هل تسائلت مرة كمواطن لماذا نعاني من نقص في نوعية
الخدمات و المنتجات المقدمة لنا كمستهلكين, و لماذا نعاني من رداءتها أو محدوديتها
في حالة توفرها, بالرغم من أننا لن نحصل عليها "ببلاش".
في الواقع, هناك فرص لننعم بخدمات و منتجات مبتكرة
و متنوعة, تسد احتياجاتنا من كل حدب و صوب, فترتقي برفاهيتنا, و لكنها لم تُغتَنم بعد
داخل حدودنا الجغرافية, لماذا؟ من أمثلة تلك المشاريع: خدمات العقار الإليكترونية,
الورش المتنقلة, البيع و الدفع الإليكتروني و التسليم الآمن. و إن ظهرت تلك النماذج
محليا, فهي إما أن تكون محدودة (غير منتشرة) أو تكون رديئة, أي أن حالها المزري لن
يختلف عن بقية المشاريع القائمة اليوم بمجالات الاتصلات, البنوك, المستشفيات, التأمين
و غيرها, و التي نعلم جميعا أنها لا تضع "المستهلك" ضمن أولوياتها الإستراتيجية
عند صياغة خطط التحسين و التطوير (حيث لا يشغلها رضاءه بقدر ما يشغلها أكل حقوقه ببراعة
تمكنها من تقديم خدماتها على أبخس أداء و جودة ممكنين (حفظا للمال, الجهد, و الوقت)
و بشكل يجنبها الغرامات, لماذا؟ من أمثلة فرص التحسين التي تتخلف عنها تلك المشاريع:
تطوير الخدمات الإليكترونية, زيادة عدد موظفي خدمات العملاء و تدريبهم, توسيع نطاق
استخدام البطاقات الإئتمانية لتغطي كل المراكز التجارية الكبيرة و الصغيرة.
في الواقع, أحد أهم مسببات المشكلة هو ندرة القياديين
الناشئين. قد ينتظر البعض من الحكومة أن تترك مسؤولياتها القيادية العليا و الأمنية
و تمارس فتح المشاريع لتسد كل حاجة طارئة باستمرار و بجودة. و لكن هذا غير ممكن, فالحياة
تتعقد, و الاحتياجات تتعدد و تتجدد, و اذا لم يتقدم المواطن ليكون شريك و قائد في التنمية
فلن نصل للرفاهية. اقتصاد اليوم قائم على المورد البشري, القيادي, الفني, المبدع, الذي
لا يقتصر دوره في البحث عن الوظائف, و تلمس دعم الآخرين, و إنما الاعتماد على الذات
و تطويرها, خلق الأفكار المربحة التي تستند على المعرفة المتخصصة, و تستجيب للاحتياجات,
و تقود المشاريع, و تخلق الثروات, و فرص العمل للآخرين.
بالدول الصناعية المتقدمة, يتخرج الطالب من الثانوية
و هو مدرك تماما ميوله, امكانياته, مواهبه, و الفرص المتاحة ببيئته, و خارطة مستقبله
القيادي (تعليم مدرسي داعم), ليلتحق بعدها بالتخصص الذي يشد ساعده (تعليم جامعي أو
تقني متفوق). و بعد تخرجه, يخطط للاتحاق بوظيفة خارج الوطن, ليضيف الخبرة الدولية بالسيرة
الذاتية كإحدى أهم السمات المطلوبة للوظائف القيادية. و بعد العودة, و التعيين و قضاء
عدد من السنوات بالوظيفة لكسب الخبرة و تكوين العلاقات و جمع رأس المال, يبدأ أولى
خطواته القيادية بفتح مشروعه الخاص, ليكون رجل/سيدة أعمال, لا حدود لتطلعاته, يعرف
كيف يصنع الثروة و كيف ينميها باستمرار (أداء منافس و انتشار).
للأسف, لا يتوفر هذا الكادر القيادي محليا بالعدد
الكافي للارتقاء برفاهيتنا (فالتعليم لا يدعم), بالتالي تبقى المشاريع القائمة محتكرة
بأيدي الكبار (حيث الرداءة و الغلاء) دون أي منافسة ناشئة من القياديين الصغار. و لو
فكرنا في سد هذا النقص من خلال استقطاب قياديين دوليين (مشاريع أجنبية), سيرفضون
القدوم, لأن بيئتنا تعاني من عجز آخر في الكادر المهني, ليعود اللوم مجددا على التعليم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق