الأربعاء، 25 مارس 2015

إصلاح التعليم .. منهج وطني


أكد مقالي بالأسبوع الماضي على ضرورة البدء من تكوين رؤية واضحة عن احتياجات الطلاب التعليمية بالقرن الـ 21, ملامح الثقافة الوطنية, و المعوقات, كي يتم التوصل للمسار الإصلاحي الذي يحقق الاستغلال الأمثل للوقت, الموارد, و الجهود.

و قد صدر مؤخرا عن مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم العام (تطوير) وثيقة بعنوان: الإستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام. حددت تلك الوثيقة جوانب هامة من الاحتياجات التعليمية للطلاب بالقرن الجديد و عدد من المعوقات و عناصر التطوير الممكنة شملت المناهج, المعلمين, المدارس, إلخ. و نتيجة لوضوح الرؤية لدى القائمين بالمشروع, تم صياغة الإستراتيجية ليكون الطالب هو محورها الأهم و رأس المال الوطني الأثمن.

بالخطوة المقبلة, سنكون بحاجة إلى وضع ترجمة عملية لتلك الإستراتيجية, تفصل كل ما يجب أن يتعلمه الطلاب, و ما ينبغي أن يقوم بتدريسه المعلمون. و من بين أهم الأدوات المرشدة للتنفيذ الفعلي للاستراتيجية هو "المنهج الوطني" الذي يقوم بتحديد (1) مجالات المعرفة (و منها المواد) و القدرات, (2) أساليب التقييم, و (3) التقارير الدورية (تحصيل الطلاب و إنجازاتهم التعليمية).

لقد شهدت البيئة التعليمية المحلية جهودا كبيرة لتطوير المناهج السعودية, نتج عنها تغيير ملحوظ للمحتوى و القدرات و أساليب التدريس, و لكن يبدو أن تلك الجهود لم تكن متكاملة أو متصلة بوضوح, حيث لم تعرض ضمن إطار واحد متسق, يحدد مجالات المعرفة و المواد, و يعرض توصيفاتها و كيف ترتبط فيما بينها ضمن المرحلة الدراسية الواحدة, و كيف ترتبط خلال المراحل الدراسية المختلفة من الابتدائية و حتى الثانوية, و يحدد أيضا القدرات و القيم الأخلاقية الإسلامية و الاجتماعية المعاصرة, و يعرض كيف يتم دمجها ضمن توصيفات المواد بالمرحلة الواحدة و خلال بقية المراحل, متأثرة بمستوى و طبيعة المجال المعرفي للمادة و أدواتها.

لست بصدد تحديد مجالات المعرفة و القدرات الملائمة لاحتياجات الأبناء بالقرن الحالي, فالدراسات المحلية و تجارب الدول المتقدمة غنية و متطورة للإجابة. و لكني أريد توجيه الانتباه إلى حاجتنا الماسة لتوفير إطار شامل و عرض واضح و منظم للمنهج الوطني, ليكون مرجع رئيس لعمليات بناء و تطوير المناهج السعودية (أو المواد), فيحد من أعمال الترجمة للمناهج الأجنبية, إن صح ما يعتقده البعض بخصوص ذلك, و نأمل من المسؤولين إتاحة ذلك المنهج عبر مصدر واحد (موقع إليكتروني), يصور بوضوح تقدم و ترابط ما يتلقاه الطلاب خلال تقدمهم بالمراحل التعليمية, و يتيح مرجعا غنيا لأطراف العملية التعليمية و الرأي العام للاستفادة و لتيسير المشاركة في التطوير. و نأمل التخطيط المستقبلي لجعل ذلك المرجع الإليكتروني بديلا فاعلا للمناهج التقليدية المطبوعة التي يعاب عليها أنها بطيئة للاستجابة للتغيرات, مكلفة, ثقيلة, مقيدة, مملة, و عديمة الفاعلية أمام احتياجات أجيال التكنولوجيا (انعدام وسائط الميديا و أدوات البحث).


نأمل أيضا أن يسد المنهج الوطني الفجوة الثقافية بين المواطن و بيئته المعاصرة التي لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية نتيجة لتطور و سائل الاتصالات و المواصلات, فيتجنب الصدام السلبي معها. فعلى الأغلب, تركز المناهج الحالية على إثراء الطلاب بما تتطلبه البيئة المحلية و لكنها لا تسد حاجتهم إلى توسيع المدارك و فهم متغيرات العالم المحيط بهم (أمثلة لمواد: التاريخ الحديث, بيئات الأعمال و العمل, و القيادة).   

الأربعاء، 18 مارس 2015

إصلاح التعليم – من أين يبدأ؟


وزير جديد, وزارة جديدة, نفقات متزايدة و هائلة, أصداء لتوجهات سعودية طموحة و جادة لإصلاح التعليم. و السؤال الأهم الآن: من أين يبدأ ذلك الإصلاح؟

إن قرار دمج الوزارتين يضع الوزير الجديد عزام الدخيل أمام عدد من الخيارات الممكنة للإصلاح, و لكن ينبغي اتخاذ المسار الإصلاحي الأمثل و الذي يعجل من تجويد المخرجات و يحفظ مقدرات الوطن (غير المتجددة), و يعيد خلقها من جديد (قبل نضوب مصادرها).

لا شك أن خبرة الوزير في الأعمال تجعله مدركا جيدا لقيمة تلك الموارد النافدة و الوقت اللذان بين يديه اليوم, و مدركا جيدا للشرف العظيم الذي ينتظره من صناعة جيل القرن الحادي و العشرين, الذي يحقق تطلعات الوطن في التقليل من الاعتماد على الثروة الطبيعية و يستبدلها بالعنصر الإنساني المتميز.

معالي الوزير, لقد طال الانتظار لاكتشاف المسار الحقيقي للإصلاح الأمثل و الذي من شأنه الحد من استنزاف الموارد و الوقت. و قد ترتب على ذلك تقدم منافسينا من الدول الصناعية النامية إلى مراتب دولية أكثر تفوقا منا, أما محليا فالبطالة, الفساد, و الاحباط. لم يكن تأخرنا نتيجة لضعف في الامكانيات, و إنما لخطأ في تركيز السياسات التعليمية و الجهود في معالجة مشكلات لم تكن الأساس (عدم وضوح الرؤى عند وضعها).

بما أننا أمام وزارة بيضاء, ينبغي أن ندرك أنه لا يمكن أن يبدأ الإصلاح من مجرد الإستعجال في إعادة الهيكلة التنظيمية و تشكيل الوزارة الجديدة, فذلك سيكون استنزاف مجدد للموارد. و لكن يبدأ الإصلاح الحقيقي من دراسة و تحديد عنصرين أساسيين: العنصر الأول: احتياجات أبنائنا التعليمية بالقرن الحادي و العشرين و ملامح ثقافة الجيل القادم (وضوح الرؤية المستقبلية); العنصر الثاني: تحديد أهم تحديات التعليم العام و العالي و أبرز معوقات التطوير (فهم عميق للوضع الراهن). إن البدء من تحديد هذين العنصرين سيمكن من الخروج بمجموعة من الرؤى الواضحة و السياسات التعليمية الممكنة و التي تأخذ في الإعتبار الفرص و الموارد و الوقت المتاح و تحديات البيئة التعليمية الراهنة. و بعد الانتهاء من تحديد الرؤى و السياسات, تبدأ أعمال الهيكلة التنظيمية للوزارة و تتوزع الإدارات, الأقسام, و اللجان بالشكل الذي يدعم تفعيل تلك السياسات و يتابع و يقيس تحقيق تطلعاتها.

ستكون لدينا أولويات إصلاحية تحدد أين ينبغي أن تصرف معظم الجهود و الموارد بين الأقسام. فمثلا, قد تكون أكبر تحديات التعليم المعاصر هو غياب المنهج الوطني الذي يحدد مجالات المعرفة و القدرات التي يحتاج إليها الطلاب خلال تقدمهم بالمراحل الدراسية من الابتدائية و حتى الثانوية (الحاجة للاهتمام بالتعليم المبكر) و من ثم الجامعية (الحاجة لمقابلة احتياجات سوق العمل). أيضا, قد تكون أكبر معوقات تفعيل ذلك المنهج هو مدى استعداد المعلمين التأهيلي. من هنا تنطلق السياسات لتقوم بتوجيه الجهود الادارية و الموارد بأولوية نحو اللجان الموكلة ببناء ذلك المنهج, و أيضا نحو توفير التدريب اللازم للمعلمين الحاليين, و رفع معايير القبول بالوظيفة التعليمية للمعلمين الجدد (تجربة فنلندا الناجحة).

ختاما, إن مسار الإصلاح الأمثل الذي يعجل تحقيق الجودة للتعليم و يحفظ و يعيد خلق الموارد يبدأ من وضوح الرؤى و فاعلية تركيز السياسات; فماهي احتياجات الأبناء التعليمية في هذا القرن, و أين تكمن أبرز المعوقات!



الأربعاء، 11 مارس 2015

التعبير عن الرأي


يأتي التعبير عن الرأي على مستويين, يهتم المستوى الأول ببراعة الفكرة, و أما المستوى الثاني فيهتم ببراعة العرض التقديمي لها. تتجلى براعة الفكرة في وضوحها و قدرتها على برهنة ما تدعيه من منافع في مختلف الظروف. أما براعة العرض فلا تقل أهمية عن براعة الفكرة, و قد تصبح الجانب الأهم في بعض الظروف. هناك آراء تنتشر بأقل مجهود في العرض, و من أمثلتها الأفكار البسيطة على الأفهام و المألوفة أو التقليدية (كالمتداولة عبر الواتس أب). و هناك آراء تأخذ جهدا كبيرا في الصياغة لتصبح سهلة الهضم, مثيرة للاهتمام, و محفزة للتأييد, و قد تتطلب كذلك تفهم كبير لتقاليد, خلفية, تطلعات, و تعليم الجمهور المراد توصيلها إليه حتى تبدو مألوفة, متطورة, نافعة و محفزة لدعمهم, و من أمثلتها الأفكار غير المألوفة, الحديثة أو المعقدة (كالمتداولة بين الباحثين أو الفنيين, و بعض قرارات المسؤولين). أحد أهم دواعي التعبير عن الرأي هو إحداث التأثير الإيجابي على المجتمع. و بكل الأحوال, سيتطلب التغيير وقت و عدم الاستعجال بالنتائج و مراعاة و احترام كبيرين لتطلعات المجتمع.

الآن أبدأ ببناء فكرتي (محور مقالي لهذا الاسبوع), و أبذل ما أملكه من جهد حتى أعرضها بالشكل الذي يحترم و يليق بذكاء القارئ.

في أي مجتمع, تتعدد تيارات الفكر بحسب التنوع الثقافي الذي يحتضنه. بالتالي من الطبيعي أن يمر أفراد المجتمع الواحد بصدامات فكرية متكررة, و لكن ليس من الطبيعي أن يهدأ و يتوحد و يتطابق في جميع وجهات النظر المتداولة فيه. وجود التطابق بأي مجتمع قد يعني وجود احتكار و هيمنة على خيارات ما يعرض عبر قنوات التعبير عن الرأي الأكثر شعبية, أو وجود تركيبة "كيموثقافية" تعطى بجرعات منتظمة لتخريج أفراد لا يجرأون على الاعتراض, أو إعداد نفوس تستعظم بدواخلها المخاوف من كل شيء غير مألوف حتى لا ترى و لا تعي سوى ما يتوافق مع ما تم دمغه بعقولها, ما يصعب انتشار الأفكار المتطورة و يبطء التأثير الإيجابي المراد منها.

في الواقع, يمر مجتمعنا بمرحلة غير مسبوقة من الانفتاح و فرص التلاقح الثقافي و النضج المعرفي لتعدد و تنوع قنوات الإعلام و التواصل الإجتماعي و الحريات التي تتيحها للفرد لنشر و تلقي كل ما يخطر في البال مما لا يمس بالأمن القومي و العقائدي. و على الرغم من أنه لازلنا نشهد مرور الكثير من الأفكار السخيفة أو المغلوطة, لكن مع ذلك, الوضع مطمئن و صحي, و لا يدعو للقلق. فتلك دلالة على اتساع قنوات النشر و انفتاح أبوابها لاستقبال كل الرسائل. و قد ساهم ذلك في تكون نضج معرفي ملحوظ بالمجتمع, حيث يقوم أفراده بالتقييم و التصحيح من تلقاء أنفسهم مستخدمين معايير (لا فضل لمؤسسات التعليم المحلية فيها) أبتكرها أفراده و تعارفوا عليها للحد من مرور الأفكار المتدنية كمعيار "السماجه", "فوبيا التغريب و التآمر الخارجي", "خطأ الحكم في النوايا", و "خطأ التعميم". 

و البشارة التي أود أن أختم بها, هي أننا نملك بيئة متعطشة للأفكار الناضجة و المتطورة و نملك عقول ذكية و متعلمة, و لا ينقصنا سوى القليل من البراعة في إعداد العروض التقديمية لها لتتمكن من المرور الكاسح و حشد التأييد.









 


الأربعاء، 4 مارس 2015

متى و كيف أنطلق بمشروعي للعالمية؟

 يمكن للمشاريع المحلية الخروج بعلامات تجارية عالمية إذا أجادت التخطيط لذلك. و قد أجاب مقالي بالأسبوع الماضي على السؤالين "لماذا" و "أين", اليوم أكمل ما بدأته بالإجابة على السؤالين "متى" و "كيف" أنطلق بمشروعي للعالمية.

أستهل بالسؤال "متى" الذي يبحث فيما يمتلكه المشروع من مزايا أو موارد خاصة تمكنه من الحضور المنافس و القوي بالأسواق الدولية المستهدفة.  و يجب أن تكون تلك المزايا أو الموارد قيمة (أي تصنع قيمة للمشروع أو تعالج جوانب من قصوره), صعبة التقليد, و نادرة حتى تمكنه من المنافسة على المدى البعيد. من أمثلة تلك المزايا, الممتلكات المعرفية أو التقنية التي يكونها المشروع مع مرور الزمن نتيجة أنشطة الأبحاث و التطوير, الممارسة و الخبرة. يمكن للمشاريع تسخير تلك الممتلكات لإخراج سلسلة من المنتجات الأكثر تطورا و جذبا بالأسواق (أمثلة: منتجات آبل, خدمات جوجل).

تعد الشهرة الحسنة من الممتلكات النادرة أيضا بأي مشروع و يصعب قرصنتها أو تقليدها. يمكن صناعة الشهرة من خلال الإنفاق المستمر على تحسين المنتج أو الخدمة و على أنشطة التسويق و الإعلانات.

مثال آخر, قد يمتلك أحد المشاريع كفاءات إدارية متميزة أو هيكلة تنظيمية فريدة تمكنه من تكوين رؤية ثاقبة للمستقبل, سرعة اقتناص الفرص, التخطيط, الاتصالات و تكويد المعارف و المعلومات, و العديد من المهام الإدارية اللازمة لبيئات الأعمال الحديثة. 
إذن, عليك أن تحدد و بدقة مالذي يمتلكه مشروعك من امكانيات نادرة و قيمة, حتى تعرف ما إذا كان قد حان الوقت لقص التذاكر و الخروج به عبر الحدود.  
وصلنا لسؤالنا الأخير "كيف تنطلق". هناك ثلاث طرق متعارف عليها بين التجار الدوليين و تشمل التصدير, التوكيل, و الاستثمار المباشر.

يعد التصدير الأقل تكلفة من بين الأنواع الثلاثة كونه لا يتطلب التواجد بفروع في الخارج, لكنه الأقل قدرة على تلمس احتياجات السوق و الاستجابة السريعة لتفضيلاته السعرية أو السلعية, و قد يواجه المشروع مشكلات جمركية أو إخلال بعقود التبادل للبضائع و النقود.

أما التوكيل فيتضمن قيام المشروع بالاتفاق مع أشخاص دوليين يقومون بأدوار الوكلاء بالسوق المستهدف لإدارة التوزيع بالنيابة. مرة أخرى, هذه الطريقة أقل تكلفة من طريقة الإستثمار المباشر, لكنها تعاني من وجود ثغرات تسمح بسوء الاستغلال و الإخلال بالاتفاقيات من جانب الوكلاء كونهم الأكثر قدرة على فهم تغيرات السوق, الأنظمة, و الإجراءات المحلية و قد يسعون إلى تحقيق مصالح خاصة على حساب سمعة و شهرة الشركة الأم (أمثلة الاستغلال: سوء خدمة العملاء, سرقة الباقات الترويجية, رفع الأسعار و العمولة).

نختم بطريقة الاستثمار الأجنبي المباشر أو ما يعرف بـ FDI و التي تتضمن امتلاك فروع بالخارج للتواجد بشكل مباشر و تعيين ممثلين من الشركة الأم يقومون بإدارة التوزيع و الرقابة أو الإشراف على التصنيع من هناك. تعتبر هذه الطريقة مكلفة حيث تتطلب فتح مكاتب و توظيف عمالة و لكنها أكثر أمنا و ملائمة للمشاريع التي تتطلب استجابة سريعة و رقابة دقيقة. أيضا, تلائم هذه الطريقة المشاريع التي تبحث عن عمالة دولية.

أخيرا, يمكن لمشروعك تكوين علامة تجارية عالمية, و لتحقيق ذلك, قم بالإجابة على أربعة تساؤلات جوهرية: لماذا ينبغي علي التخطيط لذلك؟ أين؟ متى؟ كيف؟