السبت، 31 أكتوبر 2015

أكاذيب .. لكن تبدو صادقة!!

هل مر عليك إدعاء كهذا: إن لم تستيقظ مبكرا, لن تلحق بالباص, و إن لم تلحق بالباص, غبت عن المدرسة, و إن غبت عن المدرسة, لن تنجح, و إن لم تنجح, لن تتخرج و لن تحصل على عمل, و بالتالي لن تنجح بحياتك كلها. إذن يجب أن تستيقظ مبكرا.  

إلى أي مدى تبدو الأسباب المذكورة بالأعلى واقعية و تدعم الإدعاء "بوجوب الإستيقاظ مبكرا"؟

لنختبر عبارة أخرى:

أخبرني أخي أن الإحصاء مادة صعبة. و مادة الإحصاء التي أدرسها الآن صعبة. إذن كل مواد الإحصاء صعبة.

هل تجربة الشخصين الأول و الثاني مقنعتان لقبول الإدعاء القائل بأن "كل مواد الإحصاء صعبة" ؟

تنتشر حولنا إدعاءات تتضمن خلل فادح في الخط السببي الذي بنيت عليه, و بالرغم من ذلك, تبدو لنا مقنعة جدا بالوهلة الأولى. هذه المشكلة تدعى بـ فولسي (fallacy) و تأخذ صيغ كثيرة (تم رصد أكثر من 200 صيغة). و لكي تتضح الصورة, دعونا نحلل الإدعائين بالمثالين السابقين لنرى كيف تسلل الخلل السببي إلى أذهاننا و جعل الإداعاءات تبدو مقنعة.

بالنسبة لمثالنا الأول: فهو يحتوي على الفولسي الشهيرة المسماة بالمنحدر الزلق (Slippery slope). و قائلها يدعي أنك إذا وقعت في المشكلة الأولى (عدم الاستيقاظ مبكرا) فلن تستطيع إيقاف المشكلات التي ستتبعها حتى تأخذك للنهاية التي حددها (تفشل بحياتك كلها), و هي بالعادة نهاية متضخمة. فهو يؤكد على أنه و بمجرد أن تخطو تلك الخطوة الصغيرة, فلن تستطيع أن تتراجع إلى أن تقع في الكارثة. و هذا في الواقع غير صحيح, و يتضمن خطأ فادح في الخط السببي, فقد تستطيع أن تنجح حتى و لو لم تستيقظ مبكرا في ذلك اليوم الذي حاججك فيه. زد على ذلك, لم يقدم أي أدلة تدعم الأسباب االتي ذكرها لتقوية إدعاءه (أدلة في صورة أرقام إحصائية لحالات شبيهة تكررت كثيرا).  

أما المثال الثاني, فيعرض صيغة الفولسي المعروفة باسم التعميم المستعجل (Hasty generalization). و صاحب هذا الإدعاء يحاول أن يعمم نتيجة لتجربة خاضها شخصين فقط و في ظروف خاصة بهما على الكل. فهو يؤكد على أن جميع مواد الإحصاء بمختلف مستوياتها (المبتدئة إلى المتقدمة) صعبة, و أن ذلك يعكس رأي جميع الطلاب (بمختلف قدراتهم و معارفهم و بكل الجامعات و عند كل المحاضرين). من الخطأ الإعتماد على تجربة شخص أو شخصين للخروج بنتيجة تعمم على الجميع و في كل الأحوال و الظروف. و التعبير الأصح يكون على النحو التالي: بعض مواد الإحصاء صعبة على بعض الطلبة.

تلك الأخطاء المندسة و الجوهرية متداولة بيننا و منتشرة في كل مكان و عبر وسائل الإعلام, سواءا بقصد و بغير قصد. لكن لماذا تبدو صادقة؟ واحدة من أهم الأسباب هو التعاطي السطحي الذي ننتهجه حينما نقوم بتحديد مواقفنا منها (القبول, الحياد, أو الرفض), فعندما لا نقوم بالتحقق منها, فقد نقع في فخ من أفخاخ الفولسي.

و كثيرا ما يتسبب ذلك التعاطي السطحي مع الإداعاءات في تعزيز الخلاف و الجدل بين المجموعات و تعميق سوء الفهم, فتضيع و تتشتت الجهود و الفرص للوصول إلى أرضيات مشتركة للتنمية و الشراكة المجتمعية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق