جمعت سلوكياتنا الرمضانية بين النقيضين: الإمساك و الاستهلاك. فنحن إذا
سُئلنا عن رمضان و ماذا يعني لنا, سنرد بكل حماسة بأنه شهر يدربنا على ضبط النفس
بالإمساك عن الطعام و بتجنب كل قول أو فعل يسيء للآخرين. و لكن إذا تأملنا في سلوكياتنا
الرمضانية فهي تعكس واقعا مغايرا بعض الشيء.
فمثلا, نميل إلى مضاعفة الانفاق على المشتريات من المواد الغذائية و
التحضيرات الأخرى لاستقبال شهر الصوم. أما خلال الشهر, فنميل إلى الإسراف في
"وقتنا" الثمين أمام القنوات و البرامج أو في تحضير الطعام أو التجول في
الأسواق أو المقاهي و بمعدلات تتجاوز ما كنا عليه قبل رمضان. و بالنسبة لسفرة الإفطار,
سيزيد طولها بمقدار متر أو مترين, و كأنه انتقاما لطيفا من الإمساك.
إذن, أين التدريب على ضبط النفس و أنفسنا لا تكف عن التفكير في الطعام
أو في شراءه أو تحضيره طوال ساعات النهار, و كيف نستشعر بأحسيس الفقراء و نحن أمام
سفر ملكية, نتجت عن لحظات طويلة من التوتر و الضغط النفسي و شد الأعصاب في سبيل
تحضيرها. كم تشغلنا هذه الأمور عن المعاني الحقيقية للشهر الكريم و كم نحن بعيدون
عن أسلوب الحياة الذي ينبغي أن نعيشه في رمضان.
هناك عدة آثار سلبية لسلوكياتنا الرمضانية, أعدد منها مثلا:
إن تضخم الطلب على شراء السلع في موسم قصير (حوالي شهر) يأخذ بالأسعار
للصعود رأسا, و لن تنجح التحركات الرقابية في منعها مهما بذلت من جهود. إذن يجب
علينا المساهمة في ضبط العملية بدءا من أنفسنا, لتجنب استغلال التجار لحاجتنا. و
ينبغي أن نفرق بين الرغبة في الشراء و الحاجة للشراء, و ندرب أنفسنا على تأجيل
قراراتنا الشرائية للسلع التي تندرج تحت تصنيف "الرغبات".
ثانيا, تدل سلوكياتنا الشرائية إلى أن الإدخار مسألة لا نجيدها. و على
الرغم من أن أجواء رمضان مساعدة على حفظ المال حيث لا توجد أنشطة تدفعنا للاستهلاك
خلال النهار, و تنتظرنا المساجد و الجلسات العائلية بالمساء, إلا أن التخطيط يأتي متناقضا
بعض الشيء.
ثالثا, ماذا عن الأطعمة الزائدة, و كيف يتم التخلص منها؟ فعندما نقوم بشراء
السلع و بكميات تفوق حاجتنا (متجاهلين محدودية مواردها الطبيعية), نحن بذلك نتسبب
في رفع أسعارها, و بالتالي نرفع الحاجز أمام أخواننا ممن يحتاجون إليها و لا يملكون
قيمتها, فنختار أن تنتهي بالنفايات بدلا من بيوت هؤلاء. فماذا يضر لو اشترينا ما
يلزمنا و أعددنا من الطعام ما يسد حاجتنا (توفيرا لها), فقليلا من الضبط قد يعني
الكثير لغيرنا.
رابعا, بالنسبة للآثار الصحية فهي معروفة و لا أنوي مناقشتها هنا. و
لكن هناك ظاهرة منتشرة بمجتمعنا, و تجلت مؤخرا مع دخول شهر رمضان ضمن العطلة
الرسمية.
فحينما لا يوجد دوام, يقضي البعض ساعات النهار نياما, و بالليل قياما ليس
على الصلوات و إنما على الأجهزة و الأطعمة, و الرياضة لا تكون ضمن الجدول.
ختاما, لاشك أنه من حقنا الاستمتاع بالنعمة المتمثلة
في القدرة الاستهلاكية و في جعل أجواء رمضان مختلفة, لكن لا ننسى أن رمضان هو
أيضا فرصة ذهبية لتدريب أنفسنا على ضبط النفس. لنراجع سلوكياتنا الشرائية و الغذائية
و لنعيد تخطيط حياتنا بشكل يدر لنا و لمجتمعنا بالعوائد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق