الأربعاء، 11 مارس 2015

التعبير عن الرأي


يأتي التعبير عن الرأي على مستويين, يهتم المستوى الأول ببراعة الفكرة, و أما المستوى الثاني فيهتم ببراعة العرض التقديمي لها. تتجلى براعة الفكرة في وضوحها و قدرتها على برهنة ما تدعيه من منافع في مختلف الظروف. أما براعة العرض فلا تقل أهمية عن براعة الفكرة, و قد تصبح الجانب الأهم في بعض الظروف. هناك آراء تنتشر بأقل مجهود في العرض, و من أمثلتها الأفكار البسيطة على الأفهام و المألوفة أو التقليدية (كالمتداولة عبر الواتس أب). و هناك آراء تأخذ جهدا كبيرا في الصياغة لتصبح سهلة الهضم, مثيرة للاهتمام, و محفزة للتأييد, و قد تتطلب كذلك تفهم كبير لتقاليد, خلفية, تطلعات, و تعليم الجمهور المراد توصيلها إليه حتى تبدو مألوفة, متطورة, نافعة و محفزة لدعمهم, و من أمثلتها الأفكار غير المألوفة, الحديثة أو المعقدة (كالمتداولة بين الباحثين أو الفنيين, و بعض قرارات المسؤولين). أحد أهم دواعي التعبير عن الرأي هو إحداث التأثير الإيجابي على المجتمع. و بكل الأحوال, سيتطلب التغيير وقت و عدم الاستعجال بالنتائج و مراعاة و احترام كبيرين لتطلعات المجتمع.

الآن أبدأ ببناء فكرتي (محور مقالي لهذا الاسبوع), و أبذل ما أملكه من جهد حتى أعرضها بالشكل الذي يحترم و يليق بذكاء القارئ.

في أي مجتمع, تتعدد تيارات الفكر بحسب التنوع الثقافي الذي يحتضنه. بالتالي من الطبيعي أن يمر أفراد المجتمع الواحد بصدامات فكرية متكررة, و لكن ليس من الطبيعي أن يهدأ و يتوحد و يتطابق في جميع وجهات النظر المتداولة فيه. وجود التطابق بأي مجتمع قد يعني وجود احتكار و هيمنة على خيارات ما يعرض عبر قنوات التعبير عن الرأي الأكثر شعبية, أو وجود تركيبة "كيموثقافية" تعطى بجرعات منتظمة لتخريج أفراد لا يجرأون على الاعتراض, أو إعداد نفوس تستعظم بدواخلها المخاوف من كل شيء غير مألوف حتى لا ترى و لا تعي سوى ما يتوافق مع ما تم دمغه بعقولها, ما يصعب انتشار الأفكار المتطورة و يبطء التأثير الإيجابي المراد منها.

في الواقع, يمر مجتمعنا بمرحلة غير مسبوقة من الانفتاح و فرص التلاقح الثقافي و النضج المعرفي لتعدد و تنوع قنوات الإعلام و التواصل الإجتماعي و الحريات التي تتيحها للفرد لنشر و تلقي كل ما يخطر في البال مما لا يمس بالأمن القومي و العقائدي. و على الرغم من أنه لازلنا نشهد مرور الكثير من الأفكار السخيفة أو المغلوطة, لكن مع ذلك, الوضع مطمئن و صحي, و لا يدعو للقلق. فتلك دلالة على اتساع قنوات النشر و انفتاح أبوابها لاستقبال كل الرسائل. و قد ساهم ذلك في تكون نضج معرفي ملحوظ بالمجتمع, حيث يقوم أفراده بالتقييم و التصحيح من تلقاء أنفسهم مستخدمين معايير (لا فضل لمؤسسات التعليم المحلية فيها) أبتكرها أفراده و تعارفوا عليها للحد من مرور الأفكار المتدنية كمعيار "السماجه", "فوبيا التغريب و التآمر الخارجي", "خطأ الحكم في النوايا", و "خطأ التعميم". 

و البشارة التي أود أن أختم بها, هي أننا نملك بيئة متعطشة للأفكار الناضجة و المتطورة و نملك عقول ذكية و متعلمة, و لا ينقصنا سوى القليل من البراعة في إعداد العروض التقديمية لها لتتمكن من المرور الكاسح و حشد التأييد.









 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق