السبت، 28 نوفمبر 2015

فلسفة النجاح


لكي نصل إلى معنى أدق للنجاح, معنى يستطيع أن يتصوره الجميع و يتفقون عليه, سنحتاج أن نضعه ضمن إطارات معينة لنتحكم في قياساتنا و نتائجنا. يمكن أن نقترح إطارين لمفهوم النجاح, الأول: الإطار الشخصي, و الآخر الإجتماعي.

بالنسبة للإطار الشخصي, فلكل واحد منا مجموعة من الأهداف الشخصية التي يسعى إلى تحقيقها. من بينها مثلا الحصول على شهادة من جامعة مرموقة ترفع من الفرص بعد التخرج, أو الحصول على وظيفة بمردود عالي, أو السفر, أو زيارة معرض أو مطعم, أو تعلم طريقة صنع شيء للاستخدام الشخصي. أيا كانت الأهداف الشخصية, يمكن أن نقول أن تحقيقها هو نجاحا على الصعيد الشخصي. أما على الصعيد الإجتماعي, يتطلب الأمر أن نجد من يهمه تحققها لنقول أنها نجحت اجتماعيا أيضا.

 قبل أن أنتقل إلى الإطار الإجتماعي, لي وقفتين مع الأهداف الشخصية تلك: فكما تلاحظون, يمكن تصنيفها إلى مجموعتين, الأولى أهداف تجلب للإنسان منافع دائمة (الشهادة, الوظيفة), و الأخرى تحقق له منافع مؤقتة (زيارة مطعم - المنفعة هي الاستمتاع باللحظات فيه), و مع اختلاف النتائج, كلا الصنفين يستهلك جزءا من موارد الإنسان الشخصية (المال و الوقت).  

الآن مع الوقفة الثانية, عادة ما يضع الإنسان أهدافه الشخصية في حدود ما يملكه من وقت و مال يمكنه من تحقيقها, و بالتالي تحكمه فيها يكون أعلى. فمثلا, لو أراد شخصا أن يزور مطعما أو أن يسافر, فهو على الأغلب, لن يحتاج إلى موافقة الآخرين (المجتمع) أو دعمهم, كل الذي سيحتاج إليه هو الإرادة و بعض المال و الوقت. و مع ان التحكم في تحقيق الأهداف الشخصية عادة ما يكون أكبر مما هو عليه الحال مع الأهداف الإجتماعية كما سنرى, إلا أن الفرص المتوفرة لها لتنمو محدودة و مقيدة بمقدار موارد.

ماذا لو وضع الإنسان لنفسه أهدافا تتعدى منافعها الصعيد الشخصي و تصل للآخرين في مجتمعه, هنا يمكن أن ندخلها ضمن الإطار الإجتماعي و نحلل سبل نجاحها من ذلك المنظور. فتحقيق الأهداف ضمن الإطار الإجتماعي يتطلب تجاوز عدة خطوات قبل أن نقول أنها نجحت, فلن تكفي الإرادة و الموارد الشخصية.

إن نجاح الأهداف على الصعيد الإجتماعي يتطلب على الأقل إعتراف المجتمع بها (أو اعترافه بوجودها), و سيكون الفرد محظوظا لو قبلها المجتمع (أي أصبح يتابع تقدمها و يهمه أمرها), و سيكون عظيما لو تمكن من استقطاب دعم المجتمع (أي تمكن من تحفيز الآخرين ليشاركونه مواردهم, أموالهم و وقتهم و خبراتهم) في سبيل تحقيقها و تنميتها. 

بالتالي, يمكن أن نقول أن التحكم هنا أقل منه على الصعيد الشخصي كونه يعتمد على مدى قبول الآخرين لها و دعمهم أولا. و لكن الفرص على الصعيد الأجتماعي أكبر, لأنها إذا نجحت في استقطاب الدعم  سوف تنمو بشكل أسرع, و التحكم فيها سيتقدم. 

تذكر عزيزي القارئ أن الناس لا يهمهم تحقق أو عدم تحقق أهدافك الشخصية و لن ينشغلوا بمتابعة مدى تقدمها أو يبحثوا عن أي شراكات معك لدعمها مالم يجدوا ارتباط بينها و بين أهدافهم و شعروا أن نجاحك هو نجاح لهم أيضا. فلا تنسى أن تخلق القيمة (المنفعة) للآخرين و أنت تصيغ أهدافك إذا أردت لها النجاح ضمن الإطار الإجتماعي. 




السبت، 21 نوفمبر 2015

رأس مالك الإجتماعي قد يحكم فرصك

 إذا أراد الواحد منا قراءة مستقبله و التنبؤ بأعلى مركز (وظيفة, مكانة, ثروة, أو سلطة) يمكن أن يصله, عليه أولا قياس مقدار رصيده من رأس المال الإجتماعي.

يتكون رأس المال الإجتماعي من مجموعة الموارد القيمة أو الثمينة, و أقول قيمة لما لها من قيمة مادية, أو معنوية (منصب, مكانة, مال, أو قوة (سلطة)). و يمكن تقسيم هذه الموارد إلى صنفين: موارد شخصية و موارد إجتماعية.

الصنف الأول, الموارد الشخصية و هي كل ما يملكه الفرد و يستطيع استخدامه أو التحكم فيه بحرية تامة و لا يحق لأحد محاسبته عليه و لا مطالبته بتعويضه, كراتبه و ممتلكاته الشخصية و شبكاته الإجتماعية التي كونها وحده.

أما الصنف الثاني, الموارد الإجتماعية و هي موارد يملكها الآخرون أو المجتمع, يمكن للشخص الوصول إليها من خلال علاقاته الإجتماعية المباشرة و غير المباشرة. و من تمكن من الوصول إليها, لن يستطيع استخدامها بحرية كما لو كانت ملكا له, و لكن يستخدمها مؤقتا و يكون محاسب عليها و مطالب بتعويضها.

مثال للتوضيح, أفرض أن لك صديقا مقربا, و له أخ يعمل مديرا تنفيذيا في واحدة من أكبر الشركات المحلية (موارد إجتماعية). علاقتك الجيدة بصديقك قد تفتح لك نافذة توصلك إلى جزء من تلك الموارد الإجتماعية. بمعنى أدق, قد يأتي يوم و تمنحك تلك العلاقة الفرصة في الوصول إلى بعض أهدافك (وظيفة بمردود عالي), إذا قرر صديقك أن يدعمك لمعرفته اليقينية بتميزك. و إن حصلت على الفرصة, ستظل تلك الموارد تحت تحكم صديقك و أخيه و ما ستحصل عليه من مكانة أو سلطة أو مال من خلالهم سيكون بشكل مؤقت و ستظل محاسب عليه, باستثناء راتبك و ما استطعت إضافته إلى رصيدك الشخصي من علاقات إضافية خلال العمل أو مهارات و خبرات (بطرق جائزة شرعا و قانونا).

إذن, قدرة الفرد على الوصول إلى الموارد الإجتماعية تحددها جزئيا سعة و قوة شبكته الإجتماعية (علاقاته).

و لكن ليست العلاقات هي المحدد الرئيس لرصيدك من رأس المال الإجتماعي, فهناك أمور تسبقها و تتحكم في مدى امكانية تكونها و توسعها و هي تتضمن رأس مالك الشخصي (مستوى تعليمك و خبراتك و ثروتك), منصبك السابق و مكانة والديك الإجتماعية (ثرواتهم, مناصبهم, سلطاتهم,علاقاتهم), سوف تبدأ من هنا, من حيث انتهى عليه رأس مالك شخصي.

لتصبح فرصك أكبر, إجعل أهدافك متجهة نحو الصعود إلى قمة الهرم و ليس أفقيا, لأنك كلما تقدمت رأسا في سلمك الإجتماعي, قل عدد المنافسين و كثرت الموارد و اتسع نطاق السلطة الذي بين يديك, و عندها تصبح أقرب إلى صنع أحلامك و أحلام مجتمعك بتميزك. 

قبل الختام, هذه ليست دعوة لجعل علاقاتنا مادية, و لا لتبرير "الواسطة". هذه قطعة معرفية أريد توصيلها إلى أولئك المتميزون من قياديي المستقبل من أبناء مجتمعنا غير المحظوظين أو التائهين عن مفاتيح الفرص رغم تفوقهم و عظمتهم. فصعود أولئك المتميزون نحو المناصب القيادية سيكون في صالح تقدم المجتمع, و الخطوة التي تنتظرهم هي الظهور و توسيع العلاقات و مزاحمة الساحة بكل اسهام راقي يمكن إنتاجه و ترويجه, كي يعرفوا و يستقطبوا من قبل قياديي الوطن الآخرين.




السبت، 14 نوفمبر 2015

التكنولوجيا.. المنافس الأهم

في اقتصاد تحكمه التكنولوجيا و متغيراتها, يواجه رواد الأعمال صعوبة في تسمية النشاط الرئيس لمشاريعهم. فقد غيرت التكنولوجيا العلاقة بين الشركات و عملائها و جعلت الطرف الأخير هو الحكم, و أصبح السؤال الأهم هو "ماذا يريد الزبون" و ليس "ماذا يفعل المنافس" كما كان في السابق.

فبالماضي القريب, كانت سيارات الأجرة تعتمد على قوائمها الخاصة من بيانات الزبائن التي كانت تجمعها ذاتيا, حتى جاء ذلك التطبيق الذكي الذي غير وجه العلاقة بين الطرفين و استبدل قوائمها الخاصة بشبكات اتسعت للجميع و وضعت الإختيار في يد العميل.

و مثالي الآخر هو ما أحدثته وسائل التواصل و الإنترنت من تغييرات كبيرة على تفضيلات متابعي الإعلام التي أصبحت تميل إلى المعلومة السريعة و المرونة في اختيار الوقت و هو ما لم تتنبأ به الوسائل التقليدية حتى رأت التحول قادما من خارج محيطها التنافسي المألوف, لتضطر إلى الإستجابة بالحضور أينما وجد الجمهور و كيفما أحب.

تلك التحولات جعلت الشركات تبحث عن أساليب و أصول و عمالة تتسم بمرونة عالية للتغيير لتتمكن من الاستجابة السريعة لتفضيلات الزبائن المتغيرة و المنافسة بطرق مبتكرة.

فوفقا للمسح الذي قامت به PwC و الذي شمل 1322 مدير تنفيذي من 77 دولة, 61% منهم يرى ازدياد الفرص و كذلك التحديات عما كانت عليه قبل ثلاث أعوام. 39% منهم واثقون من قدرة مشاريعهم على النمو بالعام القادم, علما بأن أغلب الآراء المتفائلة تعكس أسواق الشرق الأوسط و جنوب شرق آسيا.

و بالنسبة للتحديات, 78% منهم عبروا عن قلقهم من ازدياد الأنظمة و بخاصة أنظمة العمل و التبادل التجاري باعتبارها تعيق سرعة الاستجابة للتغيرات, و 73% يرون أن ندرة العمالة المدربة واحدة من التحديات الكبيرة.

أما من حيث المنافسة, 54% من التنفيذيين شرعوا بدخول صناعات مختلفة عن صناعاتهم الرئيسة, أو عقدوا العزم على ذلك. و من ناحية أخرى, 56% منهم يرى أن المنافسة ستكون قادمة من الصناعات البديلة و ليس المنافسين من نفس الصناعة (مثال للتوضيح, دخول الإنترنت في صناعة الإعلام كمنافس من خارج نطاق الإعلام التقليدي).

و من حيث التقنيات الأكثر أهمية, يرى 81% من التنفيذيين أن الهواتف الذكية أهم القنوات للوصول لشرائح أكبر من العملاء. و يعطي 80% منهم أهمية لتطبيقات جمع و تحليل البيانات, لاستخدامها في التنبؤ بالمتغيرات المقبلة و صناعة القيمة للزبائن.

يؤمن معظم التنفيذيون بأهمية تكوين تحالفات مع شركاء متنوعين, حيث عبر 51% منهم عن استعداده لذلك, و ذكر 47% منهم أن الدافع من تكوين الشراكات هو سد النقص (امتلاك تقنيات و مهارات جديدة غير متوفرة أو لا يمكن تكوينها داخليا بتكلفة أو وقت أقل).

و أخيرا, غطى المسح رأي التنفيذيون في تنوع العمالة من حيث الجنس, المعرفة, الخبرة, و القدرات لإضافة طرق مختلفة في التفكير و العمل. فقد أشار 85% ممن يعتمدون التنوع أن ذلك عزز من أداء مشاريعهم, و ذكر 56% منهم أن تنوع العمالة أعانهم على دخول صناعات جديدة بنجاح.


ختاما, بقدر ما جلبت التكنولوجيا من فرص, فقد جلبت تحديات, و عقدت اللعبة أمام كل من تأخر عن امتلاك مفاتيحها.     

السبت، 7 نوفمبر 2015

ضبابية حول سياسة التعليم


بالاسبوع الماضي, نشرت الصحف خبر عن وزارة التعليم, تعمم فيه على الجامعات بالموافقة على ابتعاث المعيدات و المحاضرات داخليا.

إننا نشعر بعمق المشكلة و الصعوبات التي تواجهها أخواتنا المعيدات و المحاضرات نتيجة للضغوط المتكررة عليهن لاتخاذ قرار الإبتعاث على الرغم من أن القرار قد لا يكون بيدهن, و من الجانب الآخر, نشعر أيضا بحاجة الطالبات الملحة لخدمة تعليمية لا تقل عن المستوى الذي يرفع من فرصهن في القبول بالوظائف الجيدة, و تؤمن لهن حياة كريمة.

النقاط المذكورة بالأعلى ليست محور مقالي لليوم, و إنما الطريقة التي استخدمتها الوزارة في صياغة القرار. فقد فجرت عدد من علامات الاستفهام التي شكلت ضبابية حول سياسة التعليم الوطني و أعادت بالذاكرة لحال التعليم في زمن الإرتجال بالسياسات.

الذي يمكن لنا أن نفهمه هو أن الذي يحدد كيف ينبغي أن تكون عليه سياسات التعليم هي الرؤى الواضحة التي بلورتها الإستراتيجيات (آفاق و تطوير) و معايير الجودة المعتمدة لدعم احتياجات الطلاب التعليمية.

فنحن نملك توصيات بنيت على خطط و دراسات متقدمة حددت بكل دقة كيف ينبغي أن تكون عليه القرارات, بل و حتى البرامج و الإجراءات و بكل تفاصيلها. و قد أنفق على تلك الجهود الملايين و شارك في تجهيزها نخبة من المختصين و الباحثين, كي يتم الإسترشاد بها عند صياغة القرارات, و ذلك لتقديم خدمة تعليمية تسير على خطى راسخة و تؤمن للطلبة مستقبلهم و تحفظ جهدهم.

و رغم ذلك, يبدو أننا آثرنا الارتجال. و من بين علامات الإستفهام الكبيرة التي أثارتها الطريقة ما يلي:  

ماهو مبرر اتخاذ قرار غير واضح من منظور استراتيجية آفاق و من منظور متطلبات الجودة و احتياجات الطالبات التعليمية للقرن الحادي و العشرين؟

و ماذا يقصد الوزير من وصف جامعاتنا بالعريقة, هل من حيث العمر؟ أم من حيث الإعتمادات الأكاديمية التي لم تنجح بعد برامجها للدراسات العليا من الحصول عليها؟ أم تواضع مراكزها في التصنيفات العالمية؟

و إذا كان الغرض من القرار هو معالجة مشكلة قائمة و إزالة الضرر عن أخواتنا, فمن الممكن تفهم ذلك مرحليا, و لكن لم يوضح معالي الوزير ما إذا كان قراره شاملا للتعينات بالمستقبل, لندخل في ضبابية تضعف قدرتنا على رؤية مستقبل التعليم. فنحن نرى و بوضوح الشمس ما قد تتسبب به تلك السياسة من تضارب جوهري ما بين الممارسات الميدانية و بين الخطط المعتمدة و متطلبات الجودة.

الأهم من ذلك كله, هل القرار هو إشارة للعودة مجددا للإرتجال بالسياسات و التخلي عن الخطط المدروسة و الاستراتيجيات؟

آمل أن لا تكون الإجابة بنعم, فقد تقدمنا بمراحل كبيرة و تأملنا كثيرا. و لن تنجح أي سياسة تعليمية تضع الطالب في مكانة ثانوية و هو العنصر الأهم من وجود المؤسسات التعليمية, لأن ذلك سيؤدي إلى التضارب الذي يقود إلى بعثرة الجهود و الموارد و ضياع مستقبل الطلاب.     




السبت، 31 أكتوبر 2015

أكاذيب .. لكن تبدو صادقة!!

هل مر عليك إدعاء كهذا: إن لم تستيقظ مبكرا, لن تلحق بالباص, و إن لم تلحق بالباص, غبت عن المدرسة, و إن غبت عن المدرسة, لن تنجح, و إن لم تنجح, لن تتخرج و لن تحصل على عمل, و بالتالي لن تنجح بحياتك كلها. إذن يجب أن تستيقظ مبكرا.  

إلى أي مدى تبدو الأسباب المذكورة بالأعلى واقعية و تدعم الإدعاء "بوجوب الإستيقاظ مبكرا"؟

لنختبر عبارة أخرى:

أخبرني أخي أن الإحصاء مادة صعبة. و مادة الإحصاء التي أدرسها الآن صعبة. إذن كل مواد الإحصاء صعبة.

هل تجربة الشخصين الأول و الثاني مقنعتان لقبول الإدعاء القائل بأن "كل مواد الإحصاء صعبة" ؟

تنتشر حولنا إدعاءات تتضمن خلل فادح في الخط السببي الذي بنيت عليه, و بالرغم من ذلك, تبدو لنا مقنعة جدا بالوهلة الأولى. هذه المشكلة تدعى بـ فولسي (fallacy) و تأخذ صيغ كثيرة (تم رصد أكثر من 200 صيغة). و لكي تتضح الصورة, دعونا نحلل الإدعائين بالمثالين السابقين لنرى كيف تسلل الخلل السببي إلى أذهاننا و جعل الإداعاءات تبدو مقنعة.

بالنسبة لمثالنا الأول: فهو يحتوي على الفولسي الشهيرة المسماة بالمنحدر الزلق (Slippery slope). و قائلها يدعي أنك إذا وقعت في المشكلة الأولى (عدم الاستيقاظ مبكرا) فلن تستطيع إيقاف المشكلات التي ستتبعها حتى تأخذك للنهاية التي حددها (تفشل بحياتك كلها), و هي بالعادة نهاية متضخمة. فهو يؤكد على أنه و بمجرد أن تخطو تلك الخطوة الصغيرة, فلن تستطيع أن تتراجع إلى أن تقع في الكارثة. و هذا في الواقع غير صحيح, و يتضمن خطأ فادح في الخط السببي, فقد تستطيع أن تنجح حتى و لو لم تستيقظ مبكرا في ذلك اليوم الذي حاججك فيه. زد على ذلك, لم يقدم أي أدلة تدعم الأسباب االتي ذكرها لتقوية إدعاءه (أدلة في صورة أرقام إحصائية لحالات شبيهة تكررت كثيرا).  

أما المثال الثاني, فيعرض صيغة الفولسي المعروفة باسم التعميم المستعجل (Hasty generalization). و صاحب هذا الإدعاء يحاول أن يعمم نتيجة لتجربة خاضها شخصين فقط و في ظروف خاصة بهما على الكل. فهو يؤكد على أن جميع مواد الإحصاء بمختلف مستوياتها (المبتدئة إلى المتقدمة) صعبة, و أن ذلك يعكس رأي جميع الطلاب (بمختلف قدراتهم و معارفهم و بكل الجامعات و عند كل المحاضرين). من الخطأ الإعتماد على تجربة شخص أو شخصين للخروج بنتيجة تعمم على الجميع و في كل الأحوال و الظروف. و التعبير الأصح يكون على النحو التالي: بعض مواد الإحصاء صعبة على بعض الطلبة.

تلك الأخطاء المندسة و الجوهرية متداولة بيننا و منتشرة في كل مكان و عبر وسائل الإعلام, سواءا بقصد و بغير قصد. لكن لماذا تبدو صادقة؟ واحدة من أهم الأسباب هو التعاطي السطحي الذي ننتهجه حينما نقوم بتحديد مواقفنا منها (القبول, الحياد, أو الرفض), فعندما لا نقوم بالتحقق منها, فقد نقع في فخ من أفخاخ الفولسي.

و كثيرا ما يتسبب ذلك التعاطي السطحي مع الإداعاءات في تعزيز الخلاف و الجدل بين المجموعات و تعميق سوء الفهم, فتضيع و تتشتت الجهود و الفرص للوصول إلى أرضيات مشتركة للتنمية و الشراكة المجتمعية.


السبت، 24 أكتوبر 2015

استراتيجيات صنع القيمة


الأعمال عالم لا يهدأ. و بمجرد أن ينتهي التنفيذيون من رسم معالم استراتيجية, يشرعوا في بلورة الرؤية للبدء في الأخرى. و القاعدة التي تحكم العمل اليومي في مكاتبهم هي: إن لم تنمو أكلتك الذئاب.

و النمو في هذا العالم يكون من خلال تبني أنشطة تضيف قيمة للمشروع (أي ترفع من مركزه التنافسي و تقوده نحو تحقيق ربحية متنامية و مستديمة). فما طبيعة تلك الأنشطة و كيف يتم اختيارها؟

هناك عدة استراتيجيات لتبني أنشطة ذات قيمة مضافة: منها ما يقوم على تحسين السلعة من حيث الأداء و السعر للتوسع عبر استقطاب زبائن جدد, و منها ما يقوم بترقب و تصيد المشاريع الأخرى.

بالنسبة لاستراتيجيات الخيار الأول, فهي تبحث عن الأنشطة التي تنمي قدرة المشروع على مقابلة احتياجات زبائنه بطريقة فريدة عن المنافسين فتستقطب عملائهم, أو بالتوسع بفتح فروع جديدة في مناطق قد لا يكون وصلها غيره. هذه الاستراتيجيات تتبنى خطط ترتكز على الإمتياز السلعي و الخدماتي و الإداري أو التنظيمي.

من أمثلة هذه الاستراتيجيات: تطوير طرق جديدة لتخفيض التكلفة, أو الاستحواذ على أهم الموردين و تضمين أنشطتهم تحت مظلة المشروع (internalization), أو نقل المشروع لمناطق منخفضة التكلفة  أو إلى أسواق جديدة (internationalization), أو إعادة هيكلة المهام الإدارية و التنظيمية المتبعة (restructure) لتقليصها أو التخلص منها أو لدمجها.

أما استراتيجيات الخيار الثاني لخلق القيمة فتكون عبر تقصي و تصيد المشاريع الأخرى, و هذه الطريقة في الغالب لا تهدف إلى  تطوير أداء المشروع و إنما الاستحواذ على مشاريع أخرى و إدخالها تحت مظلته "كمجموعة قابضة", و مبررات هذه الخيارات هي واحدة أو مجموعة من الأمثلة التالية:

تحسين نتائج أعمال المشروع المالية ليبدو أعلى ربحية و أسرع نموا, بغض النظر عما إذا كانت تلك النواتج تعكس أي تطور في أداء النشاط الرئيسي له. أو بدافع تقليص عدد المنافسين في الصناعة من خلال الاستحواذ عليهم, و بالتالي تخفيض حجم المعروض من السلع و الإبقاء على مستويات الأسعار كما هي مدة أطول. أو قد يكون الدافع هو الدخول إلى أسواق جديدة و أن العملية لا تتم سريعا إلا من خلال الاستحواذ على مشروع قائم و الاستفادة من شبكة زبائنه الواسعة بدلا من بنائها من الصفر. أو قد يكون الدافع هو الاستحواذ على الإمتياز التقني أو المهاراتي الذي يمتلكه المشروع المستهدف و ذلك بشكل أسرع أو بتكلفة أقل من اللجوء إلى إنشائها داخليا.

تعد أنشطة تكوين القيمة واحدة من أهم مسؤوليات واضعي استراتيجيات الأعمال, و يدرك التنفيذيون بأن تلك المهمة ليست قاصرة على فترة زمنية محددة من حياة المشروع, و إنما متطلب قائم طوال حياته كي لا تقضي عليه ضراوة المنافسة.  




السبت، 17 أكتوبر 2015

المعلم


انتقل التعليم السعودي إلى مرحلة متقدمة من حيث الرؤية و السياسة اللتان تبنتهما الوزارة, حينما أصبحت تسير وفقا لخطط واضحة المعالم و محددة الإجراءات و النتائج, و أول ما قامت به هو وضع الطالب في موقعه الصحيح ليكون الطرف الأهم في العملية التعليمية, و لتكون احتياجاته التعليمية هي التي تحدد كيف ينبغي أن تصرف الجهود و الميزانيات من أعلى الهرم الوزاري و حتى داخل الفصول.

و من حيث العمل اليومي في المدارس, فالكل يدرك ما سيتطلبه نجاح التطبيق الفعلي لتلك الرؤى و السياسات من وقت و إدارة عن قرب, و من إدراك و إلتزام من قبل التنفيذيين (المعلمين و المدراء) تجاه الأدوار المتوقعة منهم لتحويل تلك الرؤى إلى واقع.

و يأتي المعلم في مقدمة العوامل التي تتوقف عندها الإجابة ما إذا كنا سنتمكن من مقابلة احتياجات الطلاب التعليمية للقرن الحالي.

إن قناعة المعلم في كفايته الذاتية (self-efficacy)  لمقابلة الأدوار المطلوبة منه هي واحدة من بين أهم المؤشرات التي يمكن الاعتماد عليها للتنبؤ بمدى استجابته للسير وفقا لمتطلبات الإصلاح و رفع مستوى إنجاز الطلاب التعليمي (كما برهنت الدراسات).

و قد عرف "المختصون في التعليم" الكفاية الذاتية بمدى إيمان المعلم في قدرته على تنفيذ المهام التعليمية المطلوبة منه على مستوى محدد من الجودة, و في ظروف محددة (كالمهام التي تفرضها استراتيجيات التطوير بشكل متكرر). 

تشير الدراسات إلى أن المعلمين الذين يحملون إيمانا أكبر في كفاياتهم لتحسين نتائج الطلاب, هم أكثر قدرة على التخطيط و التنظيم, و أكثر مرونة في التجاوب مع الفشل أثناء تأدية مهامهم داخل الفصول الدراسية, و أقل انتقادا للطلاب, و قليلا ما يقومون بتحويل الطلاب للاحتياجات التعليمية الخاصة.

و قد يتقدم المعلم لمزاولة المهنة و هو يحمل إيمانا كبيرا في كفاياته, و لكن حينما يبدأ بالانخراط في العمل اليومي و يحتك بالظروف و الإخفاقات المحيطة, يبدأ إيمانه ذلك بالإنخفاض, فيتراجع الإلتزام لديه أو قد يتردى أداءه. تشير الدراسات في هذا الخصوص إلى أن المعلمين الذين يؤمنون في قدرتهم على مواجهة الظروف المحيطة و تغييرها للأفضل, عادة ما يمتلكون نظرة متقدمة في كفاياتهم و في قدرتها على التكيف, فينعكس ذلك على مستوى الانجاز لديهم.

كيف ينظر المعلمين لكفاياتهم تجاه مسؤولياتهم التعليمية التي تقدمت لتواكب احتياجات الطلاب التعليمية في القرن الحالي فأختلفت جوهريا عما كانت عليه في العقدين الماضيين؟ و هل تملك الوزارة أي مؤشرات لقياس ذلك؟

إن نتائج هذه المؤشرات ستمكن المسؤولين من كشف الأسباب الحقيقية التي تقع خلف الفجوة الواسعة ما بين رؤى و سياسات الوزارة الإصلاحية و ما بين الاستجابة المتواضعة لها من قبل التنفيذيين بالمدارس (من أهمهم المعلمين). و على ضوء ذلك, ستتمكن الوزارة من تحديث الاستراتيجية باللازم و إعداد البرامج التدريبية لمعالجتها و رفع وعي المعلمين حول تلك القضايا و تزويدهم بالأدوات و الاستراتيجيات التي تمكنهم من التعامل الأمثل مع مقتضيات التطوير خلال العمل اليومي المليء بالمفاجآت و الإخفاقات.

.