الأربعاء، 28 يناير 2015

لقد رحل


في كل زاوية تلتفت إليها تسمع صوته, صوت التغيير, التطوير, الحداثة التي أرادها لشعبه. لقد رحل, لكن صوته لايزال يتردد, يسمعه المواطن و يستشعر أصداءه أينما حل أو ارتحل. كانت كلمته الأولى و الأخيرة المواطن, و صادقت مشاريعه كلماته, لتكون محورها الانسان, حمايته, كرامته, و تقدمه.

لقد رحل قبل أن يرى الفجر الذي رسم ملامح بزوغه, رحل قبل أن يبتهج صدره برؤية الحلم, حلمه في تخريج نماذج وطنية و اسلامية تبرهن للعالم قدرتها على صناعة و ريادة الانسانية في مختلف المجالات.

لقد صنع الحروف, و لم ينسى أبدا, أن يجعل علامات تشكيلها الانسان. لم ينسى ذلك, بالرغم من قسوة و تأثير الظروف و الاضطرابات التي أحاطت بحدود دولته, و امتدت الى قلبها. لقد كانت أحلامه يقينا في عينيه, يقينا مكنه من رؤية الكلمات التي ستقوم بتكوينها أنامل أبناءه مستعينين بحروفه.

التغيير, التطوير, و الريادة العالمية للانسانية عبارات يتردد صداها في كل موضع من هذا الوطن. رحيله لن يغيبها, بل سيحفز من ظهور الخلف الذين أدركوا طريقته و آمنوا بعالميتها.

ستعيد طريقته الاعتبار الدولي للمواطن و المسلم, ستزيل عنه الحيرة التي سكنت في نفسه طويلا, ستسلمه الأداة, و تستحث عزيمته, ستحفظ حقه, و ستحفظ كرامته, ستفرض التغيير الايجابي الذي لا يستثني أحدا, مسؤولا كان أو طفلا, بالإصرار و الثبات و الإيمان.

لقد اتخذت مشاريعه شكلا متسقا دارت حلقاته حول حياة المواطن. و انطلقت من مركزها الأهم, البناء المعرفي. لذلك لم يتوقف لحظة عن دعم و تطوير التعليم بجميع مراحله, و عمد على موازات تلك الجهود المحلية, بمنح الابتعاث الخارجية, ليستعجل بإخراج الكوادر المتقدمة.

ثم أولى عناية كبيرة بسوق العمل, ليعيد تشكيله من خلال تحديث و تفعيل أنظمة العمل, حتى يجد ذلك الانسان البيئة التي تحمي و تدعم تقدمه. تلى ذلك عنايه فائقة ببيئة الأعمال و الصناعة, فأعاد تطوير الأنظمة التجارية و أنظمة الاستثمار, و أنشأ المدن الصناعية, ليتوفر المناخ الصناعي المتقدم للفرد المستثمر, و تستحدث و تنمو الفرص الوظيفية للفرد الباحث عن العمل. أما على الصعيد القومي, فكانت احدى أكبر آماله, بناء المجتمع المعرفي الذي ينعم أفراده بريادة المعارف و التقنيات, و تنوع و تطور مصادر الدخل و المنتجات.

و قد أدرك أن تلك التحديثات النظامية لن تستقيم مالم يتوفر نظام قضائي متقدم يدعم تفعيلها, فيحقق العدالة و يحمي الحقوق. فأطلق مشروعه الطموح لتطوير القضاء, الذي يتضمن عدد من التغييرات الهامة و التي من بينها انشاء المحاكم المتخصصة.

و لأن محور اهتمامه المواطن, تقدمه و حمايته, قام بادخال و تفعيل الحكومة الاليكترونية. و هي حكومة ذكية, تستعين بالأنظمة الحديثة للمعلومات لتسريع انجاز المعاملات و بكفاءة عالية. و تقوم كذلك بالاستعانة بأدوات رقابية متقدمة تمكن المسؤولين من متابعة سير التعاملات و القضاء على ثغرات كبيرة للفساد بالسابق.

حاولت بكلماتي المتواضعة اختصار عرض مسيرة تغيير عظيمة قادها ملك الانسانية, صاحب الطريقة العالمية, التي لم ينسى للحظة أن يجعل روحها و قلبها النابض, الانسان. لن تفي كلماتي حقه, لكن له الوعد منا, نحن أبناءه, بأن نكمل المسيرة, حتى نصنع من حروفه أحلامه.  


