الأربعاء، 4 فبراير 2015

كيف أصنع النجاح لأفكاري؟


كما تفرز الغدد الصماء الهرمونات, تفرز عقولنا الأفكار. و هي نتيجة تأملات أو عصف ذهني بدافع الخروج بحلول أو كشف مسببات مشكلة ما. و الأفكار تعكس اعتقاداتنا في نوعين من الأشياء أو الموجودات: الأولى ما تراه أعيننا أو تسمعه أذاننا أو تشعر به بقية حواسنا (موجودات محسوسة أو ملموسة). و الأخرى تعكس موجودات غير مرئية أو ملموسة و لكنها محددة بالأذهان, قد يؤمن بوجودها الإنسان, و يفهم ما تشتمل عليه من معاني و صفات من دون أن يملك القدرة على رؤيتها أو لمسها كالحسد, الوطنية, الحب, الطموح.

كلا النوعين من الموجودات يمكن التعبير عنها في شكل مفاهيم (مسميات و تعاريف), ثم يمكن تكوين علاقات فيما بينها لتصبح فرضيات أو نظريات. إن تحديد و تعريف المفاهيم أمر مهم كي يتحقق لها القبول و الانتشار أو تبنى منها النظريات. و التعاريف قد تأخذ صيغة مجردة (abstract), أي تركز على تحديد الصفات العامة و المشتركة للشيء الموجود (التلفزيون مثلا), مستغنية عن تفاصيله الخاصة (اللون و الحجم) و أنواعه المتطورة (الأسود و الأبيض, الملون, البلازما) و ذلك لغرض تكوين مفاهيم و نظريات يمكن استعمالها أو تعميمها بصورة أوسع (universal). فيكون تعريف التلفزيون وفقا لذلك: جهاز يقوم باستقبال إشارات إليكترونية و من ثم تحويلها إلى صور متحركة و أصوات عبر شاشة عرض.   

بالأعلى مقدمة مختصرة لمكونات الأفكار كي يسهل استيعاب الفقرات التالية. و سؤال مقالي لليوم يبحث في أسباب نجاح أفكار و فشل أخرى. لنتفق أولا أن مقياس نجاح الفكرة هو قدرتها على حشد الاعتراف و قابليتها للتطبيق العملي و الانتشار (عموميتها و نفعها).

هناك مشكلتين تعترض نجاح الأفكار بأي مجتمع. المشكلة الأولى تتعلق بالفكرة نفسها, و تشمل (1) درجة البراعة في بنائها لتبدو للسامع عملية, متطورة, و ملائمة للحاجات الانسانية.  و تشمل أيضا (2) مدى الاتقان في أسلوب عرضها بشكل يضمن أن تستوعبه أو تفهمه الثقافة السائدة أو الوعي العام, و يتطلب الاتقان في العرض أن لا تستخدم مفاهيم غير واضحة للمجتمع المقصود حشد اعترافه من دون تقديم تفاصيل وافية, تمزج بين روح الفكرة و بيئتهم, و لا تتصادم مع قيمهم بشكل متبجح أو لا يحترم حقهم في الفهم التام, مخاوفهم مما قد يترتب عليها, و حقهم في الاختيار.

و المشكلة الثانية التي تعترض نجاح الأفكار تتعلق بمدى استعداد المجتمع لاستيعابها - مستوى أدواته المعرفية التي تساعده على الفهم الصحيح. يمكن تحديد ذلك بالاجابة على الاسئلة التالية: إلى أي مدى يمكن للفرد بذلك المجتمع التمييز بين الآراء و الحقائق, فيتجنب تشويش الشائعات أو الافكار المغلوطة و يميز بوضوح الأفكار الجيدة منها و يقبلها؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزاته الشخصية (ميله لقبول أفكار ذات نمط متكرر, فيرفض أو يتجاهل غيرها و لو كانت جيدة من دون مبررات مقنعة)؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزات و دوافع الاشخاص الذين يستمع لأفكارهم؟ لأنهم قد يحجبونه عن الاستماع لغيرهم لدوافع عدة منها الحفاظ على شعبيتهم.

ختاما, قد تموت أفكارمبدعة في مهدها, و تنتشر أفكار فاسدة, يعتمد نجاح الفكرة بشكل أكبر على الابداع في بنائها و عرضها و على مستوى الادوات المعرفية للجمهور المستهدف.   



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق