السبت، 25 يوليو 2015

أسعار العقارات بمنطقة مكة .. أين تتجه؟


إذا كانت قدرة المواطنين من ذوي الدخول المتوسطة على شراء قطع الأراضي السكنية في منطقة الرياض أو الشرقية محدودة إلى حد ما, فإن قدرتهم على شراء أراضي سكنية في منطقة مكة قد تبدو مستحيلة.

وفقا لمؤشرات العقار الصادرة عن وزارة العدل, فإن متوسط أسعار قطع الأراضي السكنية في منطقة مكة بلغت 1740 ريال للمتر المربع في عام 1435هـ, مرتفعة بنسبة 78% عن متوسط أسعارها في عام 1432هـ , و هي زيادة تقترب من الضعف لما كانت عليه قبل ثلاث سنوات فقط. و عند مقارنتها مع متوسطات أسعار المناطق, فهي تمثل حوالي ثلاث أضعاف متوسط أسعار قطع الأراضي السكنية في منطقة الشرقية البالغ 584, و حوالي خمس أضعاف متوسط أسعار منطقة الرياض البالغ 325 ريال للمتر المربع في عام 1435.

لم تنتهي القصة هنا, و لا نعلم أين ستنتهي. فالأرقام تشير إلى أن أسعار عقارات منطقة مكة قد أقلعت رحلتها نحو السماء و لا ندري متى ستتخذ مسارا أفقيا أو تتجه إلى أقرب مدرج للهبوط. و ذلك على عكس الحال مع مؤشرات المناطق الأخرى (الرياض و الشرقية و عسير), فهي تبدو أكثر هدوءا و تتحرك بين صعود و هبوط خفيفين, و أيضا تبدو مستجيبة إلى حد ما للتغييرات التنظيمية الأخيرة بالسوق و التي من بينها رسوم الأراضي البيضاء.

و من ينتظر الحلول من أيدي السوق الخفية أقول, المشكلة الحقيقية تكمن في أن ذلك التضخم لا يبدو ناتجا عن فقاعة, كي ننتظر أن تنفجر وحدها و تعود الأسعار إلى مستوياتها المعقولة (أي أنها ليست ناتجة عن سيولة نقدية عالية, داخلة للسوق من جانب الطلب و ستنفد يوم ما, و لا عن عمليات مضاربة). بالتالي لا نعلم ماذا سيحصل إذا استمرت الظروف على حالها خلال العقد القادم, و لا ندري كيف بدأ الناس يتأقلمون مع تلك الظروف التي خرجت عن سيطرة القوانين و عن حدود المعقول.

لكن الذي نعلمه هو أن هناك آثار اقتصادية مترتبة عن استمرار الارتفاع في الأسعار على مستوى الأفراد تتمثل في ازدياد الضغوط المالية عليهم أو اضطرار البعض إلى المبالغة في الإنفاق على المساكن (و هو إنفاق استهلاكي), بدلا من استثمار الأموال في مشاريع تدر بعوائد و تسد الاحتياجات الشخصية و الأسرية المتنامية.


ختاما, منطقة مكة ذات طبيعة خاصة حيث تعد بيئة ثرية بالفرص الاستثمارية في مجالات متعددة من أهمها السياحة. ولكن قد تكون تلك الخاصية واحدة من أهم مسببات ارتفاع أسعار العقار بالمنطقة. فالسياحة تتصل بشكل مباشر مع السوق العقاري من جانب الفندقة و من جانب المراكز التجارية و الخدمية و المواقف و غيرها. بالتالي ينبغي أن تصاغ الحلول بطريقة تأخذ في الاعتبار تلك الظروف الخاصة بالمنطقة حتى تقود إلى معالجة مثلى و سريعة.  

السبت، 18 يوليو 2015

النمو الاقتصادي و وفرة الوظائف


ناقش مقالي للأسبوع الماضي عدد من العوامل المؤثرة على خلق الوظائف, و كانت من بينها مؤثرات خارجية (أي خارجة عن سيطرة المشاريع) و أخرى داخلية. و تأتي أهمية الموضوع من تطلع القيادة الرشيدة إلى تقليص الفجوة بين الطبقات الغنية و الفقيرة بالمجتمع, و بالتالي تضييق المنافذ أمام مشكلات تزداد تعقيدا و كثافة كلما انتشر الفقر. 

و وفقا لمؤشرات الناتج القومي للسنوات العشر الأخيرة, حققت المملكة نموا اقتصاديا باعث للتفائل, و تولي السياسات الوطنية اهتماما كبيرا بتنمية المشاريع غير النفطية و دعمها. بالتالي, يتوقع المتابع أن تلك النتائج ستؤدي حتما إلى توفير المزيد من الفرص الوظيفية و من الصعب تصديق ما يخالف ذلك. و لكن دعونا أن نتمهل في الحكم و نطرح هذا التساؤل, هل يمكن للنمو الاقتصادي أن يوفر الوظائف بالمعدلات التي تواكب النمو السكاني؟

بالأمس, كانت الإجابة "نعم", و لكن "نعم الأمس" بدأت تأخذ نموا متباطئا. فبنظرة سريعة على نتائج العقد الماضي, فإن معظم الوظائف الجيدة "من حيث الأجور و الأمان الوظيفي" قد تم استحداثها من خلال المؤسسات الحكومية نتيجة للتوسع في الإنفاق على الخدمات و المشاريع. و كما يعلم الجميع, فإن الانفاق الحكومي يعتمد بشكل رئيس على واردات النفط "غير المستقرة", و بنفس الوقت لاتزال النتائج الميدانية للخطط التي تهدف إلى تقليص الاعتماد عليه (من خلال تنمية القطاع الخاص و التعليم) غير متكافئة مع حجم الانفاق الهائل المخصص لها. بالتالي, لا توجد ضمانة على قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الوظائف بالمعدلات اللازمة لتغطية احتياج العقد القادم معتمدا على البترول وحده.

أما فيما يتعلق بالقطاع الخاص, فالمعنى الحقيقي للنمو الاقتصادي يتضمن رفع الانتاجية مع العمل على تخفيض مصاريف التشغيل (التي من ضمنها الأجور) باستمرار. فالاقتصاد الناجح (نموا) يترك الاختيار للشركات لتحدد كيف و أين يجب أن تصرف الجهود و الأموال و لو تطلب ذلك الاعتماد على الروبوتات أو العقول الحاسوبية أو المعدات بدلا من الكوادر البشرية, أو تطلب نقل المشاريع إلى الدول حيث تتوافر الأيدي منخفضة التكلفة, لكون الشركات أكثر معرفة بظروفها و سبل الاستغلال الأمثل للامكانيات و التقنيات المتاحة لديها لتحقيق التميز و النمو.

و الجدير بالذكر, أن انكماش الوظائف مشكلة عالمية, أي تمتد جذورها إلى أغلب الدول الغنية و الفقيرة على حد سواء. و السبب يعود جزئيا إلى تماثل الحلول الاستراتيجية للشركات فيما يتعلق بترشيد المصروفات التشغيلية استجابة لضغوط المنافسة الدولية. فالوجهة الاستراتيجية للشركات التي تمارس الصناعات الثقيلة أو المنسوجات, على سبيل المثال, هي دول جنوب شرق آسيا و الدول الأفريقية حيث الوفرة العمالية و الأجور المنخفضة, أما مزودي الخدمات (كخدمات الانترنت و صيانة المواقع و المحاسبة و البرمجة و call centres) فالعمالة الاستراتيجية هي الهندية و البرازيلية, حيث الوفرة المهارية و الأجور المنخفضة.

تمثل تلك الظروف تحديا بالغ التأثير على قدرة الشركات على تحقيق التوازن الدائم بين حاجتها للتميز و النمو (و الذي سينعكس على النمو القومي), و بين قدرتها على توفير الوظائف بالقدر الذي يتطلع له سوق العمل السعودي و يسد الحاجة الوطنية المتنامية.

ختاما, وجود النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن مشكلة الوظائف قد وجدت طريقها للحل النهائي.



السبت، 11 يوليو 2015

خلق الوظائف


أحد معالم السياسة الوطنية للاقتصاد السعودي اهتمامها الكبير بجانب توفير الوظائف, و هي بذلك لا تختلف عن التوجه القائم لدى الدول الصناعية, و التي أدركت جميعها أن المسألة تمثل تحديا يكبر يوما بعد يوم.

إن توفير الفرص الوظيفية لا يتم فقط من خلال تطبيق برامج السعودة و تعزيز انتشارها, و لكن تشمل أيضا الإتفاقيات و عقود التعاون و الشراكات بين المملكة و الدول الأخرى للتجارة الحرة, برامج استقطاب المشاريع و رواد الأعمال الدوليين, دعم و تنمية المشاريع المحلية القائمة, تحفيز الشباب لفتح المشاريع الخاصة, و سد الحاجة للمهارات المتطورة بتحقيق إصلاح شامل للتعليم. تلك جوانب هامة لجعل الفرص الوظيفية تواكب النمو السكاني المتزايد. و لن يكفي الاهتمام بتنمية الوظائف عدديا, بل ستظهر الحاجة لتحسينها نوعيا من خلال الاهتمام برفع جودتها من نواحي عدة منها الأجور, الأمان الوظيفي, الحقوق, و السلامة.

و على الصعيد الدولي, هناك انكماش في معدلات الفرص الوظيفية الجيدة لاسباب تعود إلى عدة عوامل خاصة بالقرن الحادي و العشرين, منها (1) العولمة (Globalization) و التبادل التجاري الحر (Liberal trade), (2) التسهيلات الإئتمانية (Financialization), و (3) التغيرات التكنولوجية (Automation).

نحن جزء من هذا العالم, و ما يحدث فيه يؤثر بشكل مباشر و غير مباشر على الوضع المحلي فيما يتعلق بوفرة الفرص الوظيفية و جودتها. لذلك نحن بحاجة إلى أن نستوعب أبعاد المشكلة و انعكاسات الظروف المحيطة دوليا على الوضع الداخلي لنتبنى السياسات الوطنية الأكثر ملائمة.

فقد نتج عن تقدم المواصلات و الاتصالات (العولمة) تسهيل التبادل التجاري و ارتفاع المنافسة بين الأيدي العاملة. أصبح بامكان الشركات الوصول إلى عمالة دولية تتمتع بمهارات متقدمة و تكاليف منافسة, و ذلك من خلال الاستقدام أو عن طريق الاستئجار الإليكتروني للخدمات (Outsourcing), أو من خلال نقل المشاريع إلى بلدانها. من هنا تبرز الحاجة إلى تدعيم الاقتصاد الوطني بتعليم يتجاوب مع تلك التحديات بتوفير كوادر وطنية لا تقل مهاريا عن نظرائها الدوليين, و ذلك لدعم أهداف السعودة و مقابلة حاجة الشركات إلى تحقيق التميز التنافسي.

و نقلا عن الكاتب Ken-Hou Lin من موقع The Broker, انحسر نمو الوظائف تزامنا مع لجوء الشركات الكبرى إلى ممارسة أنشطة التمويل (منح القروض) بدلا من الاستثمار في توسعة نشاطها التجاري (من خلال فتح فروع جديدة و توفير الوظائف). أيضا انحسرت الوظائف تزامنا مع الضغوط المالية الناتجة عن الإقتراض المتكرر للشركات و التوزيعات الربحية التي يطالب بها كبار المستثمرين. تؤثر تلك العوامل على وفرة الكاش لدى الشركات و تخفض قدرتها على الإنفاق على مشاريع التوسع. و قد ظهرت أصوات مطالبة باعتماد سياسات تحد من الممارسات التمويلية للشركات, كخطوة لمعالجة مشكلة انكماش الوظائف.

و أخيرا, أدى التقدم التكنولوجي إلى نمو الوظائف التي تتطلب مهارات تقنية عالية, و هي لسوء الحظ لا يدعمها التعليم. أيضا أتاحت التكنولوجيا الفرصة لبعض الشركات لتقوم باستبدال العمالة بالآلات و الأنظمة الإليكترونية التي تعمل بكفاءة و انتاجية منافسة للكوادر البشرية.

عرضت الفقرات السابقة جوانب هامة من الظروف المعاصرة و التي تؤثر بشكل أو بآخر على وفرة الوظائف و جودتها, و هي عوامل تتطلب الاهتمام و المتابعة من واضعي السياسة الاقتصادية الوطنية المتعلقة بخلق الوظائف.


السبت، 4 يوليو 2015

إنجازات التعليم .. و ضبابية المسار الصحيح


إن أهمية التعليم لا تـأتي فقط من استحواذه على ربع ميزانية المملكة و التي إن لم تتحول إلى عوائد فستكون خسائر, و لا فقط من حاجة اقتصادنا الطارئة للاعتماد على الثروة البشرية (المتجددة) و خفض الاعتماد على الثروة النفطية, و إنما أيضا من حاجة الأبناء إلى تعليم يصنع لجيلهم و لوطنهم الفرق, و يرتقي برفاهيتهم إلى المستويات العالمية. 

بعد دمج وزارتي التربية و التعليم و التعليم العالي, شملت مسؤوليات الوزارة الكبرى ثلاث مهام: إصلاح و تطوير التعليم العام (المدارس), الإشراف على تطوير الجامعات, و تنظيم الابتعاث. و تختلف حجم المسؤولية فيما بينها, فالجامعات تملك الكفاءات التي تمكنها من إدارة التطوير ذاتيا, أما المدارس فهي تفتقر لتلك القدرة تماما, و مشاكلها المتراكمة و المتفاقمة خير دليل على ذلك, بالتالي فهي بحاجة ملحة لإشراف أكثر كثافة و قربا من الجامعات.

و لقد حظيت وزارة التعليم بعناية ملكية كبيرة, فهي مدعومة باستراتيجيات مدروسة و عالية الجودة (تطوير و آفاق), لتسير قراراتها و سياساتها و برامجها وفقا لرؤى واضحة حول احتياجات الطلاب التعليمية و الظروف, و وفقا لتحديدا دقيقا للأهداف و آليات تنفيذها و المخطط الزمني لذلك. بالتالي فإن احتمالية حدوث انحرافات في الأداء الفعلي (فيما يتعلق باستغلال الموارد و الجهود عبر القرارات) عن المخطط يتوقع أن تكون محدودة.

الأهم من ذلك كله, و فرت تلك الاستراتيجيات للمهتمين في متابعة انجازات الوزارة معايير هامة للحكم في أدائها و مدى ارتباط قراراتها و مبادراتها بالأهداف الاستراتيجية لتطوير التعليم, و ذلك من خلال المقارنة بين البرامج و المشاريع الفعلية (الأداء الفعلي) و البرامج و المشاريع المخططة ضمن الاستراتيجيات (الأداء المخطط). 

و الجدير بالذكر, أنه قبل بضع أسابيع, ظهرت انتقادات موجهة للوزارة عبر وسائل التواصل, فكان رد الوزارة في مطبوعة انفوجرافيك تعرض أهم إنجازاتها خلال 130 يوم. فاختلف الجمهور في الحكم في مدى فاعلية و ارتباط تلك الانجازات بمسؤوليات الوزارة الرئيسة تجاه تطوير التعليم.

و سبب الاختلاف, هو أن الوزارة عندما تعلن عن انجازاتها أو أخبار أنشطتها لا توضح مدى ارتباطها بالأهداف الاستراتيجية للتطوير المعتمدة في استراتيجياتها حتى يتمكن المتابع من رؤية و تقييم مدى اتصال النشاط الفعلي بالنشاط المخطط و المدروس. و أيضا لا تبرر الوزارة أسباب عدم التوافق إن حصل (كما حدث في قضية مسابقة الشعار, حيث تردد اعتقاد بوجود سوء إدارة للموارد). ترك القضايا غير مبررة أو تزويد الجمهور بمعلومات مبعثرة (أي غير متصلة بأهداف محددة) لا يساعد على الحكم الصحيح في فاعلية الأداء و كفاءة الجهود, مهما كانت فاعلة.

و وفقا لـ "تطوير", أمام الوزارة عشر أهداف, و 374 اجراءا مخططا لتنفيذها بينها برامج و مشاريع و مبادرات, لكن لا توجد تقارير تبين مدى تقدم الوزارة فيها, أو ما إذا كان هناك تحديث بالاستراتيجية. إننا نعيش في مجتمع تبنى قراراته وفقا لدراسات و معرفة دقيقة بالظروف و الاحتياجات و الأهداف و النتائج, لذلك نتوقع أن تكون القرارات محكومة بذلك.

نأمل من الوزارة أن تبرهن على فاعلية أنشطتها بالاشارة إلى مدى ارتباطها بأهدافها المدروسة, حتى لا تبدو و كأنها تأخذ بالابناء و الموارد نحو تجارب غير محددة الاتجاهات و النتائج.