السبت، 27 يونيو 2015

مستفيدي الضمان: هل كانو محتالين؟


قبل أن أبدأ, أحب أن أوجه الشكر للتكنولوجيا, التي عالجت بذكائها "المحدود" معضلات معلوماتية ما استطاعت أن تحلها العقول البشرية في بعض الوحدات الإدارية الحكومية لعقود, على الرغم مما يتمتع به مسؤوليها من مؤهلات و مهارات و ذكاء "لا محدود". علينا أن ندرك أنه ليس كل مشكلة إدارية أو مالية هي نتيجة فساد, و لكن هناك مسبب آخر "فايروسي الفاعلية", و هو انخفاض كفاءة النظام الذي تسير عليه الوحدة أو المؤسسة, و ذلك إما لتقادمه أو لعدم إعداده أو تطبيقه بالشكل الصحيح الذي يمكنها من رفع كفاءة الأداء و إنجاز الأعمال, فضلا عن منع وقوع الأخطاء و سرعة اكتشافها.

تدهور كفاءة النظام يولد البذور الأولية للفساد, و يمهد لنشوء الأخطاء المقصودة و غير المقصودة بين الموظفين و يسمح بانتشارها و تعميمها و من ثم ترسيخها حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من الثقافة الداخلية للمؤسسة, التي يذب عنها الأفراد و يتسترون على عيوبها, كونها تمثلهم. و كلما كان الخلل بالنظام أساسي, كلما رأيت الخطأ ينتشر فيه بصورة أسرع, ثم يبدأ بتجاوز حدود المؤسسة ليضم أطرافا من خارجها.

و هذا ما حدث مع وزارة الشؤون الاجتماعية, حين وصل عدد المستفيدين من غير المستحقين للضمان إلى 107 ألف حالة, و هو خطأ كبير و تجاوز حدود الوزارة. و كبر حجم هذا الخطأ مؤشر على انخفاض كفاءة نظام الوزارة و ليس على أن المستفيدين محتالين. فلا يعقل أن يجد كل أولئك الذين وصفتهم الوزارة "بالمحتالين" مسألة تجاوز النظام أمر صعب, فيكون لهم النجاح و بهذا الحجم الكبير. و لو أفترضنا صحة ذلك, أي أن الخطأ كان خارجي و ليس من النظام (كونه كان دقيقا في المتابعة و كانت تجري التحديثات على بنوده باستمرار), فالسياق سيعني أن لدينا شعب يملك قدرات متطورة جدا, تفوق قدرات الشعوب المتقدمة, ليكون على هذا القدر الكبير من دهاء الاحتيال الذي مكنه من تخطي تلك الأنظمة المتطورة و بأعداد هائلة, و هذا غير واقعي.    

و المثير للانتباه, أن الذي اعتدنا عليه, هو أن يقع الضرر الناتج عن أعطاب الأنظمة على المستفيدين من خارجها (أي الناس), و لكن اختلف السيناريو هذه المرة مع وزارة الشؤون الاجتماعية, حيث صب الخلل بالنظام في مصلحة المتعاملين, ما أحرج و أثار غضب مسؤوليها, لتكون ردة الفعل متسرعة (تهديد و نعوت), بدلا من إظهار الحكمة بالتروي في الحكم, و الاعتراف بضعف كفاءة الأنظمة المتبعة, و عرض التدابير التي ستتبعها الوزارة للمعالجة و منع تكرارها بالمستقبل, كما كنا نتوقع منها.

و كيف ستحاسب الوزارة كل أولئك المستفيدين؟ فهل ستفرز عقولها البشرية حلولا تمكنها من استرجاع كل الأموال, و من فئة يغلب عليها سوء الوضع المادي, من دون أن تتسبب في إحداث أزمة وطنية أو تكاليف باهظة؟ و هل المحاسبة ستشمل الموظفين, بصفتهم شركاء في الخطأ (فقد مر من تحت أعينهم لسنوات و لم يوقفوه, حتى أوقفته التكنولوجيا في لحظة)؟

ختاما, ليس من الضروري أن يتمثل الضرر الناتج عن خلل الأنظمة في المال أو تأخير المعاملات, فقد يتمثل في الأرواح كما في المستشفيات, أو في ضياع مستقبل الأبناء كما في التعليم, و المال أقلها وجعا. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق