الأربعاء، 25 فبراير 2015

هل تحلم بالعالمية لمشروعك؟


إن كنت تحلم بذلك, فأنت تفكر بشكل سليم. يستحق مشروعك أن تضع ضمن أولوياته الاستراتيجية خلق علامة تجارية يكون لها حضور بارز و منافس بالأسواق الدولية. و اليوم سأخصص مقالي للإجابة على أسئلة رئيسه تعين رواد الأعمال المبتدئين البدء بالتخطيط الاستراتيجي لتحقيق ذلك الحلم الطموح, و تلك الأسئلة كالتالي: لماذا ينبغي علي أن أخرج بمشروعي للأسواق العالمية؟ أين و متى؟ و كيف؟

نبدأ بلماذا, و يعد هذا التساؤل الأهم كونه يخلق الدافع للانطلاق و الإصرار عند مواجهة التحديات. فحينما يحاول مشروع محلي اكتساح أسواق إقليمية أو دولية و ينجح في مساعيه, سيحقق عدد من المزايا التي تجعله يتفوق على منافسيه المحليين و من ثم تأمين البقاء و الاستمرارية على المدى البعيد. كيف يحدث ذلك؟ يحدث عندما يكتشف المشروع أسواق جديدة لبيع خدماته أو منتجاته, ما يعني امتلاك موارد دخل إضافية, أو عندما يكتشف موردين دوليين يعرضون خدماتهم أو منتجاتهم التي يحتاج إليها لتشغيل أنشطته بتكاليف أقل أو بأداء و جودة أعلى من تلك المتوفرة للمنافسين المحليين, ما يمكن من تنزيل الأسعار أو رفع الأداء و من ثم جذب مزيد من الزبائن, بالتالي امتلاك موارد دخل إضافية. إن تعدد و تفوق موارد الدخل بأي مشروع يعني امتلاكه أدوات تجعله أكثر جاهزية و إمكانية للسيطرة على تحولات المنافسة المحلية و الاستمرارية كونه الأقدر على إحراج المنافسين الحاليين و تعقيد دخول المنافسين الجدد.

أين و متى؟ يحقق هذا التساؤل في الظروف المكانية و الزمانية التي ينبغي التأكد من ملائمتها للمخطط الاستراتيجي العالمي للمشروع حتى ينجح. فان كان الدافع من الخروج هو اكتشاف أسواق جديدة لتوزيع المنتجات و الخدمات, فينبغي أن تتمتع المنطقة المستهدفة بتعداد سكاني كبير من فئة الشباب بالأخص, و أن تتمتع بمعدلات بطالة متراجعة و دخول نامية (أسواق ناشئة). من أمثلة تلك المناطق الصين, اندونيسيا, الهند, و البرازيل حيث تتنامى الصناعة المحلية و تنتشر علاماتها التجارية دوليا.

و لكن إذا كان المشروع يبحث عن موردين دوليين, فالأنسب تحديد نوعية الخدمات أو المنتجات التي يحتاج إليها المشروع أولا حتى يتمكن من إيجاد الظروف المكانية و الزمانية الملائمة. فمثلا, إذا كان المشروع يعتمد على عدد كبير من الأيدي العاملة كأنشطة تصنيع السيارات أو حياكة المنسوجات, فالأنسب هي الدول التي تتمتع بكثافة سكانية و تعاني من البطالة أو الفقر لأنها توفر عمالة مخفضة التكاليف. من أمثلة تلك الدول بنجلاديش, بورما و عدد من الدول الأفريقية كنيجيريا.

و لكن إن كان المشروع يحتاج لخبرات بحثية و تقنية متطورة أو إمكانيات إدارية و تسويقية معقدة, فينبغي التواجد بالمناطق التي تحتضن جامعات متميزة تسهم في إمداد المشاريع بكوادر عالية الكفاءة, أو التواجد بالمناطق التي تكتظ بالمصانع المماثلة, لكي يمكن الاستفادة من التجمع التقني و العمالة ذات الخبرات المتقدمة و التي قد لا تتوافر سوى في تلك المناطق. من أمثلة تلك الدول أميركا, بريطانيا, اليابان و كوريا. 
   
مقالي القادم سيجيب عن السؤالين "متى" و "كيف" لتمكين الانطلاقه.    


الأربعاء، 18 فبراير 2015

دكتوراه السريحي و الفساد العلمي


يبدو أن سنن الحياة لا تختلف و لو تعددت و تنوعت المجتمعات الإنسانية. و يبدو أن النظرة السائدة بأي ظرف يشغله الإنسان ستمارس سطوتها باستبداد من شأنه إسقاط كل من يحاول المرور عبر جسور غير جسورها.

ينبغي أن لا نندهش من الحقيقة المتضمنة وجود الفساد في المجتمع العلمي. و قد تتمثل صور الفساد لديهم في تبني استراتيجيات و معايير يُزعم بأنها علمية و لكنها معدة بطريقة تقود إلى نتائج بحثية مقررة مسبقا (متحيزة منهجيا و موضوعيا) و ذلك على حساب الاسهام المعرفي و الأصالة العلمية. إن الحيادية (أو التحرر من التحيزات الإنسانية) من أهم مؤشرات القوة التي يمكن أن يتمتع بها البحث العلمي, و الاستهانة بذلك يعني الانهيار لذلك الكيان.

لندخل في موضوعنا و نتسائل: ما معنى أن تقوم مؤسسة علمية بحجب رسالة دكتوراه قامت على منهج أعترف به المجتمع البحثي الذي قُدمت له و حصلت على قبوله بتقدير "جيد جدا"؟

ألا يدل قبول المجتمع العلمي على سلامتها من أي خلل خطير في المنهج التحليلي الذي اعتمدته و السياق الموضوعي للمحتوى و العرض؟

لقد أشارت المصادر المتداولة إلى أن سبب الحجب يعود إلى احتواء الرسالة على " أفكار و عبارات و منهج غامض لا يتفق و تعاليم و مباديء ديننا و بيئتنا و مجتمعنا الاسلامي". و لكن تؤكد الجهات المناصرة لقضية السريحي على أن الرسالة لا تحتوي على أي عبارات مخالفة للمعتقدات الدينية. و بالرغم من ذلك, لم يقدم مجلس الجامعة (و الذي قد لا يمت بصلة للمجتمع البحثي للرسالة)  أي مبررات لقراره من صلب ما يعتقده من افتراضات و استراتيجيات علمية يتبناها في التقييم, مكتفيا بتلك العبارة الإنشائية و التي تحمل درجة كبيرة من الغموض هي أيضا. و المثير للاستغراب, قيام الجامعة بالتشكيك في إمكانياتها العلمية عندما وصفت منهج الرسالة "بالغامض", مشيرة و بطريقة غير مباشرة إلى ضعف لجنة المناقشة و التي لم تدرك ذلك الخلل الخطير و أوصت بمنح الدرجة للسريحي.

إن الصمت الذي تعيشه الجامعة إزاء ما يتم كشفه من تفاصيل خانقة من جانب أنصار السريحي يرفع احتمالات وجود الفساد في الطريقة التي تنتهجها الجامعة في تقييم نتائج الأبحاث العلمية. يجب على الجامعة أن تقوم بتقديم مبررات علمية مفصلة تأخذ في الحسبان ما تحمله الإداعات الموجهة ضدها, حتى يتمكن الشاهد من تقييم مواقف طرفي القضية و الحكم على درجة نزاهة استراتيجيات الجامعة العلمية. إن الصمت لن يكون في مصلحة الجامعة, و قد يدل على وجود نهج استبدادي تجاه المجتمع الذي وُجدت كي تسهم في تنميته و تكون مرآة لقيمه و تطوره, و ليس لإقصاءه و تجاهل قضاياه.

ختاما, نأمل من الجامعة أن تبرئ موقفها بالرد اللائق, فتؤكد بذلك على احترامها للمجتمع و تؤكد أن قرار الحجب كان مستندا على مبررات علمية واضحة و قوية, و لم يكن نتيجة مواقف متعسفة و استغلال متبجح للنفوذ الوظيفي, ما يعني الفساد.




الأربعاء، 11 فبراير 2015

لو كنت أعلم


قد لا تتفق أو يتفق القارئ العزيز معي إن قلت بأن المعرفة قوة تفوق في عظمتها أكثر أنواع الأسلحة فتكا و تطورا. و السبب ببساطة, أنه من دونها, ما صُنعت تلك الأسلحة. هي كذلك, و بخاصة, إن تمكن الإنسان من الاستحواذ عليها بأسبقية و بحصرية.

يزخر العالم المعاصر بالآلاف من الشواهد الحية التي تبرهن على ما قدمته المعرفة المتطورة للبشرية من قوة, سلطة, ثروة, أمان, و رفاهية. فمثلا, ساهم تطور المعرفة بعلوم الفضاء في ظهور الأقمار الإصطناعية, و لا يخفى على أحد, ما أحدثته تلك الصناعة من تغييرات جذرية على البشرية بالعقود الأخيرة على عدة أصعدة. و بغض النظر عن طبيعة المعرفة المراد تملكها, نجد هناك اهتمام كبير من قبل العديد من الجهات كالبنوك و الشركات و مواقع التواصل بالانترنت للاستحواذ على بيانات عملائها و تحضيرها في قوالب يمكن المتاجرة بها. و إن دل ذلك على شيء, فإنما يدل على وجود ميزة معرفية من وراء امتلاكها, تعيها جيدا الجهات التي تشتريها.  

الذي يهمني اليوم, هو تعزيز أواصر المودة و الألفة بين الإنسان الذي أصفه بالمندهش "أو الحائر" و بين المعرفة. في الحياة الاجتماعية, يعيش الانسان تحت سيطرة تفضيلات من يسبقه بالسلم الاجتماعي, و كلما تصادم مع تلك التفضيلات, التي لم يملك يوما اختيارها, أصابته الدهشة "أو الحيرة" حول ماهيتها, أسباب نشوئها, سر نفوذها, و كيفية مواجهتها. تستمر معه تلك الحيرة حتى يمتلك الوعي التام بها (العلم بتفاصيلها المهمة), ليتمكن من مواجهتها بالشكل الأمثل الذي يخفف من سطوتها عليه و يحقق له ذاته. ولكن قد يأخذ "تكوين الوعي" وقت ليس بالهين من عمر الانسان و قد يضيع عليه العديد من الفرص إلى حين امتلاكه. 

بالرغم من أن حب المعرفة شيء فطري, و تتبدى أعراضه على الانسان في أحيان كثيرة, إلا أنه قد لا يدرك ذلك, و قد لا يدرك أيضا مدى تعلقه بها, و مدى حاجته إلى تطوير أدواته المعرفية إلى المستوى الذي يمكنه من الفهم الصحيح "و المبكر" لما يراه أو ما يحيط به, فيتمكن من خلق حيزه الخاص و بث تفضيلاته من خلاله (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).


يعيب على الإنسان أنه يبالغ في الإعجاب بحواسه, فيظن أنها تنقل له الحقيقة نقية و خالصة. و الواقع, الحواس هي أبسط أدوات المعرفة و أكثرها بدائية, و غالبا ما تفشل في الوصول للحقيقة. و السبب هو اعتمادها الكلي على العقل أو الذاكرة في التعرف على الأشياء و التنبؤ, و إذا لم يملك العقل معرفة متقدمة و أدوات معرفية ملائمة, قد لا يصل للفهم الصحيح مبكرا, أو قد يصل إليه و لكن بصيغة ملتبسة, تضعه ضمن حيز يخدم تفضيلات من يتفوقون عليه معرفيا لاعتماده عليهم. و نظرا لضعفه المعرفي, إذا شعر بوجود شيء غير مألوف و مثير للدهشة و المخاوف, سيقوم بطلاءه من ألوان كان يعرفها مسبقا عن أشياء شبيهة, غير مدركا التشويه و التشويش الذي يرتكبه في حق الشيء و في حق مستقبله الذي لا يمكن أن يبنى إلا على الوعي السليم بحقيقة الأشياء و الأسبقية المعرفية. 

الأربعاء، 4 فبراير 2015

كيف أصنع النجاح لأفكاري؟


كما تفرز الغدد الصماء الهرمونات, تفرز عقولنا الأفكار. و هي نتيجة تأملات أو عصف ذهني بدافع الخروج بحلول أو كشف مسببات مشكلة ما. و الأفكار تعكس اعتقاداتنا في نوعين من الأشياء أو الموجودات: الأولى ما تراه أعيننا أو تسمعه أذاننا أو تشعر به بقية حواسنا (موجودات محسوسة أو ملموسة). و الأخرى تعكس موجودات غير مرئية أو ملموسة و لكنها محددة بالأذهان, قد يؤمن بوجودها الإنسان, و يفهم ما تشتمل عليه من معاني و صفات من دون أن يملك القدرة على رؤيتها أو لمسها كالحسد, الوطنية, الحب, الطموح.

كلا النوعين من الموجودات يمكن التعبير عنها في شكل مفاهيم (مسميات و تعاريف), ثم يمكن تكوين علاقات فيما بينها لتصبح فرضيات أو نظريات. إن تحديد و تعريف المفاهيم أمر مهم كي يتحقق لها القبول و الانتشار أو تبنى منها النظريات. و التعاريف قد تأخذ صيغة مجردة (abstract), أي تركز على تحديد الصفات العامة و المشتركة للشيء الموجود (التلفزيون مثلا), مستغنية عن تفاصيله الخاصة (اللون و الحجم) و أنواعه المتطورة (الأسود و الأبيض, الملون, البلازما) و ذلك لغرض تكوين مفاهيم و نظريات يمكن استعمالها أو تعميمها بصورة أوسع (universal). فيكون تعريف التلفزيون وفقا لذلك: جهاز يقوم باستقبال إشارات إليكترونية و من ثم تحويلها إلى صور متحركة و أصوات عبر شاشة عرض.   

بالأعلى مقدمة مختصرة لمكونات الأفكار كي يسهل استيعاب الفقرات التالية. و سؤال مقالي لليوم يبحث في أسباب نجاح أفكار و فشل أخرى. لنتفق أولا أن مقياس نجاح الفكرة هو قدرتها على حشد الاعتراف و قابليتها للتطبيق العملي و الانتشار (عموميتها و نفعها).

هناك مشكلتين تعترض نجاح الأفكار بأي مجتمع. المشكلة الأولى تتعلق بالفكرة نفسها, و تشمل (1) درجة البراعة في بنائها لتبدو للسامع عملية, متطورة, و ملائمة للحاجات الانسانية.  و تشمل أيضا (2) مدى الاتقان في أسلوب عرضها بشكل يضمن أن تستوعبه أو تفهمه الثقافة السائدة أو الوعي العام, و يتطلب الاتقان في العرض أن لا تستخدم مفاهيم غير واضحة للمجتمع المقصود حشد اعترافه من دون تقديم تفاصيل وافية, تمزج بين روح الفكرة و بيئتهم, و لا تتصادم مع قيمهم بشكل متبجح أو لا يحترم حقهم في الفهم التام, مخاوفهم مما قد يترتب عليها, و حقهم في الاختيار.

و المشكلة الثانية التي تعترض نجاح الأفكار تتعلق بمدى استعداد المجتمع لاستيعابها - مستوى أدواته المعرفية التي تساعده على الفهم الصحيح. يمكن تحديد ذلك بالاجابة على الاسئلة التالية: إلى أي مدى يمكن للفرد بذلك المجتمع التمييز بين الآراء و الحقائق, فيتجنب تشويش الشائعات أو الافكار المغلوطة و يميز بوضوح الأفكار الجيدة منها و يقبلها؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزاته الشخصية (ميله لقبول أفكار ذات نمط متكرر, فيرفض أو يتجاهل غيرها و لو كانت جيدة من دون مبررات مقنعة)؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزات و دوافع الاشخاص الذين يستمع لأفكارهم؟ لأنهم قد يحجبونه عن الاستماع لغيرهم لدوافع عدة منها الحفاظ على شعبيتهم.

ختاما, قد تموت أفكارمبدعة في مهدها, و تنتشر أفكار فاسدة, يعتمد نجاح الفكرة بشكل أكبر على الابداع في بنائها و عرضها و على مستوى الادوات المعرفية للجمهور المستهدف.