الأربعاء، 21 يناير 2015

مشروع التحول لمعايير المحاسبة الدولية


تتجه الرؤية للعديد من دول العالم نحو اعتماد معايير موحدة لقياس و عرض المعاملات المالية و الاقتصادية للمنشآت التجارية. و بلغ عدد الدول التي طبقت معايير التقرير المالي (IFRS) و الصادرة عن مجلس معايير المحاسبة الدولية (IASB)  نحو 90 دولة, و بلغ عدد الدول التي تسمح للشركات باعتمادها نحو 120 دولة. يدعم مشروع توحيد المعايير المحاسبية عدد من المنظمات الدولية الهامة كصندوق النقد الدولي, مجموعة العشرين G20, البنك الدولي, و Basel Committee.

المملكة العربية السعودية, كأحد أعضاء مجموعة العشرين, قد باشرت مشروع التحول و وضعت خطة زمنية لاعتماد معايير IFRS على القوائم المالية للشركات المدرجة في السوق المالية و المعدة عن الفترات المالية اعتبارا من 1/1/2017. أما بالنسبة للمنشآت الاخرى فستطبق المعايير على القوائم المالية المعدة عن الفترات المالية بدءا من 1/1/2018.

تتميز معايير IFRS بسمة الاعتماد على المبدأ, و هي بذلك تعطي مساحة للمدير المالي أو التنفيذي ليقوم باستخدام خبراته و امكانياته في معالجة و قياس العمليات المالية المعقدة أو غير المعتادة, و يعد قراره معتبر مالم يخالف المباديء و الأطر المفاهيمية المنصوص عليها بالمعيار, مع ضرورة تدعيم ذلك بالادلة الكافية. إن اعتماد IFRS على المباديء يقلص الحاجة لسن قاعدة محاسبية لكل حالة أو معاملة اقتصادية طارئة, و هو بذلك يختلف عن الجاب الأمريكي (US GAAP) حيث تستجيب المعايير بشكل دقيق و مفصل لكل حالة, و النتيجة, تضخم المجلدات بالمعايير التي قد لا تلائم سوى البيئة المحلية, و لو ارتفعت جودتها.

و من بين المزايا الأخرى لمعايير IFRS أنها تخضع لتطوير و تحديث مستمر استجابة للتطورات الاقتصادية العالمية. بالتالي لن تكون الدول المطبقة لها بحاجة للانفاق و لا لتخصيص الجهود لتطوير أي معايير محلية.

و تتمتع معايير IFRS بالسمعة الجيدة و الجودة حسب ما تراه الكثير من المنظمات الدولية و الأكاديميين.  و قد اظهرت الدراسات وجود انخفاض في تكاليف رؤوس الأموال, و ارتفاع في جودة المعلومات المالية الواردة بالتقارير المالية المعدة وفقا لمعايير IFRS.

أضف إلى ما سبق, إن اعتماد معايير دولية موحدة سيحد من حاجة الشركات للانفاق في سبيل اعداد مجموعتين من التقارير: الأولى وفقا للمعايير المحلية (استجابة لنظام سوق المال المحلي) و الأخرى وفقا للمعايير الدولية (استجابة للمهتمين من الاطراف الأجنبية). أيضا, تمكن المعايير الموحدة مستخدمي التقارير المالية من اجراء المقارنات للمعلومات المالية الواردة بين طياتها لمختلف الشركات الأجنبية, و ذلك لاعتمادها على نفس الأسس عند القياس و العرض.

أما بالنسبة للمشاكل المتوقعة من اعتماد IFRS فهي قد تتضمن استغلال بعض المدراء بالشركات لبعض الفجوات المحتملة بتفاصيل تلك المعايير و ذلك لاظهار نتائج الأعمال في صورة مغايرة لواقعها, و لا ننسى أن معظم الأرقام المحاسبية عبارة عن تقديرات, تعتمد تلك التقديرات بشكل كبير على رؤية و توقعات الإدارة, و للادارة الدافع لاظهار النتائج في صورة مطمئنة و متنامية كي تتجنب المسائلة من قبل ملاك الأسهم من المستثمرين و المقرضين.

ختاما, بالرغم من أن مشروع التحول يعد خطوة قوية, إلا أن المعايير بحد ذاتها لن تكفي. ستظل هناك حاجة ماسة لتفعيل عدد من الأدوات الرقابية الداعمة, سيكون لي حديث عنها مستقبلا.


  


الأربعاء، 14 يناير 2015

المهنية في التعليم و الصحة


تعبر المهنية (professionalism) عن لياقة و أناقة الشخص في مهنته. تعكس امكانياته و أدواته المعرفية العالية, و تطبيقاته و أساليبه التقنية المتقدمة التي تمكنه من أداء مهماته على أكمل وجه. تدفع المهنية الافراد إلى البحث عن الحلول و التنبؤ و الاستعداد المبكر للمشكلات لتلافي وقوعها و تجنب تقديم الأعذار. تملي المهنية على الفرد ضرورة الالتزام بوعوده و الحرص على مقابلة توقعات و احترام حقوق كل من لهم علاقة بالمهنة. المهنية سمة لا يمكن أن يتصف بها سوى الناجحون, و هي من العلاملات التي تصنع فوارق جلية بين من يستحقون الثقة و من لا يستحقونها.

الغرض من مقال اليوم هو تصوير ممارسات و سلوكيات الموظفين عند غياب المهنية في أهم قطاعين, لا يكاد ينقطع عنهما المواطن في حياته: التعليم و الصحة. 

أبدأ أولا بمجال التعليم لنرى كيف ستكون عليه الممارسات غير المهنية للمعلمين. غياب المهنية يعني عدم وجود ضوابط و معايير تحكم سلوكيات المعلم و المستوى العلمي و المعرفي المتوقع منه.

و حينما يشكو أولياء الأمور من تعسف المعلمين في تعاملهم مع أبنائهم أو من وجود حواجز تمنع الاتصال بهم لايصال رفضهم مما قد يصدر عنهم من تقصير في الأداء أو ممارسات غير أخلاقية في حق أبنائهم, و حينما ينظر الناس للمدارس و كأنها معتقلات مملوكة لأطراف, لا تقبل الاستماع لوجهات النظر الأخرى, لا تريد التغيير أو التطوير, و لكن تريد أن تفرض أساليبها التقليدية الطاردة لضيوف المدرسة من الأجيال الحديثة, و حينما ترى إصرار غير مفهوم على مشروعية الترويع و الترهيب و هدم النفوس الصغيرة بزعم غرس "الهيبة" التي لا معنى حقيقي لها في قواميس الابداع و لا المبدعين, و لا حتى الأسوياء, و لا التربويين, و حينما لا تعترف تلك الأطراف بأن ثمة رابط يجمعهم بأولياء الأمور ينبغي احترامه أشد الاحترام, ألا وهو مستقبل ذلك الطفل المرهون بمدى توافق الطريقة بين البيت و المدرسة, و حينما يصل حال بعضهم إلى الانتقام لحقوقهم المسلوبة (على حد تعبيرهم) من خلال التقصير في أداء المهمة التعليمية تجاه من لا ذنب لهم بالقضية, فتلك دلالات مباشرة لغياب المهنية.

ننتقل الآن إلى تصوير ما ستبدوا عليه غياب المهنية في مجال الصحة؟ قد يكون من الصعب جدا كشف أخطاء أو محاججة الأطباء و الممرضون و الفنيون في ممارساتهم نظرا لتخصصها الدقيق. بالتالي, لا يملك العميل سوى الاصرار على أن تكون النتائج مرضية و مطابقة للتوقعات.

غياب المهنية في الخدمات الصحية تعني عدم وجود ضوابط للممارسات الطبية و المستوى المعرفي المتوقع لمنسوبي الصحة و تصل خطورة ذلك إلى حد قد يكلف العميل حياته. و حينما لا يقوم الطبيب بتوفير شرح وافي للمريض حول مشكلته, و تفصيل فرص العلاج الممكنة منذ البداية, أو حينما يرفض الاستماع لوجهة النظر الناقدة, فيرد عليها بعبارات من مثل "تعلمني شغلي", "أشتغل مكاني", "الخطأ منك, ليس منا و لا من تقنياتنا", تلك دلالات مباشرة لغياب المهنية.   

ختاما, الموظف الذي لا يسير وفقا لقواعد و آداب مهنية تنظم و تحدد السلوكيات المقبولة و المرفوضة و المستوى المعرفي و العلمي, قد لا يستحق ثقتك.





الأربعاء، 7 يناير 2015

ديناميكية صناعة الثروة


أيا كان نوع المشروع و أيا كانت طبيعة السلع التي يقدمها, سيكون الهدف الأهم من تشغيله هو صناعة الثروة. من منطلق هذا المنظور, فان قرار اختيار المشروع المربح سيعتمد بشكل رئيس على خصائص السوق الذي سيعمل فيه.

تختلف الأسواق بحسب درجة المنافسة, و يمكن تصنيفها إلى: أسواق ذات طابع تنافسي مطلق –عدد كبير من البائعين و المشترين, يتداولون سلع متشابهة من ناحية المواصفات و الأسعار كأسواق الخضرة و مراكز التموينات - و أسواق غير مطلقة المنافسة – عدد أقل من البائعين, يتداولون سلع نادرة أو ذات علامات تجارية محفوظة.

نبدأ بدراسة ديناميكية صناعة الثروات في النوع الأول من الأسواق. إن التحدي الكبير الذي يواجهه التجار في هذا النوع من الأسواق يكمن في وفرة المعروض من السلع و تشابهها. بالتالي, إن قام أحدهم برفع أسعار معروضاته ليصنع بعض المال, سيجني خسارة محتمومة, و إن استمر على تلك السياسة, سيجد نفسه خارج السوق من دون أن يقطع خطوة واحدة نحو حلم الثراء. إذن كيف يمكن لبائع الخضرة مثلا صناعة الملايين؟ تعد سياسة تخفيض الأسعار جاذبة للمشترين و عامل رئيس لجني الايرادات في هذا النوع من الاسواق, مع العلم أن هناك هامش ربح أدنى مرتبط بحجم "الدكان" لا يمكن للبائع النزول عنه, ليتمكن من تغطية مصروفاته و تجنب الخسائر. مالحل إذن!

الحل يقدمه خبراء الاقتصاد عبر مفهوم اقتصاديات الحجم الكبير(economies of scale). وفقا لهذا المفهوم, يمكن لذلك البائع صناعة الثروة من خلال العمل على تخفيض مصروفات المحل الأخرى و التي لا ترتبط بالسلعة مباشرة كالادارية, الايجار, الكهرباء و الماء, و ذلك من خلال توسيع طاقة المحل الاستيعابية و المتاجرة بالكميات الكبيرة, عندئذ يصبح بالامكان تخفيض نصيب السلعة من تلك المصروفات غير المباشرة إلى مستويات تطرح امكانيات بائع "الدكان" الصغير, فيتحقق له قدرة أعلى لتخفيض أسعاره و بالتالي جذب المشترين. بالطبع ستظل هناك حاجة لاختيار الموقع المناسب و إطلاق بعض الحملات الاعلانية.

أما النوع الثاني من الأسواق فيتضمن السلع النادرة أو ذات العلامات التجارية. و السلعة التي تحمل علامة تجارية بارزة بالغالب غير متداولة سوى باماكن محدودة, بالتالي يمكن للبائع صناعة الثروة من خلال تغيير سياسات التسعير "أو مجازا: تبديل القير" من فترة لأخرى من دون أن يخسر زبائنه, على عكس النوع الأول من الاسواق. و ديناميكية صناعة المال هنا تكون على النحو التالي: يبدأ البائع أولا باستهداف شريحة المشترين المهتمين بالعلامة (مفهوم brand awareness ) عبر تكثيف الحملات الدعائية و طرح "التشكيلات الجديدة" على أعلى أسعار ممكنة. و بعد الانتهاء من تلك الشريحة, يقوم بتغيير الأسعار لاستقطاب بقية الشرائح من المشترين من المدخرين أو ذوي الدخول المتوسطة و هي شرائح كبيرة و مربحة, و ذلك من خلال إطلاق حملات "التخفيضات الموسمية".

ختاما, ركز مقالي على ديناميكية صناعة الثروة تحت مناخين مختلفين من الأسواق التقليدية. و الجدير بالذكر, أن معظم المشاريع تقع على مناطق رمادية بينهما, أو قد تأخذ نماذج حديثة يصعب اخضاعها لأي من التصنيفات المعروفة. تخضع بيئة الأعمال لعوامل متغيرة كثيرة, و تتعدد نماذج صناعة الثروات بحسب معطيات البيئة التنافسية و الأساليب الإدارية الحديثة.     


@hanan_almarhabi