ناقش مقالي للأسبوع الماضي عدد من العوامل المؤثرة على خلق الوظائف, و
كانت من بينها مؤثرات خارجية (أي خارجة عن سيطرة المشاريع) و أخرى داخلية. و تأتي
أهمية الموضوع من تطلع القيادة الرشيدة إلى تقليص الفجوة بين الطبقات الغنية و
الفقيرة بالمجتمع, و بالتالي تضييق المنافذ أمام مشكلات تزداد تعقيدا و كثافة كلما
انتشر الفقر.
و وفقا لمؤشرات الناتج القومي للسنوات العشر الأخيرة, حققت المملكة نموا
اقتصاديا باعث للتفائل, و تولي السياسات الوطنية اهتماما كبيرا بتنمية المشاريع
غير النفطية و دعمها. بالتالي, يتوقع المتابع أن تلك النتائج ستؤدي حتما إلى توفير
المزيد من الفرص الوظيفية و من الصعب تصديق ما يخالف ذلك. و لكن دعونا أن نتمهل في
الحكم و نطرح هذا التساؤل, هل يمكن للنمو الاقتصادي أن يوفر الوظائف بالمعدلات
التي تواكب النمو السكاني؟
بالأمس, كانت الإجابة "نعم", و لكن "نعم الأمس"
بدأت تأخذ نموا متباطئا. فبنظرة سريعة على نتائج العقد الماضي, فإن معظم الوظائف الجيدة
"من حيث الأجور و الأمان الوظيفي" قد تم استحداثها من خلال المؤسسات
الحكومية نتيجة للتوسع في الإنفاق على الخدمات و المشاريع. و كما يعلم الجميع, فإن
الانفاق الحكومي يعتمد بشكل رئيس على واردات النفط "غير المستقرة", و بنفس
الوقت لاتزال النتائج الميدانية للخطط التي تهدف إلى تقليص الاعتماد عليه (من خلال
تنمية القطاع الخاص و التعليم) غير متكافئة مع حجم الانفاق الهائل المخصص لها. بالتالي,
لا توجد ضمانة على قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الوظائف بالمعدلات اللازمة لتغطية
احتياج العقد القادم معتمدا على البترول وحده.
أما فيما يتعلق بالقطاع الخاص, فالمعنى الحقيقي للنمو الاقتصادي يتضمن
رفع الانتاجية مع العمل على تخفيض مصاريف التشغيل (التي من ضمنها الأجور)
باستمرار. فالاقتصاد الناجح (نموا) يترك الاختيار للشركات لتحدد كيف و أين يجب أن
تصرف الجهود و الأموال و لو تطلب ذلك الاعتماد على الروبوتات أو العقول الحاسوبية
أو المعدات بدلا من الكوادر البشرية, أو تطلب نقل المشاريع إلى الدول حيث تتوافر
الأيدي منخفضة التكلفة, لكون الشركات أكثر معرفة بظروفها و سبل الاستغلال الأمثل
للامكانيات و التقنيات المتاحة لديها لتحقيق التميز و النمو.
و الجدير بالذكر, أن انكماش الوظائف مشكلة عالمية, أي تمتد جذورها إلى
أغلب الدول الغنية و الفقيرة على حد سواء. و السبب يعود جزئيا إلى تماثل الحلول
الاستراتيجية للشركات فيما يتعلق بترشيد المصروفات التشغيلية استجابة لضغوط
المنافسة الدولية. فالوجهة الاستراتيجية للشركات التي تمارس الصناعات الثقيلة أو
المنسوجات, على سبيل المثال, هي دول جنوب شرق آسيا و الدول الأفريقية حيث الوفرة
العمالية و الأجور المنخفضة, أما مزودي الخدمات (كخدمات الانترنت و صيانة المواقع
و المحاسبة و البرمجة و call centres)
فالعمالة الاستراتيجية هي الهندية و البرازيلية, حيث الوفرة المهارية
و الأجور المنخفضة.
تمثل تلك الظروف تحديا بالغ التأثير على قدرة الشركات على تحقيق التوازن
الدائم بين حاجتها للتميز و النمو (و الذي سينعكس على النمو القومي), و بين قدرتها
على توفير الوظائف بالقدر الذي يتطلع له سوق العمل السعودي و يسد الحاجة الوطنية
المتنامية.
ختاما, وجود النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن مشكلة الوظائف قد وجدت
طريقها للحل النهائي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق