السبت، 5 ديسمبر 2015

لا أثق في أحد إطلاقا!!


لا استغرب سماع مثل هذه العبارة التي أحببت أن أجعلها عنوانا لمقالي لليوم. فالبعض منا قد يمر بمواقف مع بعض الأشخاص تجعله يحمل شعورا طاغيا بعدم الأمان, و يظن أن المجتمع لن يتردد في إيقاع الضرر به متى ما سنحت الفرصة.

و لكن هل تخيلت سيدي "غير الواثق" كيف ستكون الحياة في عالم إنساني لا يحمل أي معنى للثقة؟ و هل تعلم أن مجرد التخيل سيكون أمرا مجهدا؟ لأنك في الواقع, تثق في المئات بل الآلاف من البشر في هذه اللحظة و أنت غير مدرك!

لنتخل سيدي "غير الواثق" أنك تريد أن تسافر إلى إحدى الدول لمقابلة شخص. حتى تنجز الرحلة, عليك أولا أن تثق في سائق التاكسي, ذلك الرجل الغريب الذي ستركب معه ليأخذك للمطار, و أنت بالطبع لا تعرف أي شيء عن سجله الجنائي, فقد يكون أحد أخطر المطلوبين أمنيا. و قدومك للمطار يعني أنك كنت واثقا من أن العاملين في خطوط الطيران لم يسرقوك, و أنهم سيوفرون لك مقعدا و طائرة أجري عليها كل الفحوصات اللازمة, و يقودها طيارون تثق في صحتهم و مؤهلاتهم و انت لا تعرفهم, و تثق أن المضيفون سيقدمون لك وجبات يعدها طباخون لم تقابلهم من قبل لكنك تثق في اخلاصهم. و خلال الرحلة, تبدو عليك علامات الإطمئنان و الثقة في جميع الركاب من حولك, فلن يخطر ببالك أن يضربك أو يسرقك أي واحد منهم, على الرغم من انهم غرباء تماما. أنت أيضا تثق في أولئك الأشخاص الذين صنعوا الطائرة التي تطير بك من دون أن تتأكد من قوانين الفيزياء التي أعتمدوها و لا معاييرهم للجودة و السلامة.  هل أدركت كمية الثقة التي تمارسها لتنجز عملا واحدا فقط (السفر).

لنتخيل أنك تعني ما تقوله فعلا (أي أنك لا تثق في أحد إطلاقا), إلى أي مدى ستصبح حياتك عسيرة؟ سأصورها لك في أبسط احتياج, حينما تخرج لتشتري قطعة خبز للأكل. أولا, ستتقدم بطلب الفحص لها كي تتأكد من خلوها من المواد الضارة, فيكلفك الطلب مثلا خمسون ريالا, ثم تنتظر عدة أيام لتستلم النتيجة, و بعدها ستقبل أن تأكل الخبز و هو غير طري و قد تكلفت فيه خمسون ضعف قيمته الشرائية.

بالإضافة إلى قطعة الخبز, ستكون مرغما عزيزي "غير الواثق" أن تثق في جميع موظفي البنوك كي تملك حسابا بنكيا, و أن تثق في جميع المعلمين كي ترسل ابنك للمدرسة فيتعلم, و أن تثق في الشرطة و النظام كي تخرج من دون حراس, و تترك بيتك و عائلتك وحدهم.

هل أدركت كمية الثقة التي تمارسها في حياتك اليومية؟ و هل أدركت درجة إيمانك في أن مجتمعك في الواقع يستحق ثقتك على عكس ما كنت تتصور؟ إننا معرضون للمئات من أشكال الخيانة و الإستغلال لاضطرارنا إلى تسليم أنفسنا و بياناتنا الشخصية للآخرين, و لكننا لم نشعر يوما بتوقف الحياة كلية أو عجز المجتمع عن تكوين كل صور التعاون الأساسية لتسهيل حياتنا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق