إذا كانت قدرة المواطنين من ذوي الدخول المتوسطة على شراء قطع الأراضي
السكنية في منطقة الرياض أو الشرقية محدودة إلى حد ما, فإن قدرتهم على شراء أراضي
سكنية في منطقة مكة قد تبدو مستحيلة.
وفقا لمؤشرات العقار الصادرة عن وزارة العدل, فإن متوسط أسعار قطع
الأراضي السكنية في منطقة مكة بلغت 1740 ريال للمتر المربع في عام 1435هـ, مرتفعة
بنسبة 78% عن متوسط أسعارها في عام 1432هـ , و هي زيادة تقترب من الضعف لما كانت
عليه قبل ثلاث سنوات فقط. و عند مقارنتها مع متوسطات أسعار المناطق, فهي تمثل حوالي
ثلاث أضعاف متوسط أسعار قطع الأراضي السكنية في منطقة الشرقية البالغ 584, و حوالي خمس أضعاف متوسط أسعار منطقة الرياض البالغ 325 ريال للمتر
المربع في عام 1435.
لم تنتهي القصة هنا, و لا نعلم أين ستنتهي. فالأرقام تشير إلى أن أسعار
عقارات منطقة مكة قد أقلعت رحلتها نحو السماء و لا ندري متى ستتخذ مسارا أفقيا أو تتجه
إلى أقرب مدرج للهبوط. و ذلك على عكس الحال مع مؤشرات المناطق الأخرى (الرياض و
الشرقية و عسير), فهي تبدو أكثر هدوءا و تتحرك بين صعود و هبوط خفيفين, و أيضا تبدو
مستجيبة إلى حد ما للتغييرات التنظيمية الأخيرة بالسوق و التي من بينها رسوم
الأراضي البيضاء.
و من ينتظر الحلول من أيدي السوق الخفية أقول, المشكلة الحقيقية تكمن في
أن ذلك التضخم لا يبدو ناتجا عن فقاعة, كي ننتظر أن تنفجر وحدها و تعود الأسعار إلى
مستوياتها المعقولة (أي أنها ليست ناتجة عن سيولة نقدية عالية, داخلة للسوق من
جانب الطلب و ستنفد يوم ما, و لا عن عمليات مضاربة). بالتالي لا نعلم ماذا سيحصل إذا
استمرت الظروف على حالها خلال العقد القادم, و لا ندري كيف بدأ الناس يتأقلمون مع تلك
الظروف التي خرجت عن سيطرة القوانين و عن حدود المعقول.
لكن الذي نعلمه هو أن هناك آثار اقتصادية مترتبة عن استمرار الارتفاع
في الأسعار على مستوى الأفراد تتمثل في ازدياد الضغوط المالية عليهم أو اضطرار
البعض إلى المبالغة في الإنفاق على المساكن (و هو إنفاق استهلاكي), بدلا من
استثمار الأموال في مشاريع تدر بعوائد و تسد الاحتياجات الشخصية و الأسرية المتنامية.
ختاما, منطقة مكة ذات طبيعة خاصة حيث تعد بيئة ثرية بالفرص
الاستثمارية في مجالات متعددة من أهمها السياحة. ولكن قد تكون تلك الخاصية واحدة
من أهم مسببات ارتفاع أسعار العقار بالمنطقة. فالسياحة تتصل بشكل مباشر مع السوق
العقاري من جانب الفندقة و من جانب المراكز التجارية و الخدمية و المواقف و غيرها.
بالتالي ينبغي أن تصاغ الحلول بطريقة تأخذ في الاعتبار تلك الظروف الخاصة بالمنطقة
حتى تقود إلى معالجة مثلى و سريعة.