نظن أننا نعلم, و أن حصيلتنا
و مهاراتنا المعرفية تتقدم, فتتحسن قراراتنا و تأخذنا نحو مستقبل أفضل. لا شك أن
الإيمان في الذات و عدم التشكيك فيها شيء مريح, خاصة إذا لم نشعر بوجود المشكلات. و
لكن, قد لا ندرك أننا نعيش في مجتمع سريع التغير, تتعدد و تتجدد مصادر المعرفة فيه
باستمرار, و الأمثلة تؤكد أن التفوق سيكون من نصيب من يمتلك المعرفة الصحيحة بأسبقية
و حصرية.
ليست المشكلة هنا, و إنما في كوننا نميل إلى تلقي المعارف كما تأتينا,
غير مدركين التفاوت في درجة صلاحيتها لحياتنا. لا نفرق بين مصدر و مصدر (مقياس المصداقية),
و لا بين محتوى و محتوى (مدى المعقولية), و لكن نكتفي بالاطلاع السريع عليها
(كرؤوس أقلام), فإن بدت مؤيدة لتوجهاتنا أو مألوفة, صدقناها فورا و صفقنا لها
بحرارة لا شعوريا, و لكن إن بدت مخالفة لتوجهاتنا أو غير مفهومة أو غريبة, أصدرنا
في حقها أحكام متسرعة, من دون أن نتعمق فيها. هذا التعاطي ينم عن سطحية في تلقي
المعارف, و كنتيجة طبيعية, سنجد أنفسنا متناقضين, تتصادم في أذهاننا الحقائق, و
تقودنا إلى التصادم مع الآخرين باستمرار بدلا من التفوق.
لا أستغرب من تفشي السطحية في المعرفة. فمعظم المعلومات التي نعتمد
عليها نتلقاها عبر وسائل الإعلام و وسائل التواصل و الانترنت, تلك المصادر لا توفر
تفاصيل شاملة و عميقة كالدراسات, الأبحاث, و الكتب, و لا يمكن الوثوق فيها بشكل
مطلق كوثوقنا في صحة القرآن الكريم. و الملاحظ, أن معظم هذه المعلومات, إن لم تكن
شائعات, فهي لن تزيد عن كونها آراء, أي ذات طبيعة متغيرة وفقا للظروف المكانية و
الزمانية و وفقا لصلابة الأسباب التي بُنيت عليها, لكن البعض يأخذها كحقائق صحيحة
مئة بالمئة أو خاطئة مئة بالمئة (إما بيضاء نقية أو سوداء كاحلة, بالرغم من أن
الحقيقة قد تكون رمادية "أي ما بين و بين"!). أولئك يعيشون في أوهام
متطرفة و فصام كبير عن الواقع (المتوازن).
و المؤسف أن المعلومات المغلوطة تمر في مجتمعنا بانسيابية عالية, حيث
لا نملك القدرة على تحديد ما إذا كانت شائعة أم حقيقة, فضلا عن تحديد ما إذا كانت
رأيا أم حقيقة علمية. و ما يفاقم المشكلة, هو سوء حظ هذا الجيل الذي لم يُوفق في
إمتلاك أي مهارات ملائمة لاحتياجات الإنسان في عصر تقنية المعلومات (لتأخر
التعليم). كنا بحاجة ماسة لمهارات كشف, فرز, تصفية, و تصنيف المعارف الصحيحة و
الصالحة من أعماق "ركام النفايات العظيم" الذي يُلقى على رؤوسنا عبر
الأجهزة الذكية كل يوم.
بالتأكيد لن نملك الوقت الكافي للتأكد من كل شيء, و بخاصة الأمور التي
لا نراها مصيرية لحياتنا. و لكن التعاطي السطحي مع ما نستقبله من معلومات و أخبار
يجعلنا نرى العالم الواسع من حولنا في صورة ناقصة أو خاطئة, فنبني رؤية مشوشة أو
متناقضة معه.
ختاما, أنت لست مطالب بقبول أو رفض أي معلومة, و لكن إن قررت الاعتماد
عليها في إصدار أحكام تتعلق بك أو بالغير, فأنت مسؤول عن تأكيد صلاحيتها لتتجنب
المشكلات و الصدامات, و خيار التجاهل سيكون أفضل من خيار الإيمان "السطحي"
بها, حتى لو بدت مؤيدة لتوجهاتك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق