السبت، 26 ديسمبر 2015

التعليم .. يقف في العنق



إلى كل من يعرب عن مخاوفه من تفشي الفساد, انخفاض الإنتاجية, انتشار البطالة, ارتفاع الحوادث, ازدياد الأخطاء و من بينها الطبية, تدني جودة الخدمات و بالأخص التعليمية و الصحية, تراجع الابتكار و تدني الرؤية, و الكثير من المشكلات التي تتجلى على الصعيد الاجتماعي, أود القول:

الحالة التي نراها اليوم و نشكيها و نرثي حالنا عليها تعود بذرتها الأولى إلى الإنسان (المواطن) الذي يشكل لبنات هذا المجتمع, و ما ينكشف لنا على صعيد المجتمع هو انعكاس لما يراه و يؤمن فيه ذلك الإنسان. فهو المعلم, الطبيب, المشرف, الإداري, المراقب, القيادي, المبادر, المعالج, المفكر, الإعلامي, المستمع, المتكلم, الإمام, الأب, القدوة, و لك أن تضيف كل من يخطر على بالك.

قيادية إنسان اليوم و براعة ما يفرزه من مبادرات و حلول و خدمات قد حددها مسبقا مستوى التعليم و الوسائل الإعلامية و المنابر التي كانت سائدة بالعقود القليلة الماضية, غير أن التعليم أهمها.

الإنسان هو المورد الأهم و المؤثر الأكبر على تقدم المجتمع أو تأخره. و ما وصل إليه من امكانات معرفية و مهارية و قيادية سيحكم الطريقة التي تدار بها بقية الموارد و الجهود على كافة القطاعات الخدمية و الصناعية.

و لقد تطورت و تعددت احتياجات الإنسان التعليمية و تقدمت كثيرا عن مجرد الحاجة لفك الحرف أو التلقي النظري لمعارف القرون الماضية. إنسان اليوم بحاجة إلى توسيع إمكاناته الذهنية و قدراته المهارية, و بحاجة إلى التعرض إلى تطبيقات متعددة بمجالات تتصل بحقول معرفية خارج أطرها التقليدية, تشمل مثلا الأخلاقيات, تقنيات المعلومات, و القدرات القيادية.

أود الإشادة بالجهود التي تبذلها الحكومة و الإنفاق السخي الذي تحرص على توجيهه للتعليم, و ذلك إن دل على شيء فهو يدل على وضوح الرؤية التي بنيت عليها السياسة الوطنية فيما يتعلق بأهم الموارد: الإنسان.

و سنستقبل القائد الجديد لوزارة التعليم الدكتور أحمد العيسى بالأمل و التفاؤل, فهو من زمرة الذين عرفو بحمل هم تطوير هذا الكيان و هم تنمية الإنسان الذي سيشكل ثقافة الجيل القادم و يحكم مستوى تقدمه و قياديته. و أكثر ما دعاني للتفاؤل هي كلمة الوزير حينما قال بأن جهود إصلاح التعليم لاتزال على غير المسار الصحيح. و من تابع مقالاتي السنة الماضية, سيجد أنها أكدت على أهمية هذه النقطة عدد من المرات.

التعليم يقف في العنق, مستقبل الوطن و صلاح أمره متوقف على تقدم مواطنيه. و جيل الغد ستحكمه رؤية جيل اليوم. فمهما كان الإنفاق سخيا, فلن يقدم ذلك شيئا ما لم تتقدم الرؤية و تتوحد و تسير على إثرها كافة الجهود من أعلى الهرم الوزاري و حتى الفصول و القاعات الدراسية.

ينبغي أن يعي الجميع بأدواره, و يضع الطالب في موقعه الصحيح, ليكون العنصر الأهم في العملية التعليمية. فاحتياجات الطالب التعليمية هي التي تحدد كيف ينبغي أن تكون عليه إمكانات المعلمين و المناهج و كيف ينبغي أن تصرف بقية الموارد و الجهود.


السبت، 19 ديسمبر 2015

2015 .. دروس و رؤى


لعلي في هذه اللحظة أملك بعض الحق لأمسك بساعتي التي لم استطع أن أدخر منها و لا ثانية واحدة منذ أن اشتريتها, لأوقفها, فيسكن الكون قليلا, و يسمح لي ببعض الهدوء للعودة للخلف و تأمل ما خلفه اسمي من اسهامات و إخفاقات في خلال سنة من عمري في هذا الكون, بالتحديد خلال عام 2015.

مع الأسف, لن يتسع المجال لنقل التجربة كاملة و لا أعتقد أن كشف تفاصيلها سيقدم أي قيمة للقارئ, لذلك فإن الحل الأمثل هو مراجعة التجربة بشكل شخصي, أما القارئ فيستحق أن أستخلص له أهم ما انعكس عنها من دروس و رؤى.

فإن سألني أحد عن أصعب المنافسين الذين واجهتهم في عامي المنقضي, و في حياتي كلها بالأحرى, فبدون تردد سأجيب: الوقت. و السبب أنه قاطع لك لا محالة, و أما إدراته فلا تسمح بالأخطاء لأنه ماض, أصبته أم أخطأته, سيظل ماض, أعجبك أم لم يعجبك, لن يعبه بما تفكر به.

قوة هذا المنافس و قسوته, يضطر الإنسان إلى إعادة محاولة فهمه مرارا و تكرارا لمواجهته بشكل أفضل و الحد من ضياع الفرص التي يتسبب بها لعدم توفره. فما هو الوقت كما انعكس لي مع نهاية تجاربي في 2015؟ هو شيء غير مادي, لكنه محسوس بالتغير الذي يطرأ على كل شيء من حولي, فيشعرني بضرورة مراجعة الحالة التي أنا عليها بشكل مستمر و إعادة تقييمها و تعديلها أو رسم مسارات أخرى لها من أجل مواكبته.

و لسوء الحظ, اشتدت مؤخرا ضراوة هذا المنافس, مستفيدا من تقنيات التواصل التي ازاحت الأبعاد المكانية و تقدمت بمنصاتها الافتراصية الهائلة, التي استوعبت العالم بأسره و كشفته على بعضه. هنا أصبح الوقت (الذي هو التغير) ملحوظ بشكل أسرع, و السبب أننا أصبحنا تحت الملاحظة و أمام اكتشاف الحقيقة المرة دوريا عبر المقارنات التي نعقدها لتقصي و معرفة مواقعنا التي مع الأسف وجدناها تتقدم بخطى متباطئة و متعثرة أحيانا.    

أما عن ثاني أصعب المنافسين الذين واجهتهم فقد كانت النفس حينما ترضى أو تستقر. نعم, حينما تستقر بالتحديد, وقتها أكون على يقين أنها بدأت تصنع صندوقا تريد أن تجترني إلى داخله كي لا أرى العالم إلا من خلاله, و حينما أنظر إلى العالم من صندوق النفس "المستقرة" سأراه عظيما بوجودي, فخورا بولادتي, محتفيا بي. هذه النظرة تأخذ صاحبها للقاع مباشرة, و لا يمكن أن تصنع قادة. رضى النفس و طبطبتها على الروح ما هي إلا خدعة منها كي تتجنب مواجهة الحقيقة التي تخشى معرفتها إن تسائلت و بحثت, حقيقة أنها لاتزال في الخلف كثيرا أمام الواقع المتسارع.

تحدثت كثيرا عن خصماي, الآن سأختم مع عبارة تلخص الرؤية التي تكونت عبر تجارب 2015.

المعنى الحقيقي لوجودك, تحكمه قيمة اسهاماتك للعالم الذي تنتمي إليه. الأهم من ذلك, لا تنتظر من العالم أن يكتشفك, و لا أن يتعرف على عظمتك من ذاته, إنما تقدم أنت إليه بخطى سديدة و اطرق الأبواب بابا بابا, و لا تنسى أن تتعرف على أخطر خصومك بدقة متناهية, فقد تجدهم على صورة لم تتخيلها من قبل (كنفسك حينما تشعر بالرضى).   


السبت، 12 ديسمبر 2015

كلام رخيص


في حياتنا الإجتماعية, قد نرتبط بعلاقات تجمعنا بأشخاص نحمل نحن و إياهم أهداف مشتركة. و أيضا قد تسوقنا الأقدار إلى الإرتباط بآخرين تتعارض أهدافنا مع تطلعاتهم و أهدافهم.

في الحالة الأولى, تكون المصالح مشتركة, لذلك يصبح التعاون هو سيد العلاقة. و تبادل المعلومات ذات الجودة العالية بين هؤلاء الأشخاص سيكون أمر سلس و مشجع, حتى يصبح كل طرف على علم و دراية بكل ما يفكر فيه و يريد أن يقدم عليه الطرف الآخر.

أما بالنسبة للحالة الثانية, فالعلاقة تسودها المنافسة لتعارض المصالح (الأهداف), و بالتالي قد يكون إخفاء المعلومة أو التلاعب فيها أمرا مربحا في نظر من يملكها دون غيره.

فعلى سبيل المثال, قد تجد نفسك يوما مضطرا لشراء سيارة مستخدمة, فتتصل بأحد البائعين و تكون معه علاقة مؤقته لهذا الغرض. هذه العلاقة تتسم بوجود بعض أشكال تعارض المصالح - فالبائع هدفه بيعها بأعلى قيمة ممكنة بغض النظر عن حالتها, في حين أنك تريد أن تتعرف على حالتها أولا, ثم تقرر سعرها, آملا أن تأخذها بأقل قيمة ممكنة.

البائع يملك المعلومات الصحيحة عن حالتها, و أنت لا تملك ذلك, و كلاكما يعلم أن معرفتك لحالتها سيؤثر على قرار الشراء. فإلى أي مدى تظن أن البائع سيبادلك أجود المعلومات حول حالتها؟ و إلى أي درجة ستعطي قيمة لما يقوله؟

لعلمك اليقين بأن البائع سيتصرف وفقا لما تقتضيه مصالحه أولا, فكل ما يقوله حول حالة السيارة من معلومات ستتخذ فيه حكما مسبقا بأنه "كلام رخيص", في حالة أنك:

أولا, تعتقد أن البائع إذا كذب عليك لن يكلفه ذلك شيئا.

ثانيا, ترى أنك لا تستطيع أن تعتمد على كلامه لاتخاذ قرارك بالشراء أو حتى عدمه كونه مبهم أو غير مكتمل.

ثالثا, لم تجد طرفا ثالثا يضمن صحة كلامه و حقوقك.

ترددك أمام قبول معلومات هذا البائع هو موقف عقلاني, طالما أن مصالحكما ليست متوافقة كلية, و أن المعلومة التي تريدها غير متوفرة بالمستوى الذي يجعلك تطمئن, و طالما أنك لم تخسر شيئا بعد, كون القرار لايزال بيدك.

إذن, جودة المعلومة تتأثر كثيرا من طبيعة العلاقة (تعاونية أو تنافسية) التي تربط بين طالبيها و عارضيها. و الأهم من المعلومة نفسها هو درجة الموثوقية في قائلها و الدوافع (الأهداف) التي تحركه لبثها أو إخفائها أو تقديمها مبهمة أو ناقصة.

لا يمكن التحقق من الموثوقية إذا كانت المعلومة مقدمة من أشخاص مجهولين. أما الدوافع فقد تكون مادية (تحقيق مكاسب مالية), و قد تكون معنوية (تولي مراكز اجتماعية أعلى, أو الإطاحة بسمعة اسماء معروفة).

و نتيجة لانتشار المواقع الإليكترونية و وسائل التواصل الإجتماعي, اصبحنا نرتبط بعلاقات متجددة و غير مباشرة بأفراد و مجموعات مجهولة تماما, نستقبل منهم الكثير من المعلومات يوميا. هذه المعلومات يمكن تصنيفها بالـ "الكلام الرخيص" طالما أنه لا نملك القدرة للتحقق منها و من دوافعهم (و لا يمكن الاعتماد عليها في بناء أي قرارات هامة) و لو بدت موافقة لمصالحنا.

قد يسبب هذا الحكم المسبق الضجر للبعض, لكن لا أعتقد أن أحدا يقبل أن يعيش مخدوعا. رفع الحذر و التشكيك في المعلومات, و لو بدت متوافقه معنا, سيجعلنا نملك عقول لا تستقبل سوى القول الحكيم.


السبت، 5 ديسمبر 2015

لا أثق في أحد إطلاقا!!


لا استغرب سماع مثل هذه العبارة التي أحببت أن أجعلها عنوانا لمقالي لليوم. فالبعض منا قد يمر بمواقف مع بعض الأشخاص تجعله يحمل شعورا طاغيا بعدم الأمان, و يظن أن المجتمع لن يتردد في إيقاع الضرر به متى ما سنحت الفرصة.

و لكن هل تخيلت سيدي "غير الواثق" كيف ستكون الحياة في عالم إنساني لا يحمل أي معنى للثقة؟ و هل تعلم أن مجرد التخيل سيكون أمرا مجهدا؟ لأنك في الواقع, تثق في المئات بل الآلاف من البشر في هذه اللحظة و أنت غير مدرك!

لنتخل سيدي "غير الواثق" أنك تريد أن تسافر إلى إحدى الدول لمقابلة شخص. حتى تنجز الرحلة, عليك أولا أن تثق في سائق التاكسي, ذلك الرجل الغريب الذي ستركب معه ليأخذك للمطار, و أنت بالطبع لا تعرف أي شيء عن سجله الجنائي, فقد يكون أحد أخطر المطلوبين أمنيا. و قدومك للمطار يعني أنك كنت واثقا من أن العاملين في خطوط الطيران لم يسرقوك, و أنهم سيوفرون لك مقعدا و طائرة أجري عليها كل الفحوصات اللازمة, و يقودها طيارون تثق في صحتهم و مؤهلاتهم و انت لا تعرفهم, و تثق أن المضيفون سيقدمون لك وجبات يعدها طباخون لم تقابلهم من قبل لكنك تثق في اخلاصهم. و خلال الرحلة, تبدو عليك علامات الإطمئنان و الثقة في جميع الركاب من حولك, فلن يخطر ببالك أن يضربك أو يسرقك أي واحد منهم, على الرغم من انهم غرباء تماما. أنت أيضا تثق في أولئك الأشخاص الذين صنعوا الطائرة التي تطير بك من دون أن تتأكد من قوانين الفيزياء التي أعتمدوها و لا معاييرهم للجودة و السلامة.  هل أدركت كمية الثقة التي تمارسها لتنجز عملا واحدا فقط (السفر).

لنتخيل أنك تعني ما تقوله فعلا (أي أنك لا تثق في أحد إطلاقا), إلى أي مدى ستصبح حياتك عسيرة؟ سأصورها لك في أبسط احتياج, حينما تخرج لتشتري قطعة خبز للأكل. أولا, ستتقدم بطلب الفحص لها كي تتأكد من خلوها من المواد الضارة, فيكلفك الطلب مثلا خمسون ريالا, ثم تنتظر عدة أيام لتستلم النتيجة, و بعدها ستقبل أن تأكل الخبز و هو غير طري و قد تكلفت فيه خمسون ضعف قيمته الشرائية.

بالإضافة إلى قطعة الخبز, ستكون مرغما عزيزي "غير الواثق" أن تثق في جميع موظفي البنوك كي تملك حسابا بنكيا, و أن تثق في جميع المعلمين كي ترسل ابنك للمدرسة فيتعلم, و أن تثق في الشرطة و النظام كي تخرج من دون حراس, و تترك بيتك و عائلتك وحدهم.

هل أدركت كمية الثقة التي تمارسها في حياتك اليومية؟ و هل أدركت درجة إيمانك في أن مجتمعك في الواقع يستحق ثقتك على عكس ما كنت تتصور؟ إننا معرضون للمئات من أشكال الخيانة و الإستغلال لاضطرارنا إلى تسليم أنفسنا و بياناتنا الشخصية للآخرين, و لكننا لم نشعر يوما بتوقف الحياة كلية أو عجز المجتمع عن تكوين كل صور التعاون الأساسية لتسهيل حياتنا.


السبت، 28 نوفمبر 2015

فلسفة النجاح


لكي نصل إلى معنى أدق للنجاح, معنى يستطيع أن يتصوره الجميع و يتفقون عليه, سنحتاج أن نضعه ضمن إطارات معينة لنتحكم في قياساتنا و نتائجنا. يمكن أن نقترح إطارين لمفهوم النجاح, الأول: الإطار الشخصي, و الآخر الإجتماعي.

بالنسبة للإطار الشخصي, فلكل واحد منا مجموعة من الأهداف الشخصية التي يسعى إلى تحقيقها. من بينها مثلا الحصول على شهادة من جامعة مرموقة ترفع من الفرص بعد التخرج, أو الحصول على وظيفة بمردود عالي, أو السفر, أو زيارة معرض أو مطعم, أو تعلم طريقة صنع شيء للاستخدام الشخصي. أيا كانت الأهداف الشخصية, يمكن أن نقول أن تحقيقها هو نجاحا على الصعيد الشخصي. أما على الصعيد الإجتماعي, يتطلب الأمر أن نجد من يهمه تحققها لنقول أنها نجحت اجتماعيا أيضا.

 قبل أن أنتقل إلى الإطار الإجتماعي, لي وقفتين مع الأهداف الشخصية تلك: فكما تلاحظون, يمكن تصنيفها إلى مجموعتين, الأولى أهداف تجلب للإنسان منافع دائمة (الشهادة, الوظيفة), و الأخرى تحقق له منافع مؤقتة (زيارة مطعم - المنفعة هي الاستمتاع باللحظات فيه), و مع اختلاف النتائج, كلا الصنفين يستهلك جزءا من موارد الإنسان الشخصية (المال و الوقت).  

الآن مع الوقفة الثانية, عادة ما يضع الإنسان أهدافه الشخصية في حدود ما يملكه من وقت و مال يمكنه من تحقيقها, و بالتالي تحكمه فيها يكون أعلى. فمثلا, لو أراد شخصا أن يزور مطعما أو أن يسافر, فهو على الأغلب, لن يحتاج إلى موافقة الآخرين (المجتمع) أو دعمهم, كل الذي سيحتاج إليه هو الإرادة و بعض المال و الوقت. و مع ان التحكم في تحقيق الأهداف الشخصية عادة ما يكون أكبر مما هو عليه الحال مع الأهداف الإجتماعية كما سنرى, إلا أن الفرص المتوفرة لها لتنمو محدودة و مقيدة بمقدار موارد.

ماذا لو وضع الإنسان لنفسه أهدافا تتعدى منافعها الصعيد الشخصي و تصل للآخرين في مجتمعه, هنا يمكن أن ندخلها ضمن الإطار الإجتماعي و نحلل سبل نجاحها من ذلك المنظور. فتحقيق الأهداف ضمن الإطار الإجتماعي يتطلب تجاوز عدة خطوات قبل أن نقول أنها نجحت, فلن تكفي الإرادة و الموارد الشخصية.

إن نجاح الأهداف على الصعيد الإجتماعي يتطلب على الأقل إعتراف المجتمع بها (أو اعترافه بوجودها), و سيكون الفرد محظوظا لو قبلها المجتمع (أي أصبح يتابع تقدمها و يهمه أمرها), و سيكون عظيما لو تمكن من استقطاب دعم المجتمع (أي تمكن من تحفيز الآخرين ليشاركونه مواردهم, أموالهم و وقتهم و خبراتهم) في سبيل تحقيقها و تنميتها. 

بالتالي, يمكن أن نقول أن التحكم هنا أقل منه على الصعيد الشخصي كونه يعتمد على مدى قبول الآخرين لها و دعمهم أولا. و لكن الفرص على الصعيد الأجتماعي أكبر, لأنها إذا نجحت في استقطاب الدعم  سوف تنمو بشكل أسرع, و التحكم فيها سيتقدم. 

تذكر عزيزي القارئ أن الناس لا يهمهم تحقق أو عدم تحقق أهدافك الشخصية و لن ينشغلوا بمتابعة مدى تقدمها أو يبحثوا عن أي شراكات معك لدعمها مالم يجدوا ارتباط بينها و بين أهدافهم و شعروا أن نجاحك هو نجاح لهم أيضا. فلا تنسى أن تخلق القيمة (المنفعة) للآخرين و أنت تصيغ أهدافك إذا أردت لها النجاح ضمن الإطار الإجتماعي. 




السبت، 21 نوفمبر 2015

رأس مالك الإجتماعي قد يحكم فرصك

 إذا أراد الواحد منا قراءة مستقبله و التنبؤ بأعلى مركز (وظيفة, مكانة, ثروة, أو سلطة) يمكن أن يصله, عليه أولا قياس مقدار رصيده من رأس المال الإجتماعي.

يتكون رأس المال الإجتماعي من مجموعة الموارد القيمة أو الثمينة, و أقول قيمة لما لها من قيمة مادية, أو معنوية (منصب, مكانة, مال, أو قوة (سلطة)). و يمكن تقسيم هذه الموارد إلى صنفين: موارد شخصية و موارد إجتماعية.

الصنف الأول, الموارد الشخصية و هي كل ما يملكه الفرد و يستطيع استخدامه أو التحكم فيه بحرية تامة و لا يحق لأحد محاسبته عليه و لا مطالبته بتعويضه, كراتبه و ممتلكاته الشخصية و شبكاته الإجتماعية التي كونها وحده.

أما الصنف الثاني, الموارد الإجتماعية و هي موارد يملكها الآخرون أو المجتمع, يمكن للشخص الوصول إليها من خلال علاقاته الإجتماعية المباشرة و غير المباشرة. و من تمكن من الوصول إليها, لن يستطيع استخدامها بحرية كما لو كانت ملكا له, و لكن يستخدمها مؤقتا و يكون محاسب عليها و مطالب بتعويضها.

مثال للتوضيح, أفرض أن لك صديقا مقربا, و له أخ يعمل مديرا تنفيذيا في واحدة من أكبر الشركات المحلية (موارد إجتماعية). علاقتك الجيدة بصديقك قد تفتح لك نافذة توصلك إلى جزء من تلك الموارد الإجتماعية. بمعنى أدق, قد يأتي يوم و تمنحك تلك العلاقة الفرصة في الوصول إلى بعض أهدافك (وظيفة بمردود عالي), إذا قرر صديقك أن يدعمك لمعرفته اليقينية بتميزك. و إن حصلت على الفرصة, ستظل تلك الموارد تحت تحكم صديقك و أخيه و ما ستحصل عليه من مكانة أو سلطة أو مال من خلالهم سيكون بشكل مؤقت و ستظل محاسب عليه, باستثناء راتبك و ما استطعت إضافته إلى رصيدك الشخصي من علاقات إضافية خلال العمل أو مهارات و خبرات (بطرق جائزة شرعا و قانونا).

إذن, قدرة الفرد على الوصول إلى الموارد الإجتماعية تحددها جزئيا سعة و قوة شبكته الإجتماعية (علاقاته).

و لكن ليست العلاقات هي المحدد الرئيس لرصيدك من رأس المال الإجتماعي, فهناك أمور تسبقها و تتحكم في مدى امكانية تكونها و توسعها و هي تتضمن رأس مالك الشخصي (مستوى تعليمك و خبراتك و ثروتك), منصبك السابق و مكانة والديك الإجتماعية (ثرواتهم, مناصبهم, سلطاتهم,علاقاتهم), سوف تبدأ من هنا, من حيث انتهى عليه رأس مالك شخصي.

لتصبح فرصك أكبر, إجعل أهدافك متجهة نحو الصعود إلى قمة الهرم و ليس أفقيا, لأنك كلما تقدمت رأسا في سلمك الإجتماعي, قل عدد المنافسين و كثرت الموارد و اتسع نطاق السلطة الذي بين يديك, و عندها تصبح أقرب إلى صنع أحلامك و أحلام مجتمعك بتميزك. 

قبل الختام, هذه ليست دعوة لجعل علاقاتنا مادية, و لا لتبرير "الواسطة". هذه قطعة معرفية أريد توصيلها إلى أولئك المتميزون من قياديي المستقبل من أبناء مجتمعنا غير المحظوظين أو التائهين عن مفاتيح الفرص رغم تفوقهم و عظمتهم. فصعود أولئك المتميزون نحو المناصب القيادية سيكون في صالح تقدم المجتمع, و الخطوة التي تنتظرهم هي الظهور و توسيع العلاقات و مزاحمة الساحة بكل اسهام راقي يمكن إنتاجه و ترويجه, كي يعرفوا و يستقطبوا من قبل قياديي الوطن الآخرين.




السبت، 14 نوفمبر 2015

التكنولوجيا.. المنافس الأهم

في اقتصاد تحكمه التكنولوجيا و متغيراتها, يواجه رواد الأعمال صعوبة في تسمية النشاط الرئيس لمشاريعهم. فقد غيرت التكنولوجيا العلاقة بين الشركات و عملائها و جعلت الطرف الأخير هو الحكم, و أصبح السؤال الأهم هو "ماذا يريد الزبون" و ليس "ماذا يفعل المنافس" كما كان في السابق.

فبالماضي القريب, كانت سيارات الأجرة تعتمد على قوائمها الخاصة من بيانات الزبائن التي كانت تجمعها ذاتيا, حتى جاء ذلك التطبيق الذكي الذي غير وجه العلاقة بين الطرفين و استبدل قوائمها الخاصة بشبكات اتسعت للجميع و وضعت الإختيار في يد العميل.

و مثالي الآخر هو ما أحدثته وسائل التواصل و الإنترنت من تغييرات كبيرة على تفضيلات متابعي الإعلام التي أصبحت تميل إلى المعلومة السريعة و المرونة في اختيار الوقت و هو ما لم تتنبأ به الوسائل التقليدية حتى رأت التحول قادما من خارج محيطها التنافسي المألوف, لتضطر إلى الإستجابة بالحضور أينما وجد الجمهور و كيفما أحب.

تلك التحولات جعلت الشركات تبحث عن أساليب و أصول و عمالة تتسم بمرونة عالية للتغيير لتتمكن من الاستجابة السريعة لتفضيلات الزبائن المتغيرة و المنافسة بطرق مبتكرة.

فوفقا للمسح الذي قامت به PwC و الذي شمل 1322 مدير تنفيذي من 77 دولة, 61% منهم يرى ازدياد الفرص و كذلك التحديات عما كانت عليه قبل ثلاث أعوام. 39% منهم واثقون من قدرة مشاريعهم على النمو بالعام القادم, علما بأن أغلب الآراء المتفائلة تعكس أسواق الشرق الأوسط و جنوب شرق آسيا.

و بالنسبة للتحديات, 78% منهم عبروا عن قلقهم من ازدياد الأنظمة و بخاصة أنظمة العمل و التبادل التجاري باعتبارها تعيق سرعة الاستجابة للتغيرات, و 73% يرون أن ندرة العمالة المدربة واحدة من التحديات الكبيرة.

أما من حيث المنافسة, 54% من التنفيذيين شرعوا بدخول صناعات مختلفة عن صناعاتهم الرئيسة, أو عقدوا العزم على ذلك. و من ناحية أخرى, 56% منهم يرى أن المنافسة ستكون قادمة من الصناعات البديلة و ليس المنافسين من نفس الصناعة (مثال للتوضيح, دخول الإنترنت في صناعة الإعلام كمنافس من خارج نطاق الإعلام التقليدي).

و من حيث التقنيات الأكثر أهمية, يرى 81% من التنفيذيين أن الهواتف الذكية أهم القنوات للوصول لشرائح أكبر من العملاء. و يعطي 80% منهم أهمية لتطبيقات جمع و تحليل البيانات, لاستخدامها في التنبؤ بالمتغيرات المقبلة و صناعة القيمة للزبائن.

يؤمن معظم التنفيذيون بأهمية تكوين تحالفات مع شركاء متنوعين, حيث عبر 51% منهم عن استعداده لذلك, و ذكر 47% منهم أن الدافع من تكوين الشراكات هو سد النقص (امتلاك تقنيات و مهارات جديدة غير متوفرة أو لا يمكن تكوينها داخليا بتكلفة أو وقت أقل).

و أخيرا, غطى المسح رأي التنفيذيون في تنوع العمالة من حيث الجنس, المعرفة, الخبرة, و القدرات لإضافة طرق مختلفة في التفكير و العمل. فقد أشار 85% ممن يعتمدون التنوع أن ذلك عزز من أداء مشاريعهم, و ذكر 56% منهم أن تنوع العمالة أعانهم على دخول صناعات جديدة بنجاح.


ختاما, بقدر ما جلبت التكنولوجيا من فرص, فقد جلبت تحديات, و عقدت اللعبة أمام كل من تأخر عن امتلاك مفاتيحها.     

السبت، 7 نوفمبر 2015

ضبابية حول سياسة التعليم


بالاسبوع الماضي, نشرت الصحف خبر عن وزارة التعليم, تعمم فيه على الجامعات بالموافقة على ابتعاث المعيدات و المحاضرات داخليا.

إننا نشعر بعمق المشكلة و الصعوبات التي تواجهها أخواتنا المعيدات و المحاضرات نتيجة للضغوط المتكررة عليهن لاتخاذ قرار الإبتعاث على الرغم من أن القرار قد لا يكون بيدهن, و من الجانب الآخر, نشعر أيضا بحاجة الطالبات الملحة لخدمة تعليمية لا تقل عن المستوى الذي يرفع من فرصهن في القبول بالوظائف الجيدة, و تؤمن لهن حياة كريمة.

النقاط المذكورة بالأعلى ليست محور مقالي لليوم, و إنما الطريقة التي استخدمتها الوزارة في صياغة القرار. فقد فجرت عدد من علامات الاستفهام التي شكلت ضبابية حول سياسة التعليم الوطني و أعادت بالذاكرة لحال التعليم في زمن الإرتجال بالسياسات.

الذي يمكن لنا أن نفهمه هو أن الذي يحدد كيف ينبغي أن تكون عليه سياسات التعليم هي الرؤى الواضحة التي بلورتها الإستراتيجيات (آفاق و تطوير) و معايير الجودة المعتمدة لدعم احتياجات الطلاب التعليمية.

فنحن نملك توصيات بنيت على خطط و دراسات متقدمة حددت بكل دقة كيف ينبغي أن تكون عليه القرارات, بل و حتى البرامج و الإجراءات و بكل تفاصيلها. و قد أنفق على تلك الجهود الملايين و شارك في تجهيزها نخبة من المختصين و الباحثين, كي يتم الإسترشاد بها عند صياغة القرارات, و ذلك لتقديم خدمة تعليمية تسير على خطى راسخة و تؤمن للطلبة مستقبلهم و تحفظ جهدهم.

و رغم ذلك, يبدو أننا آثرنا الارتجال. و من بين علامات الإستفهام الكبيرة التي أثارتها الطريقة ما يلي:  

ماهو مبرر اتخاذ قرار غير واضح من منظور استراتيجية آفاق و من منظور متطلبات الجودة و احتياجات الطالبات التعليمية للقرن الحادي و العشرين؟

و ماذا يقصد الوزير من وصف جامعاتنا بالعريقة, هل من حيث العمر؟ أم من حيث الإعتمادات الأكاديمية التي لم تنجح بعد برامجها للدراسات العليا من الحصول عليها؟ أم تواضع مراكزها في التصنيفات العالمية؟

و إذا كان الغرض من القرار هو معالجة مشكلة قائمة و إزالة الضرر عن أخواتنا, فمن الممكن تفهم ذلك مرحليا, و لكن لم يوضح معالي الوزير ما إذا كان قراره شاملا للتعينات بالمستقبل, لندخل في ضبابية تضعف قدرتنا على رؤية مستقبل التعليم. فنحن نرى و بوضوح الشمس ما قد تتسبب به تلك السياسة من تضارب جوهري ما بين الممارسات الميدانية و بين الخطط المعتمدة و متطلبات الجودة.

الأهم من ذلك كله, هل القرار هو إشارة للعودة مجددا للإرتجال بالسياسات و التخلي عن الخطط المدروسة و الاستراتيجيات؟

آمل أن لا تكون الإجابة بنعم, فقد تقدمنا بمراحل كبيرة و تأملنا كثيرا. و لن تنجح أي سياسة تعليمية تضع الطالب في مكانة ثانوية و هو العنصر الأهم من وجود المؤسسات التعليمية, لأن ذلك سيؤدي إلى التضارب الذي يقود إلى بعثرة الجهود و الموارد و ضياع مستقبل الطلاب.     




السبت، 31 أكتوبر 2015

أكاذيب .. لكن تبدو صادقة!!

هل مر عليك إدعاء كهذا: إن لم تستيقظ مبكرا, لن تلحق بالباص, و إن لم تلحق بالباص, غبت عن المدرسة, و إن غبت عن المدرسة, لن تنجح, و إن لم تنجح, لن تتخرج و لن تحصل على عمل, و بالتالي لن تنجح بحياتك كلها. إذن يجب أن تستيقظ مبكرا.  

إلى أي مدى تبدو الأسباب المذكورة بالأعلى واقعية و تدعم الإدعاء "بوجوب الإستيقاظ مبكرا"؟

لنختبر عبارة أخرى:

أخبرني أخي أن الإحصاء مادة صعبة. و مادة الإحصاء التي أدرسها الآن صعبة. إذن كل مواد الإحصاء صعبة.

هل تجربة الشخصين الأول و الثاني مقنعتان لقبول الإدعاء القائل بأن "كل مواد الإحصاء صعبة" ؟

تنتشر حولنا إدعاءات تتضمن خلل فادح في الخط السببي الذي بنيت عليه, و بالرغم من ذلك, تبدو لنا مقنعة جدا بالوهلة الأولى. هذه المشكلة تدعى بـ فولسي (fallacy) و تأخذ صيغ كثيرة (تم رصد أكثر من 200 صيغة). و لكي تتضح الصورة, دعونا نحلل الإدعائين بالمثالين السابقين لنرى كيف تسلل الخلل السببي إلى أذهاننا و جعل الإداعاءات تبدو مقنعة.

بالنسبة لمثالنا الأول: فهو يحتوي على الفولسي الشهيرة المسماة بالمنحدر الزلق (Slippery slope). و قائلها يدعي أنك إذا وقعت في المشكلة الأولى (عدم الاستيقاظ مبكرا) فلن تستطيع إيقاف المشكلات التي ستتبعها حتى تأخذك للنهاية التي حددها (تفشل بحياتك كلها), و هي بالعادة نهاية متضخمة. فهو يؤكد على أنه و بمجرد أن تخطو تلك الخطوة الصغيرة, فلن تستطيع أن تتراجع إلى أن تقع في الكارثة. و هذا في الواقع غير صحيح, و يتضمن خطأ فادح في الخط السببي, فقد تستطيع أن تنجح حتى و لو لم تستيقظ مبكرا في ذلك اليوم الذي حاججك فيه. زد على ذلك, لم يقدم أي أدلة تدعم الأسباب االتي ذكرها لتقوية إدعاءه (أدلة في صورة أرقام إحصائية لحالات شبيهة تكررت كثيرا).  

أما المثال الثاني, فيعرض صيغة الفولسي المعروفة باسم التعميم المستعجل (Hasty generalization). و صاحب هذا الإدعاء يحاول أن يعمم نتيجة لتجربة خاضها شخصين فقط و في ظروف خاصة بهما على الكل. فهو يؤكد على أن جميع مواد الإحصاء بمختلف مستوياتها (المبتدئة إلى المتقدمة) صعبة, و أن ذلك يعكس رأي جميع الطلاب (بمختلف قدراتهم و معارفهم و بكل الجامعات و عند كل المحاضرين). من الخطأ الإعتماد على تجربة شخص أو شخصين للخروج بنتيجة تعمم على الجميع و في كل الأحوال و الظروف. و التعبير الأصح يكون على النحو التالي: بعض مواد الإحصاء صعبة على بعض الطلبة.

تلك الأخطاء المندسة و الجوهرية متداولة بيننا و منتشرة في كل مكان و عبر وسائل الإعلام, سواءا بقصد و بغير قصد. لكن لماذا تبدو صادقة؟ واحدة من أهم الأسباب هو التعاطي السطحي الذي ننتهجه حينما نقوم بتحديد مواقفنا منها (القبول, الحياد, أو الرفض), فعندما لا نقوم بالتحقق منها, فقد نقع في فخ من أفخاخ الفولسي.

و كثيرا ما يتسبب ذلك التعاطي السطحي مع الإداعاءات في تعزيز الخلاف و الجدل بين المجموعات و تعميق سوء الفهم, فتضيع و تتشتت الجهود و الفرص للوصول إلى أرضيات مشتركة للتنمية و الشراكة المجتمعية.


السبت، 24 أكتوبر 2015

استراتيجيات صنع القيمة


الأعمال عالم لا يهدأ. و بمجرد أن ينتهي التنفيذيون من رسم معالم استراتيجية, يشرعوا في بلورة الرؤية للبدء في الأخرى. و القاعدة التي تحكم العمل اليومي في مكاتبهم هي: إن لم تنمو أكلتك الذئاب.

و النمو في هذا العالم يكون من خلال تبني أنشطة تضيف قيمة للمشروع (أي ترفع من مركزه التنافسي و تقوده نحو تحقيق ربحية متنامية و مستديمة). فما طبيعة تلك الأنشطة و كيف يتم اختيارها؟

هناك عدة استراتيجيات لتبني أنشطة ذات قيمة مضافة: منها ما يقوم على تحسين السلعة من حيث الأداء و السعر للتوسع عبر استقطاب زبائن جدد, و منها ما يقوم بترقب و تصيد المشاريع الأخرى.

بالنسبة لاستراتيجيات الخيار الأول, فهي تبحث عن الأنشطة التي تنمي قدرة المشروع على مقابلة احتياجات زبائنه بطريقة فريدة عن المنافسين فتستقطب عملائهم, أو بالتوسع بفتح فروع جديدة في مناطق قد لا يكون وصلها غيره. هذه الاستراتيجيات تتبنى خطط ترتكز على الإمتياز السلعي و الخدماتي و الإداري أو التنظيمي.

من أمثلة هذه الاستراتيجيات: تطوير طرق جديدة لتخفيض التكلفة, أو الاستحواذ على أهم الموردين و تضمين أنشطتهم تحت مظلة المشروع (internalization), أو نقل المشروع لمناطق منخفضة التكلفة  أو إلى أسواق جديدة (internationalization), أو إعادة هيكلة المهام الإدارية و التنظيمية المتبعة (restructure) لتقليصها أو التخلص منها أو لدمجها.

أما استراتيجيات الخيار الثاني لخلق القيمة فتكون عبر تقصي و تصيد المشاريع الأخرى, و هذه الطريقة في الغالب لا تهدف إلى  تطوير أداء المشروع و إنما الاستحواذ على مشاريع أخرى و إدخالها تحت مظلته "كمجموعة قابضة", و مبررات هذه الخيارات هي واحدة أو مجموعة من الأمثلة التالية:

تحسين نتائج أعمال المشروع المالية ليبدو أعلى ربحية و أسرع نموا, بغض النظر عما إذا كانت تلك النواتج تعكس أي تطور في أداء النشاط الرئيسي له. أو بدافع تقليص عدد المنافسين في الصناعة من خلال الاستحواذ عليهم, و بالتالي تخفيض حجم المعروض من السلع و الإبقاء على مستويات الأسعار كما هي مدة أطول. أو قد يكون الدافع هو الدخول إلى أسواق جديدة و أن العملية لا تتم سريعا إلا من خلال الاستحواذ على مشروع قائم و الاستفادة من شبكة زبائنه الواسعة بدلا من بنائها من الصفر. أو قد يكون الدافع هو الاستحواذ على الإمتياز التقني أو المهاراتي الذي يمتلكه المشروع المستهدف و ذلك بشكل أسرع أو بتكلفة أقل من اللجوء إلى إنشائها داخليا.

تعد أنشطة تكوين القيمة واحدة من أهم مسؤوليات واضعي استراتيجيات الأعمال, و يدرك التنفيذيون بأن تلك المهمة ليست قاصرة على فترة زمنية محددة من حياة المشروع, و إنما متطلب قائم طوال حياته كي لا تقضي عليه ضراوة المنافسة.