وزير جديد, وزارة جديدة, نفقات متزايدة و هائلة, أصداء لتوجهات سعودية
طموحة و جادة لإصلاح التعليم. و السؤال الأهم الآن: من أين يبدأ ذلك الإصلاح؟
إن قرار دمج الوزارتين يضع الوزير الجديد عزام الدخيل أمام عدد من
الخيارات الممكنة للإصلاح, و لكن ينبغي اتخاذ المسار الإصلاحي الأمثل و الذي يعجل
من تجويد المخرجات و يحفظ مقدرات الوطن (غير المتجددة), و يعيد خلقها من جديد (قبل
نضوب مصادرها).
لا شك أن خبرة الوزير في الأعمال تجعله مدركا جيدا لقيمة تلك الموارد
النافدة و الوقت اللذان بين يديه اليوم, و مدركا جيدا للشرف العظيم الذي ينتظره من
صناعة جيل القرن الحادي و العشرين, الذي يحقق تطلعات الوطن في التقليل من الاعتماد
على الثروة الطبيعية و يستبدلها بالعنصر الإنساني المتميز.
معالي الوزير, لقد طال الانتظار لاكتشاف المسار الحقيقي للإصلاح
الأمثل و الذي من شأنه الحد من استنزاف الموارد و الوقت. و قد ترتب على ذلك تقدم منافسينا
من الدول الصناعية النامية إلى مراتب دولية أكثر تفوقا منا, أما محليا فالبطالة,
الفساد, و الاحباط. لم يكن تأخرنا
نتيجة لضعف في الامكانيات, و إنما لخطأ في تركيز السياسات التعليمية و الجهود في
معالجة مشكلات لم تكن الأساس (عدم وضوح الرؤى عند وضعها).
بما أننا أمام وزارة بيضاء, ينبغي أن ندرك أنه لا يمكن أن يبدأ الإصلاح
من مجرد الإستعجال في إعادة الهيكلة التنظيمية و تشكيل الوزارة الجديدة, فذلك سيكون
استنزاف مجدد للموارد. و لكن يبدأ الإصلاح الحقيقي من دراسة و تحديد عنصرين
أساسيين: العنصر الأول: احتياجات أبنائنا التعليمية بالقرن الحادي و العشرين و
ملامح ثقافة الجيل القادم (وضوح الرؤية المستقبلية); العنصر الثاني: تحديد أهم
تحديات التعليم العام و العالي و أبرز معوقات التطوير (فهم عميق للوضع الراهن). إن
البدء من تحديد هذين العنصرين سيمكن من الخروج بمجموعة من الرؤى الواضحة و
السياسات التعليمية الممكنة و التي تأخذ في الإعتبار الفرص و الموارد و الوقت
المتاح و تحديات البيئة التعليمية الراهنة. و بعد الانتهاء من تحديد الرؤى و
السياسات, تبدأ أعمال الهيكلة التنظيمية للوزارة و تتوزع الإدارات, الأقسام, و
اللجان بالشكل الذي يدعم تفعيل تلك السياسات و يتابع و يقيس تحقيق تطلعاتها.
ستكون لدينا أولويات إصلاحية تحدد أين ينبغي أن تصرف معظم الجهود و
الموارد بين الأقسام. فمثلا, قد تكون أكبر تحديات التعليم المعاصر هو غياب المنهج
الوطني الذي يحدد مجالات المعرفة و القدرات التي يحتاج إليها الطلاب خلال تقدمهم
بالمراحل الدراسية من الابتدائية و حتى الثانوية (الحاجة للاهتمام بالتعليم
المبكر) و من ثم الجامعية (الحاجة لمقابلة احتياجات
سوق العمل). أيضا, قد تكون أكبر معوقات تفعيل ذلك المنهج هو مدى استعداد المعلمين
التأهيلي. من هنا تنطلق السياسات لتقوم بتوجيه الجهود الادارية و الموارد بأولوية نحو
اللجان الموكلة ببناء ذلك المنهج, و أيضا نحو توفير التدريب اللازم للمعلمين الحاليين,
و رفع معايير القبول بالوظيفة التعليمية للمعلمين الجدد (تجربة فنلندا الناجحة).
ختاما, إن مسار الإصلاح الأمثل الذي يعجل تحقيق الجودة للتعليم و يحفظ
و يعيد خلق الموارد يبدأ من وضوح الرؤى و فاعلية تركيز السياسات; فماهي احتياجات الأبناء التعليمية في هذا
القرن, و أين تكمن أبرز المعوقات!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق