقصود حشد
اعترافه من دون تقديم تفاصيل وافية, تمزج بين روح الفكرة و بيئتهم, و لا تتصادم مع
قيمهم بشكل متبجح أو لا يحترم حقهم في الفهم التام, مخاوفهم مما قد يترتب عليها, و
حقهم في الاختيار.
و المشكلة الثانية التي تعترض نجاح الأفكار تتعلق بمدى استعداد المجتمع
لاستيعابها - مستوى أدواته المعرفية التي تساعده على الفهم الصحيح. يمكن تحديد ذلك
بالاجابة على الاسئلة التالية: إلى أي مدى يمكن للفرد بذلك المجتمع التمييز بين
الآراء و الحقائق, فيتجنب تشويش الشائعات أو الافكار المغلوطة و يميز بوضوح
الأفكار الجيدة منها و يقبلها؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزاته الشخصية (ميله
لقبول أفكار ذات نمط متكرر, فيرفض أو يتجاهل غيرها و لو كانت جيدة من دون مبررات مقنعة)؟
إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزات و دوافع الاشخاص الذين يستمع لأفكارهم؟ لأنهم قد يحجبونه
عن الاستماع لغيرهم لدوافع عدة منها الحفاظ على شعبيتهم.
ختاما, قد تموت أفكارمبدعة في مهدها, و تنتشر أفكار فاسدة, يعتمد نجاح
الفكرة بشكل أكبر على الابداع في بنائها و عرضها و على مستوى الادوات المعرفية
للجمهور المستهدف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق