الأربعاء، 29 أبريل 2015

دعوها فإنَّها منْتِنة


شهدنا في أسبوع واحد نحو ثلاث أحداث تضمنت العنصرية. ألا يبدو الوضع متطور! فلم تعد العنصرية قناعات (بالذهن) أو مشاعر (بالنفس), بل وصلت إلى حد التعبير عن الكراهية و الانتقاص من ذلك الذي يبدو مختلف, و من على منصات الإعلام, حيث لا مانع من أن يشارك الجميع بالاستماع و إبداء الرأي.

لا استغرب وصولنا إلى هذه المرحلة المتقدمة, فنحن بالأساس نأكل و نشرب و نحيا و نموت على ممارسات تصنيف البشر. بالنسبة لنا, يشكل التصنيف مصدرا رئيسا من مصادر المعرفة اليقينة لأصناف الناس و ألوانهم و خبايا و أسرار نفوسهم, و مرجعا هاما للحكم عليهم و لاختيار الطرق التي يستحقون أن نعاملهم بها. و كما تزخر المكتبات و المراجع العلمية العالمية بالتصنيفات المتطورة للحيوانات و الحشرات و النباتات, تزخر ثقافتنا المحلية بقوائم التصنيفات البشرية: لدينا الصالحون و الفاسدون, القبليون و الطرش, البدو و الحضر, المتشددون و الليبراليون, السنة و الطوائف الأخرى, الأحرار و العبيد, الرجال و "الحريم", و الكثير الكثير. للأسف, هذا التخلف الذي يتحكم في إدراكنا, إن دل على شيء فهو يدل على أن الآية: " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" أو الحديث الشريف "دعوها فإنَّها منْتِنة" لم تربينا.

مما لا شك فيه أن هذه التصنيفات تغذي مشاعر الحقد و تشعل النيران في وجوه الأبرياء لمجرد انتماءاتهم. لسنا الوحيدون في هذا العالم ممن يخلقون التصنيفات و يغذون بها الممارسات العنصرية, و لكننا وصلنا إلى مراحل مقززة للغاية, يفوح النتن منها على مستوى واسع, و يشغل الأمة عن قضاياها المصيرية. ذلك لأننا لا نملك الوعي الكافي الذي يعيب على مرتكبها بقسوة و يحقره فيكتمها حفظا (لماء وجهه), و لا نملك القانون الذي يردعه. و أخيرا, ماذا سننتظر؟ سننتظر التعبير البدني عن تلك الكراهية, لأن هناك من يترصد لتلك الشظايا ليشعل بها الشقاق و يحفز الصراع باسم القبائل و المذاهب و الأديان.  

يأتي الوعي أولا, ثم يأتي القانون مكملا. و عند ظهور مشاهد التخلف, ستعود المسؤولية على عاتق التعليم. نسختي مع التحية للدكتور عزام الدخيل, أقول فيها, نرجو أن تتضمن المناهج فقرات علمية ترتقي بالوعي من وحول تلك الممارسات بشكل مستمر, فيتسنى للمشرع بعدها السيطرة عليها بفاعلية أكبر من خلال الأنظمة. نحتاج إلى فقرات تعزز وعي الجيل القادم لخطر الاستناد إلى التصنيف للتعرف أو الحكم على من يشاركونا الوطن. و أيضا تعرض عليهم التنوع الثقافي الذي تتمتع به بيئتنا و تحفز شغفعم لاستكشافه و التعلم منه (قبل أن يُعرِّفه لهم الأعداء من خلال توظيف خبيث), و أيضا توجههم لكيفية التعايش مع الآخر عبر الاحترام المتبادل. نرجو من التعليم أن يخلق الحس الاجتماعي الذي يذوب الاختلافات تحت مظلة الوحدة الوطنية و في نفس الوقت لا يطمس الهوية الفردية.




الأربعاء، 22 أبريل 2015

من نجاح لنجاح


تربينا على العبارة التي تقول: ليس النجاح بالوصول إلى القمة, و لكن بالمحافظة عليها. و إن تأملنا الأمثلة من حولنا, فالأمر يبدو واقعي. هناك دراسة تقول بأن المنتجات الأكثر قبولا بالأسواق ليست التي نجحت بالدخول و الانتشار أولا (First Movers), بل التي دخلت ثانيا.

