الأربعاء، 30 يوليو 2014

ما سر مخاطر الاستثمار بالأسهم؟


إن الهدف من وجود الأسواق المالية (الاسهم) هو توجيه مدخرات الناس أو الاستثمارات نحو أفضل المشاريع التي تساهم في تنميتها و في نفس الوقت تضيف الى تنمية الاقتصاد الوطني ككل. أضف إلى ذلك, من بين أهم أهداف تنظيم تلك الأسواق هو المحافظة على رؤوس الأموال من سوء استخدام الموكلين بتشغيلها (المدراء التنفيذيين بالشركات المساهمة). فحينما يقرر المستثمرون تسليم أموالهم لأولئك المدراء- كما تتطلب أنظمة الملكية في شركات الأسهم, فهم يتوقعون بذلك عوائد سنوية للأسهم تساوي –على أقل تقدير-  معدلات فائدة السندات الحكومية الخالية من المخاطر.
و من الجدير بالذكر أنه اء الاسهم إما عن طريق الإكتتاب أو شراء أسهم لشركات قائمة.  من قبل مدراء الشركاتالى الاقتصاد الوطني. دائما ما يتم ربط مفهوم الاستثمار بفهوم المخاطر, فإذا كان من الصعب على المستثمر وضع تنبؤات حول معدلات عوائد الأسهم و اتجاهاتها المستقبلية, فهو بذلك يواجه خطر (مستقبل مجهول لرأسماله) قد يحمله إلى التراجع عن الاستثمار أو اشتراط عوائد مرتفعة جدا كتعويض يشجعه على المغامرة. فما أسرار وجود المخاطر عند الاستثمار بالأسهم؟
من بين أهم الأسباب هو كفاءة سوق المال, فهي تعطي دلالة مباشرة ما إذا كان هناك مخاطر تحيط برؤوس الأموال المتداولة فيه. فكفاءة سوق المال تكمن في قدرته على توفير معلومات مالية موثوقة و شاملة تمكن المستثمرين من استخدامها لبناء تنبؤاتهم حول حركة الأسهم و بخاصة على المدى البعيد. تعتبر القوائم المالية السنوية التي تصدرها الشركات أحد مصادر المعلومات الهامة و التي يتم إعدادها و فقا لمتطلبات هيئة سوق المال. فهي تقدم بيانات مختصرة عن العمليات المالية التي انجزتها الشركة و ما نتج عنها من أرباح أو خسائر أو تغيرات برؤوس الأموال, مبنية وفقا لمعايير محاسبية موحدة لقياس القيم و عرضها, لتمكن المستثمرين من استخدامها في إجراء المقارنات و توقع التحركات المستقبلية لها. فعلى سبيل المثال, يمكن للمستثمر الاعتماد على الأرقام الواردة بتلك القوائم لتقييم كفاءة الإدارة في تشغيل رؤوس الأموال و ذلك من خلال متابعة حركة نمو المبيعات أو التكاليف عبر تاريخ حياة الشركة, أو من خلال مقارنتها بأرقام الشركات المنافسة. فلو كان التحليل يشير إلى أن أداء الإدارة كان فاعلا, فقد يبشر ذلك بوجود مستقبل جيد للشركة و أسهمها. و لكن, هل يمكن الاعتماد على القوائم المالية لاكتشاف جميع أنواع المخاطر؟ بالطبع لا.
