شهدنا في أسبوع واحد نحو ثلاث أحداث تضمنت العنصرية. ألا يبدو الوضع متطور!
فلم تعد العنصرية قناعات (بالذهن) أو مشاعر (بالنفس), بل وصلت إلى حد التعبير عن الكراهية
و الانتقاص من ذلك الذي يبدو مختلف, و من على منصات الإعلام, حيث لا مانع من أن يشارك
الجميع بالاستماع و إبداء الرأي.
لا استغرب وصولنا إلى هذه المرحلة المتقدمة, فنحن بالأساس نأكل و نشرب
و نحيا و نموت على ممارسات تصنيف البشر. بالنسبة لنا, يشكل التصنيف مصدرا رئيسا من
مصادر المعرفة اليقينة لأصناف الناس و ألوانهم و خبايا و أسرار نفوسهم, و مرجعا
هاما للحكم عليهم و لاختيار الطرق التي يستحقون أن نعاملهم بها. و كما تزخر
المكتبات و المراجع العلمية العالمية بالتصنيفات المتطورة للحيوانات و الحشرات و
النباتات, تزخر ثقافتنا المحلية بقوائم التصنيفات البشرية: لدينا الصالحون و الفاسدون,
القبليون و الطرش, البدو و الحضر, المتشددون و الليبراليون, السنة و الطوائف الأخرى,
الأحرار و العبيد, الرجال و "الحريم", و الكثير الكثير. للأسف, هذا
التخلف الذي يتحكم في
إدراكنا, إن دل على شيء فهو يدل على أن الآية: " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان
ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" أو الحديث الشريف "دعوها فإنَّها
منْتِنة" لم تربينا.
مما لا شك فيه أن هذه التصنيفات تغذي مشاعر الحقد و تشعل النيران في
وجوه الأبرياء لمجرد انتماءاتهم. لسنا الوحيدون في هذا العالم ممن يخلقون
التصنيفات و يغذون بها الممارسات العنصرية, و لكننا وصلنا إلى مراحل مقززة للغاية,
يفوح النتن منها على مستوى واسع, و يشغل الأمة عن قضاياها المصيرية. ذلك لأننا لا
نملك الوعي الكافي الذي يعيب على مرتكبها بقسوة و يحقره فيكتمها حفظا (لماء وجهه),
و لا نملك القانون الذي يردعه. و أخيرا, ماذا سننتظر؟ سننتظر التعبير البدني عن
تلك الكراهية, لأن هناك من يترصد لتلك الشظايا ليشعل بها الشقاق و يحفز الصراع
باسم القبائل و المذاهب و الأديان.
يأتي الوعي أولا, ثم يأتي القانون مكملا. و عند ظهور مشاهد التخلف, ستعود
المسؤولية على عاتق التعليم. نسختي مع التحية للدكتور عزام الدخيل, أقول فيها, نرجو
أن تتضمن المناهج فقرات علمية ترتقي بالوعي من وحول تلك الممارسات بشكل مستمر, فيتسنى
للمشرع بعدها السيطرة عليها بفاعلية أكبر من خلال الأنظمة. نحتاج إلى فقرات تعزز وعي
الجيل القادم لخطر الاستناد إلى التصنيف للتعرف أو الحكم على من يشاركونا الوطن. و
أيضا تعرض عليهم التنوع الثقافي الذي تتمتع به بيئتنا و تحفز شغفعم لاستكشافه و التعلم
منه (قبل أن يُعرِّفه لهم الأعداء من خلال توظيف خبيث), و أيضا توجههم لكيفية التعايش
مع الآخر عبر الاحترام المتبادل. نرجو من التعليم أن يخلق الحس الاجتماعي الذي يذوب
الاختلافات تحت مظلة الوحدة الوطنية و في نفس الوقت لا يطمس الهوية الفردية.