هل تسائلتم يوما: لماذا تقوم مصانع السيارات بتحديث موديلاتها باستمرار على الرغم من شهرتها الواسعة و سمعتها المتميزة؟ و لماذا تطور مصانع الهواتف الذكية أجهزتها و تطبيقاتها على الدوام بلا كلل أو ملل؟ و لماذا تقوم البنوك و المؤسسات المالية (الدولية) بتطوير خدماتها الاليكترنية و ابتكار حلول تمويلية و ادخارية متجددة؟ لجوء المنشآت إلى تلك الممارسات يتطلب منها الشروع باعمال بحث و تطوير طويلة الأمد, و هي أعمال مكلفة للغاية و لا يمكن التنبؤ بمستقبل واضح لنتائج أبحاثها و لا تأكيد أي عوائد لنفقاتها الهائلة, و لكن بالتأكيد هناك صلة مباشرة و حاسمة بين إصرارها على تبني تلك الممارسات و بين استدامة النجاح و الهيمنة التي تتمتع بها على قمة أسواقها.

لا يمكنك, كرجل أعمال, السيطرة على ضوضاء المشاريع المنافسة و التي قد تسلبك اهتمام الزبائن, كما لا يمكنك أن تحجب عملائك عما تقدمه تلك المشاريع من مزايا تغطي احتياجات لم تخطر على بالك, فيتسربون منك إليها و تفقدك مركزك. أضرب مثلا, في البداية, ظهرت شبكة فيسبوك و هيمنت على قمة خدمات التواصل الاجتماعي. و بعد فترة قصيرة, تقدم الانستقرام إلى الساحة كمنافس صاعد و قوي نجح في جذب المستخدمين من خلال توفير خاصية مشاركة الصور بأسلوب أكثر رشاقة و خفة (نموذج المتابعة (following)), فتبعهما سناب شات ليغطي نواحي لم تطرأ على بال فنيي فيسبوك و لا الانستقرام, فيوجه تفضيلات مستخدمي شبكات التواصل نحو الصور و المقاطع الفورية و اللحظية (الإزالة الأوتوماتيكية). هكذا تعمل المنافسة, و هكذا يخفت تدريجيا بريق الأسماء اللامعة.

القاعدة تقول, إذا أردت أن تحافظ على مركزك, عليك أن تتغير. التحديث أو التغيير المستمر هو أحد أهم دعائم الاستمرار و البقاء أمام المنافسة. و هذا ما تفعله الشركات العريقة, حيث لا تشغلها المراتب المتفوقة عن البحث و التطوير المستمر, لمقابلة كل ما قد يتطلع له الزبائن قبل أن يوفرها المنافس. Walt Disney, الاسم العتيق, تمكنت من مواكبة تطور تقنيات تحريك الرسوم و الصيغ الحديثة لشاشات العرض, منذ نشأتها إلى اليوم, كي لا تختفي و تبقى بالقمة.

تَبْني أعمال البحث و التطوير حواجز معرفية و تقنية (خبرة متراكمة) تصعب على المنافسين تقليدها, و تمنح الشركات السبق في مقابلة تفضيلات الزبائن, و تعقيد خياراتهم الشرائية و التعاقدية. و النتيجة, تأخر خطوات نجاح المنافسين و بقاء الأول بالقمة فترة أطول.

أيضا لا يمكن الجزم بأن العمالقة كـ Apple مثلا, يضعون أحدث ما توصلت إليه تقنياتهم في اصداراتهم الأخيرة جملة واحدة, فقد يتمتعون بامتيازات تجعلهم قادرين على تأجيل إنزالها على فترات أبعد, لحفظ ثرواتهم.


يمكن تعميم القاعدة علينا كأفراد أيضا, فلو كنت شخص ناجح و جماهيري, عليك أن تبقى يقظا بكل ما يطرأ على تفضيلات متابعيك و ما يستجد لدى خصومك, فقد تتجه لأمور لم تخطر على بالك, و إذا لم تتجاوب, فقد تهدد شعبيتك. 

الأربعاء، 15 أبريل 2015

إصلاح التعليم .. تقارير الأداء المدرسي


أختم نقاشي حول إصلاح التعليم بمقالي الرابع من هذه السلسلة, و محور حديثي لليوم هو تقارير الأداء المدرسي.

أبدأ بطرح تساؤل جوهري: كيف يجري العمل اليومي بداخل حوالي 30,000 مدرسة و45  إدارة تعليم؟ بمعنى آخر, إلى أي مدى يمكن أن تتوافق ممارسات و إمكانيات  منسوبيها (المعلمين و الإداريين) التعليمية و القيادية مع الأهداف و السياسات التعليمية بالمنهج و الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم؟

إن التوجه السعودي المستقبلي بشأن التعليم هو التقليل من المركزية و جعل المدارس قادرة على تولي قيادة نفسها في عملية التطوير و تحسين الأداء المستمر, و قادرة على إدارة الجودة و على الاعتماد على المعلومات و المؤشرات عند صياغة الخطط التطويرية و اتخاذ القرارات. إلى جانب تلك الاستقلالية, تتجه الرؤية أيضا إلى تطوير و تفعيل نظام لمراقبة الجودة و إلزام المدارس و إدارات التعليم باصدار تقارير سنوية تلخص إنجازاتها و تعرض نتائج مقاييس تقييم الأداء.

و قد خرجت الاستراتيجية بـ 371 إجراء تنفيذي ضمن 51 برنامج و مشروع تطويري, جميعها تصب بشكل متكامل باتجاه تحقيق الأهداف و الجودة الشاملة للتعليم المحلي بكافة المستويات, بدءا من قمة الهرم الوزاري و انتهاءا بالنظام المدرسي, الطالب, و المجتمع.

بناءا على ما سبق, يمكن تصور حجم التحدي الذي سيواجه الوزير الدخيل لدفع المدارس (المنتشرة) نحو إدراك و تبنى أدوارها الجديدة تجاه متطلبات القرن الـ 21, و قياس و تأكيد جودة الخدمة التعليمية التي تقدمها وفق معايير محلية و عالمية عالية الكفاءة.

لقد حددت الاستراتيجية عشر نواتج (outcomes) تعليمية, كلها مرتكزة على تحسن أداء الطلاب و بشكل قابل للملاحظة, حيث روعيت بأن تكون قابلة للقياس لمعرفة درجات و مواضع القصور. وفقا لذلك, سيكون تقييم أداء المدرسة (معلمين و إداريين) مرهون و مرتبط بشكل رئيس بمدى تقدم أداء الطالب باتجاه النواتج الاستراتيجية. و يتم قياس أداء الطالب بالاعتماد على نتائج عدد من المؤشرات من بينها التقييم الوطني, الاختبارات الدولية (PISA) و (PERILS), اختبار القدرات, التحصيل الدراسي, معدل القراءة الحرة و الكتابة الإبداعية, براءات الاختراع, انحسار السلوكيات السلبية, العنف, و التدخين بين الطلاب, نسب التسرب, الرسوب, الغياب, و التأخير, إلخ. إذن بكل وضوح, جعلت الاستراتيجية الوطنية الطالب مرآة للمدرسة و لما يجري بين حيطانها.

سيتم إلزام المدارس بإصدار تقارير سنوية لتزويد الوزارة بنتائج تلك المؤشرات, لتوفر معلومات قيمة لمتابعة و محاسبة القصور و الانجاز و لاستخدامها كتغذية مرتدة لتحديث برامج التطوير و لتحسين القرارات. سنكون بحاجة إلى إطار يوحد و يحدد المعلومات التي يجب أن تتضمنها تلك التقارير, و يحدد المؤشرات و كيفية قياسها, و مصادر البيانات و المعلومات التي تعتمد عليها.

ختاما, على الرغم من تصاعد معدل الإنفاق الحكومي على التعليم, إلا أن صافي ناتج الخدمة التعليمية (The Bottom-Line) لايزال يظهر حالة غير مطمئنة. أمامنا أولويات إصلاحية تحتم علينا استعجال تركيز الموارد و الجهود نحوها, لقلب النفقات إلى عوائد قبل فوات الأوان و نفاد الموارد. فإلى جانب مشاريع رفع كفاءة المعلمين  والإداريين, نحن بحاجة إلى منهج وطني شامل و معد بوضوح و اتساق و متاح عبر وسيلة حديثة, و بحاجة إلى تقييم جاد للأداء الطلابي, و تقارير بنتائج مؤشرات الأداء المدرسي وفق أسس موحدة.