رغم أهمية الدور الذي تلعبه تلك القوائم, إلا أن المعايير المحاسبية المتبعة في إعدادها تعاني من ثغرات يمكن للمدراء استغلالها للتلاعب في أرقام المبيعات و الأرباح المعلنة. فالمدير التنفيذي و زميله المدير المالي هما المسؤولان عن إعدادها و تخولهما المعايير المحاسبية بعمل تقديرات لأرقام هامة كمصروفات إهلاك الممتلكات -المباني و المعدات. تلك التقديرات لها أثر مباشر على الأرباح, بحيث يمكن للمدراء المبالغة في توقعاتهم بشأنها حتى تظهر فعاليتهم المزعومة في تشغيل رؤوس الأموال. في أغلب الحالات, و مع الأسف, يصعب كشف تلك الممارسات اللاأخلاقية, ما يشكل عامل خطر قد يدفع معظم المستثمرين إلى العزوف عن الاستثمار في الأسهم.
أيضا من بين المخاطر, قد يحدث تداول خفي أو خاص لمعلومات هامة و مؤثرة متعلقة بمستقبل إحدى الشركات بحيث يستفيد منها أطراف معينة في تحقيق منافع دون غيرهم. أضف إلى ذلك, قد تُحدث عمليات المضاربة في الأسهم تذبذبا كبيرا في حركة الأسعار لا علاقة له بما يجري بواقع الأعمال التجارية أو القدرة التنبؤية للمعلومات المعلنة بالقوائم المالية, ما يصعب من امكانية الاعتماد عليها لتصور الاتجاهات المستقبلية للأسهم.  
أختم بمثال حول شركة فيسبوك المسجلة في أكثر الأسواق كفاءة و أقلها مخاطر و هو سوق الأسهم الأمريكي. فقد طرحت الشركة أسهمها للاكتتاب بسعر 38 دولار أمريكي في منتصف عام 2012, و سجل سعر الإفتتاح في أول يوم للتداول ارتفاع كبير وصل إلى مستوى 42.05 دولار أمريكي, لكنه أقفل على هبوط شديد وصل إلى 29.60 دولار أمريكي. قد لا تستطيع المعلومات الواردة بالقوائم المالية تفسير سر التذبذب الهائل – و هو شكل من أشكال المخاطر- الذي حدث لسعر السهم على المدى القصير (يوم, أو أسبوع أو عدة أشهر), و لكن الحال قد يختلف على المدى البعيد. فقد أستطاعت أرقام المبيعات المعلنة للشركة و التي أظهرت نموا مستقرا انتقل من مستوى 2.8 مليون دولار في 2011 إلى مستوى 7.8 مليون دولار بنهاية عام 2013, أن تنعكس على حركة أسهمها التي أقفلت على مستوى 74.92 دولار أمريكي الاثنين الماضي, و هو ما يعادل ارتفاعا نسبته 153% من سعر الإقفال لأول يوم للتداول. هنا تظهر كفاءة سوق المال في احداث التوازن بين ما تخبر به المعلومات المالية المعلنة من قبل الشركات و بين ما تعكسه أسعار الأسهم من توقعات للمستثمرين مبنية على تنبؤات عقلانية – أي مستندة على نتائج التحليل المالي لتلك المعلومات.


almarhabi.h@makkahnp.com

الأربعاء، 23 يوليو 2014

المستهلك السعودي و النظير الياباني


جائت الأرقام التي أصدرتها وزارة التجارة مؤخرا حول كمية المنتجات المغشوشة و المقلدة - أو بوصف آخر الرديئة – على مستويات خطيرة و مثيرة للاهتمام. فقد نشرت جريدة مكة في عدد سابق بيانا توضيحيا بأبرز ضبطيات المخالفات التجارية لعام 2013, وفقا لنتائج حملات التفتيش التي قامت بها هيئة مكافحة الغش التجاري بالوزارة. تضمنت القائمة أرقام هائلة للمخالفات من بينها 1.21 مليون وحدة مواد غذائية مغشوشة,  1.03 مليون عبوة منظفات و أدوات تجميل مغشوشة, 2.53 مليون عطورات مقلدة, 2.52 مليون مغلفات بعلامات تجارية مشهورة, 723.4 ألف فيش كهربائي لا يحمل بلد الصناعة, 110.5 آلاف عبوة زيت محرك مقلدة, 192.8 ألفا من فلاتر السيارات المقلدة, 74.8 ألف جوال مقلد بالإضافة إلى عدد من المخالفات الأخرى.  
تعطي هذه الأرقام دلالة واضحة على تدني الوعي لدى المستهلك و تواضع متطلبات الجودة التي تُحدد بالمقام الأول من قبله باعتباره المسؤول عن المقابل المادي "أو العبء" الذي سيدفعه من أجل الحصول على السلعة. أيضا, تقع مسؤولية سلامة النفس من مخاطر استعمال تلك السلع بالدرجة الأولى عليه, فهو المستخدم المباشر لها.
 ينبغي أن يدرك المستهلك بأن أغلب تلك المنتجات يتم توريدها من بلدان و مصانع لا تذكر أسمائها بدقة, و قد تمر بعمليات تصنيع تتضمن معالجات كيميائية غير خاضعة لأي فحوصات مخبرية تبرهن مراعاتها لمعايير السلامة, فضلا عن انعدام عمليات ضبط و رقابة الجودة. أضف إلى ذلك, لم يقتصر الضرر الناتج عن تداول تلك السلع على النفس و المال فحسب, بل تعداه ليشمل الاقتصاد الوطني ككل نتيجة المنافسة التي فرضتها تلك النوعية من المنتجات الرديئة و المتركزة حول السعر المخفض لا الجودة و لا التميز في الأداء. في الواقع, لم يقدم المخالفون لنا سوى أجيال من السلع المعتلة التي دمرت اقتصادنا و زاحمت أسواقنا و تسببت في حرماننا من التمتع بتوافر منتجات أخرى متميزة تستطيع أن تتنافس على الجودة و السعر في آن واحد.    
إن انتشار تداول السلع المغشوشة و المقلدة يؤكد على وجود درجة من الارتياح و القبول العام لها. و السؤال الذي يطرح نفسه: كيف وصلت متطلبات و شروط الجودة لدى المستهلك السعودي إلى تلك المستويات المتدنية و التي حولت سوق السلع الاستهلاكية المحلي إلى ميدان يتنافس فيه الرديء مع الأردى؟ 
بالجانب النظير, لقد ساهم المستهلك الياباني المعروف بمتطلباته الشرائية المعقدة و التي تبحث عن أحدث التقنيات و أعلى مستويات الجودة و الكفاءة إلى إدخال الشركات المحلية في منافسة عنيفة لتطوير منتجاتها إلى مستويات لم تكن مسبوقة بالدول الصناعية الأخرى. و نتيجة لذلك, خرجت الصناعة اليابانية إلى الأسواق الدولية و هي حاملة معها علامات فارقة للجودة مكنتها من أن تصبح منافسا دوليا بارزا في صناعات هامة كالسيارات و الإليكترونيات. لقد قاد المستهلك الياباني اقتصاد بلاده نحو التفوق عالميا و ساهم باختياراته الشرائية الواعية في توفير بيئة سوقية تتنافس فيها السلع المتميزة مع الأكثر تميزا سواءا في الأداء و الجودة و حتى السعر.
ختاما, قامت وزارة التجارة مؤخرا باعتماد برامج متعددة لمكافحة الغش التجاري تضمنت على سبيل المثال فتح قنوات تواصل تربطها مباشرة بالمستهلكين عبر موقعها الإلكتروني و خطوط الهاتف الساخنة لاستلام البلاغات حول المخالفات و استقبال المقترحات و الأفكار و ضمان سرعة الاستجابة. و من أجل أن تحقق تلك الجهود أهدافها, لابد من أن يقوم المستهلك بدوره الحاسم في حل المشكلة و ذلك من خلال رفع شروطه و متطلباته فيما يتعلق بمعايير الجودة و الأداء و السلامة, الحرص على فحص و معاينة السلع قبل شرائها, ثم الإبلاغ الفورى عن أي منتجات مغشوشة أو مقلدة و الامتناع التام عن شرائها و بالتالي قطع السبيل إلى الأرباح عن المخالفين حتى لا يبقى لهم خيار سوى الخروج من أسواقنا و إتاحة المجال لأصحاب المنتجات المتميزة للقدوم و المنافسة.


الأربعاء، 16 يوليو 2014

الأسواق العالمية المستهدفة و حركة الاستثمارات

يتناول مقال اليوم الشق الأول من السؤال الذي طرحته بالأسبوع الماضي حول ماهية الأسواق المستهدفة - من قِبل المستثمرين الدوليين - و ماهية متطلباتها كأولى خطوات البحث للتعرف على البيئة الاستثمارية الدولية المعاصرة و موقع المملكة الاستراتيجي بينها.
فالأسواق الواعدة هي أول ما يبحث عنه المستثمرون و هي بالغالب توجد لدى الدول التي تتمتع بكثافة سكانية و معدلات أجور متصاعدة و اقتصاد مستقر. تمتاز تلك الأسواق بخاصية توافر أعلى فرص للمبيعات على المستوى المحلي أو الإقليمي و على المدى البعيد. و بحسب آخر التطورات الاقتصادية على الصعيد الدولي, فإن معظم تلك الأسواق ناشئة و تضم دول صناعية سريعة النمو. توجد هذه  الأسواق بالجزء الشرقي و الجنوب الشرقي للقارة الآسيوية و بعض دول أمريكا اللاتينية و أفريقيا و شرق أوروبا. و من حيث الدول, فهناك مثلا مجموعة البريكس BRICS – البرازيل, روسيا, الهند , الصين, و أفريقيا الجنوبية – التي تعتبر من أكثر الأسواق الناشئة جاذبية و ذلك للكثافة السكانية التي تتمتع بها, حيث تشكل في مجموعها ما يقارب نصف سكان الأرض - ثلاث مليارات نسمة. و بالإضافة إلى كثافتها السكانية, تمتاز تلك الدول بوجود تصاعد مستمر في معدلات دخول الأفراد متزامنا مع النمو الصناعي المتسارع الذي تعيشه و الذي ينبيء بوجود فرص مستقبلية واعدة للمبيعات. أيضا, تتوقع منظمة The Conference Board, المهتمة بالتحليل الاقتصادي على المستوى الدولي, بأنه في عام 2025, ستساهم خمس أسواق ناشئة - من بينها البرازيل و روسيا و الهند و الصين بالإضافة إلى اندونيسيا – بنصف النمو الذي سيحققه الناتج القومي العالمي. و الجدير بالذكر أيضا, هناك تنبؤات بأن يصعد اقتصاد اندونيسيا – 240 مليون نسمة- إلى مرتبة بين أقوى عشر اقتصاديات في العالم في عام 2030, و أن تنتقل الطبقات الاستهلاكية لديها من مستوى 50 مليون مستهلك في عام 2012 إلى مستوى 135 مليون مستهلك في عام 2030 و بتمركز في مدن رئيسية تساهم بما يعادل 86% من الناتج القومي المحلي, و ذلك وفقا للتقديرات التي أعدتها Mckinsey Global Institute.
إن حجم المبيعات المتوقع لدى تلك الأسواق الناشئة هو أحد أهم المزايا التنافسية التي حظيت بها. بالتالي, من غير المستغرب أن تستقطب تلك الاقتصاديات اهتمام المستثمرين الدوليين و أن تستحوذ على النصيب الأكبر (54%) من إجمالي التدفقات الاستثمارية الأجنبية الداخلة و هو ما يعادل 778 مليار دولار أمريكي بحسب ما جاء بتقرير أونكتاد (2014 unctad). و وفقا للتقرير, احتلت الصين و روسيا و هونج كونج و البرازيل و سنغافورة المراتب الست الأولى بعد الولايات المتحدة بقائمة أوفر الدول حظا باستضافة تلك الاستثمارات, و من ضمن قائمة العشرين ظهرت أيضا الهند و اندونيسيا. إن هذه الأرقام تعطي دلالة مباشرة على أهمية توافر الأسواق الواعدة كإحدى أهم عوامل جذب الاستثمارات الأجنبية.
أما من ناحية المتطلبات, فمن المتوقع أن تواجه تلك الدول شح بالموارد (الطاقة و مواد الخام) للكثافة الاستهلاكية المحتملة لديها. بالتالي, ستضطر الشركات إلى إيجاد بدائل تمكنها من مقابلة مستويات الجودة و الأسعار التي تحددها تفضيلات المستهلكين و القوى المتنافسة الأخرى بالسوق و ذلك من خلال الاهتمام بتحسين أنظمة التكاليف أو استغلال الامكانات المعرفية و التقنية في تطوير منتجاتها و خدماتها.
ختاما, يعتبر اقتصاد المملكة أحد أكثر الاقتصاديات العالمية استقرارا, إلا أن التقنية لاتزال متأخرة و الصناعة بمراحلها الأولى و الكثافة السكانية – أو حجم السوق المحلي المتوقع- أقل بكثير مما تتمتع به العديد من الأسواق النظيرة الناشئة. تشكل هذه العوامل تحديات كبيرة من شأنها أن تصرف عنا اهتمام المستثمرين الأجانب أو تتسبب في تراجع مستمر للتدفقات الاستثمارية الداخلة للبلاد.  

الأربعاء، 9 يوليو 2014

هيئة سوق المال و ورطة الاستثمار الأجنبي (1)


كنت قد تناولت في مقال سابق حاجة اقتصادنا الوطني الماسة للمستثمرين الأجانب من ذوي التقنيات و الخبرات المتقدمة و التي يمكن لها أن تتكامل مع الكوادر الوطنية المتميزة لإحداث النقلة المعرفية. أتبع مقالي مقالين للكاتب الاقتصادي عبدالحميد العمري بجريدة الإقتصادية تحدث فيهما عن نشوء ورطة لدى هيئة سوق المال اختصارها أن ما تم استقطابه من استثمارات أجنبية أخذت من مواردنا أكثر مما أعطت لاقتصادنا و أن 85% منها تركزت في قطاع الصناعات الأساسية و المعتمدة بشكل كبير على مواد اللقيم "الخام" منخفضة القيمة. اضف إلى ذلك, إن الأرقام الواردة في تقرير أونكتاد (unctad) عن عام 2014  تظهر وجود إنخفاض مستمر في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة  (FDI inflows)للمملكة, حيث تراجعت من مستوى 39,456$ مليار في عام 2008 إلى 9,298$ مليار في عام 2013 لتمثل بذلك ما نسبته 2.1% فقط من اجمالي التدفقات الداخلة لقارة آسيا و التي بلغت 426,355$ مليار و استحوذت على نصيب الأسد بما يعادل 30% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة.
يبدوا أن المزايا التي تقدمها هيئة سوق المال فضلا عن متانة الاقتصاد الوطني لم تعد حوافز كافية لإقناع معظم المستثمرين الأجانب - و بخاصة ذوي التقنيات المتقدمة - للقدوم. فالمؤشرات المذكورة بالأعلى تلوح بأعلام حمراء تستدعي سرعة الاستجابة بإعادة النظر بالملفات و البحث في الأسباب التي تقف وراءها. إن تجاهل تلك المشكلات قد يتسبب في تدهور استثمارات وطنية طائلة أنفقتها الدولة لأجل تنمية الإنسان و الصناعة المحلية.
قد تتفوق باقة المزايا الوطنية المعدة للمستثمرين الأجانب في عدد من الجوانب, و بالطبع لا توجد أي شكوك حول صلابة الإقتصاد الوطني و استقراره, لكن هل ما تم تقديمه من فرص استثمارية و حوافز هو فعلا ما تبحث عنه عيون الشركات العملاقة؟ أو بصياغة أخرى, هل بالخارطة العالمية قوى جذب أكثر فاعلية لدى اقتصاديات و أسواق أخرى نظيرة تصرف نظر أولئك العمالقة إليها دون غيرها و لا تبقي لنا سوى الفتات؟ و إن كان الجواب بنعم, فما هي؟
ستتطلب الإجابة على هذا السؤال عدة مقالات, فمتابعة أحداث و تطورات التجارة الدولية يكشف عن أنماط و منعطفات عديدة لمسارات القوى الاقتصادية العالمية. فحينما كانت الاقتصاديات المتقدمة كأوروبا و شمال أميركا تصدر استثماراتها للاقتصاديات الناشئة كالصين و الهند بحثا عن الأيدي العاملة الرخيصة, أصبحت الأخيرتان اليوم تقوم بتوجيه بعض من استثماراتها نحو الاقتصاديات المتقدمة لاستغلال مزايا المعرفة و العقول المتطورة. إن تلك التغيرات و غيرها تقص عن وجود لاعبين كبار يعرفون جيدا عن ماذا يبحثون و لماذا و يضعون على ضوءها خياراتهم الاستثمارية. أيضا, تكشف القصة عن وجود اقتصايات و أسواق دولية ناشئة و منافسة, تستطيع أن تلعب دورا مؤثرا في لفت الأنظار إليها و استقطاب النخبة من الاستثمارات الواعدة.  
يعتمد نجاح مبادرات جذب المستثمرين الأجانب على الإلمام الشامل بما في جعبة حقيبة التجارة الدولية من دروس قيمة يمكن استغلالها في إعادة تشكيل الفرص الاستثمارية الوطنية من منطلق متطلبات الأسواق العالمية.
و بتبني ذلك المنظور, يمكن طرح إجابة شاملة لكن مختصرة في "عبارة واحدة" تقول: يبحث المستثمرون المتميزون عن فرص استثمارية تمكنهم من بناء مزايا تنافسية – إما اختلاف بالسلعة أو بالسعر أو بكلاهما -  تستجيب بشكل فريد لمتطلبات الأسواق المستهدفة.
تحت مظلة تلك العبارة, يبدأ البحث المفصل أولا بالسؤال عن ماهية تلك الأسواق المستهدفة و ماهية متطلباتها؟ ثم يتبع ذلك سؤالا مفصلا عن ماهية الفرص التي تستجيب - بالشكل الأمثل- لمتطلبات تلك الأسواق و كيف يمكن إعدادها في باقات من الحوافز الوطنية تضاهي ما لدى المنافسين من الاقتصاديات الناشئة.

للمقال بقية..