الأربعاء، 8 أبريل 2015

إصلاح التعليم .. تقييم الأداء الطلابي


نصل اليوم إلى المقال الثالث من سلسلة مقالات إصلاح التعليم, لنكمل استعراض بقية الأدوات الرئيسة لتفعيل استراتيجية الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم العام و تحويلها من وثائق في أعلى الهرم الوزاري إلى تنفيذ فعلي على مستوى التشغيل (المدارس).

اليوم أناقش حاجتنا الماسة إلى أداة أخرى حاسمة لسد الفجوة بين أهداف المنهج و الأداء المدرسي و هي التقييم. نحن بحاجة إلى وجود تقييم وطني, يعقد لمراحل تعليمية مختارة, و يقيس مدى استيعاب الطلاب للمواد و القدرات ذات الأولوية التعليمية (كاللغوية, الرياضية, التواصل و تقنية المعلومات, البحث العلمي, و الوطنية) و يقيس مدى تحولها إلى ممارسة و سلوك بحياتهم, لا يترتب عليه رسوب أو نجاح, و لا يتطلب إعداد مسبق من قبل الطلاب.

يعد التقييم الوطني أداة قياس و متابعة هامة للتحقق من مواكبة الأنشطة التعليمية (الصفية و اللاصفية) بالمدارس مع الأهداف التعليمية الوطنية بالمنهج و الاستراتيجية, و يوفر قاعدة بيانات يمكن الاستفادة منها في التخطيط و الرقابة و المسائلة, و في كشف مواضع القوة و الضعف و سبل التطوير الممكنة للمنهج و الاستراتيجية و الأداء المدرسي. لازلنا نعتمد بشكل كبير على أدوات التقييم التي يعدها المعلمون وفقا للأدلة الإرشادية. و قد لا تغطي تلك الأدوات الجوانب الرئيسة من المنهج أو قد لا يتم إعدادها بالشكل المطلوب, فضلا عن عدم إمكانية الاستفادة من نتائجها في عقد المقارنات بين المدارس على المستوى الوطني كونها غير موحدة. 

و إلى جانب التقييم الوطني, سنكون بحاجة أيضا إلى إشراك الطلبة ببرامج التقييم الدولية و باستمرار, مثل برنامج Programme for International Student Assessment (PISA). تمدنا هذه الخطوة بمؤشرات هامة للتحقق من مواكبة الأهداف التعليمية الوطنية مع المستويات العالمية, حيث لا يمكن أن تتحقق الرفاهية المستديمة للمواطن من دون أن يمتلك القدرة على المنافسة بالمعرفة و الابتكار على صعيد الاقتصادات الدولية. 

في الواقع, يوجد تباين كبير بين إمكانيات الطلاب من خريجي الثانويات و بين متطلبات الجامعات و سوق العمل. على سبيل المثال, فقدان الثقة شعور ملازم للكثير منهم -إن لم يكن الكل - أمام اختبارات قياس و أمام اختبارات القبول التي تشترطها الجامعات الدولية. و بالنسبة للجامعات المحلية, فهي تتحمل أعباءا كبيرة لتدريب المتقدمين إليها كي تتلائم قدراتهم مع برامجها. و بالنسبة للمبتعثين, يشتكي الكثير منهم من وجود صعوبات بالغة لمقابلة متطلبات الدراسات العليا من مهارات البحث العلمي و التفكير النقدي و كتابة المقالات.   

سيواجه المسؤولين بالوزارة معوقات كثيرة و بالأخص عند المراحل الأولى من تنفيذ الاستراتيجية. قد لا تستوعب المدارس أدوارها تجاه احتياجات الطلاب التعليمية للقرن الجديد, أو قد لا تدرك آليات التنفيذ على الوجه الصحيح, بالتالي قد تتأخر في الإستجابة الفاعلة. و لكي تتحول الاستراتيجية إلى واقع على أداء الطلبة, سيتطلب ذلك تبني عدد من الأدوات المساعدة و المتكاملة, من بينها المنهج الوطني المعد بوضوح و التقييم الجاد. سنكون بحاجة لأداة أخرى لا تقل أهمية و هي تقارير الأداء المدرسي المتضمنة عددا من مقاييس الأداء الهامة. ستكون هذه الأداة هي محور نقاش مقالي بالأسبوع القادم و خاتمة السلسلة بإذن الله.


الأربعاء، 1 أبريل 2015

إصلاح التعليم .. منهج وطني شامل


أكد مقالي الماضي على أهمية تكوين رؤية واضحة عن احتياجات الطلاب التعليمية, ملامح الثقافة الوطنية, والمعوقات, كأولى الخطوات للكشف عن المسار الإصلاحي الذي يحقق الاستغلال الأمثل للوقت, الموارد, و الجهود.

و قد صدر مؤخرا عن مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم العام (تطوير) وثيقة بعنوان: الإستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام. حددت تلك الوثيقة جوانب هامة من الاحتياجات التعليمية للطلاب بالقرن الـ21 و عدد من المعوقات و عناصر التطوير الممكنة شملت المناهج, المعلمين, المدارس, إلخ. و نتيجة لوضوح الرؤية لدى القائمين بالمشروع, تمت صياغة الإستراتيجية ليكون الطالب هو محورها الأهم و رأس المال الوطني الأثمن.

بالخطوة المقبلة, سنكون بحاجة إلى وضع ترجمة عملية لتلك الإستراتيجية, تفصل كل ما يجب أن يتعلمه الطلاب, و ما ينبغي أن يقوم بتدريسه المعلمون. و من بين أهم الأدوات المرشدة للتنفيذ الفعلي للاستراتيجية هو "المنهج الوطني" الذي يقوم بتحديد (1) مجالات المعرفة (و منها المواد) و القدرات, (2) أساليب التقييم, و (3) التقارير الدورية (تحصيل الطلاب و إنجازاتهم التعليمية).

شهدت البيئة التعليمية السعودية جهودا كبيرة لتطوير المناهج, نتج عنها تغيير ملحوظ للمحتوى و القدرات و أساليب التدريس, و لكن يبدو أن تلك الجهود لم تكن متكاملة فيما بينها أو متصلة بوضوح, حيث لم تعرض ضمن إطار واحد متسق, يحدد مجالات المعرفة و موادها, و يعرض توصيفات المواد و كيف ترتبط فيما بينها ضمن المرحلة الدراسية الواحدة, و كيف ترتبط خلال المراحل الدراسية المختلفة من الابتدائية و حتى الثانوية, و يحدد أيضا القدرات و القيم الأخلاقية الإسلامية و الاجتماعية المعاصرة, و يعرض كيف يتم دمجها ضمن توصيفات المواد بالمرحلة الواحدة و خلال بقية المراحل, متأثرة بمستوى و طبيعة المجال المعرفي للمادة و أدواتها.

لست بصدد تحديد مجالات المعرفة و القدرات الملائمة لاحتياجات الأبناء بالقرن الحالي, فالدراسات المحلية و تجارب الدول المتقدمة غنية و متطورة للإجابة. و لكني أريد توجيه الانتباه إلى حاجتنا الماسة لامتلاك إطار شامل و عرض واضح و منظم لمنهج وطني, يكون مرجع رئيس لعمليات بناء و تطوير المناهج السعودية (أو المواد) بالمستقبل, و يقلل الاعتماد على ترجمة المواد الأجنبية, إن صح ما يعتقده البعض بخصوص ذلك, و نأمل من المسؤولين أيضا إتاحة ذلك المنهج عبر مصدر واحد (موقع إليكتروني), يصور بوضوح تقدم و ترابط ما يتلقاه الطلاب خلال تقدمهم بالمراحل التعليمية, و يتيح مرجعا غنيا لأطراف العملية التعليمية و الرأي العام للاستفادة و لتيسير المشاركة في التطوير. و نأمل التخطيط المستقبلي لجعل ذلك المرجع الإليكتروني بديلا فاعلا للمناهج التقليدية المطبوعة التي يعاب عليها بطء الاستجابة للتغيرات, التكلفة, الوزن, إثارة الملل, وعدم ملائمتها لاحتياجات الأجيال الحديثة (انعدام وسائط الميديا و أدوات البحث).


نأمل أيضا أن يسد المنهج الوطني الفجوة الثقافية بين المواطن و بيئته المعاصرة التي لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية نتيجة لتطور و سائل الاتصالات و المواصلات, كي يتمكن من التفاعل الإيجابي معها. فعلى الأغلب, تركز المناهج الحالية على إثراء الطلاب بما تتطلبه البيئة المحلية و لكنها لا تلائم حاجتهم إلى فهم متغيرات العالم المحيط بهم (أمثلة لمواد مقترحة: التاريخ الحديث, بيئة الأعمال و العمل, القيادة الناجحة).