إن الهدف من وجود الأسواق المالية (الاسهم) هو توجيه مدخرات الناس أو
الاستثمارات نحو أفضل المشاريع التي تساهم في تنميتها و في نفس الوقت تضيف الى
تنمية الاقتصاد الوطني ككل. أضف إلى ذلك, من بين أهم أهداف تنظيم تلك الأسواق هو
المحافظة على رؤوس الأموال من سوء استخدام الموكلين بتشغيلها (المدراء التنفيذيين
بالشركات المساهمة). فحينما يقرر المستثمرون تسليم أموالهم لأولئك المدراء- كما
تتطلب أنظمة الملكية في شركات الأسهم, فهم يتوقعون بذلك عوائد سنوية للأسهم تساوي –على
أقل تقدير- معدلات فائدة السندات الحكومية
الخالية من المخاطر.
و من الجدير بالذكر أنه دائما
ما يتم ربط مفهوم الاستثمار بفهوم المخاطر, فإذا كان من الصعب على المستثمر وضع
تنبؤات حول معدلات عوائد الأسهم و اتجاهاتها المستقبلية, فهو بذلك يواجه خطر (مستقبل
مجهول لرأسماله) قد يحمله إلى التراجع عن الاستثمار أو اشتراط عوائد مرتفعة جدا كتعويض
يشجعه على المغامرة. فما أسرار وجود المخاطر عند الاستثمار بالأسهم؟
من بين أهم الأسباب هو كفاءة سوق المال, فهي تعطي دلالة مباشرة ما إذا
كان هناك مخاطر تحيط برؤوس الأموال المتداولة فيه. فكفاءة سوق المال تكمن في قدرته
على توفير معلومات مالية موثوقة و شاملة تمكن المستثمرين من استخدامها لبناء
تنبؤاتهم حول حركة الأسهم و بخاصة على المدى البعيد. تعتبر القوائم المالية
السنوية التي تصدرها الشركات أحد مصادر المعلومات الهامة و التي يتم إعدادها و فقا
لمتطلبات هيئة سوق المال. فهي تقدم بيانات مختصرة عن العمليات المالية التي
انجزتها الشركة و ما نتج عنها من أرباح أو خسائر أو تغيرات برؤوس الأموال, مبنية
وفقا لمعايير محاسبية موحدة لقياس القيم و عرضها, لتمكن المستثمرين من استخدامها
في إجراء المقارنات و توقع التحركات المستقبلية لها. فعلى سبيل المثال, يمكن
للمستثمر الاعتماد على الأرقام الواردة بتلك القوائم لتقييم كفاءة الإدارة في
تشغيل رؤوس الأموال و ذلك من خلال متابعة حركة نمو المبيعات أو التكاليف عبر تاريخ
حياة الشركة, أو من خلال مقارنتها بأرقام الشركات المنافسة. فلو كان التحليل يشير
إلى أن أداء الإدارة كان فاعلا, فقد يبشر ذلك بوجود مستقبل جيد للشركة و أسهمها. و
لكن, هل يمكن الاعتماد على القوائم المالية لاكتشاف جميع أنواع المخاطر؟ بالطبع
لا.
رغم أهمية الدور الذي تلعبه تلك القوائم, إلا أن المعايير المحاسبية
المتبعة في إعدادها تعاني من ثغرات يمكن للمدراء استغلالها للتلاعب في أرقام
المبيعات و الأرباح المعلنة. فالمدير التنفيذي و زميله المدير المالي هما
المسؤولان عن إعدادها و تخولهما المعايير المحاسبية بعمل تقديرات لأرقام هامة كمصروفات
إهلاك الممتلكات -المباني و المعدات. تلك التقديرات لها أثر مباشر على الأرباح,
بحيث يمكن للمدراء المبالغة في توقعاتهم بشأنها حتى تظهر فعاليتهم المزعومة في
تشغيل رؤوس الأموال. في أغلب الحالات, و مع الأسف, يصعب كشف تلك الممارسات
اللاأخلاقية, ما يشكل عامل خطر قد يدفع معظم المستثمرين إلى العزوف عن الاستثمار
في الأسهم.
أيضا من بين المخاطر, قد يحدث تداول خفي أو خاص لمعلومات هامة و مؤثرة
متعلقة بمستقبل إحدى الشركات بحيث يستفيد منها أطراف معينة في تحقيق منافع دون
غيرهم. أضف إلى ذلك, قد تُحدث عمليات المضاربة في الأسهم تذبذبا كبيرا في حركة
الأسعار لا علاقة له بما يجري بواقع الأعمال التجارية أو القدرة التنبؤية
للمعلومات المعلنة بالقوائم المالية, ما يصعب من امكانية الاعتماد عليها لتصور الاتجاهات
المستقبلية للأسهم.
أختم بمثال حول شركة فيسبوك المسجلة في أكثر الأسواق كفاءة و أقلها
مخاطر و هو سوق الأسهم الأمريكي. فقد طرحت الشركة أسهمها للاكتتاب بسعر 38 دولار
أمريكي في منتصف عام 2012, و سجل سعر الإفتتاح في أول يوم للتداول ارتفاع كبير وصل
إلى مستوى 42.05 دولار أمريكي, لكنه أقفل على هبوط شديد وصل إلى 29.60 دولار
أمريكي. قد لا تستطيع المعلومات الواردة بالقوائم المالية تفسير سر التذبذب الهائل
– و هو شكل من أشكال المخاطر- الذي حدث لسعر السهم على المدى القصير (يوم, أو أسبوع
أو عدة أشهر), و لكن الحال قد يختلف على المدى البعيد. فقد أستطاعت أرقام المبيعات
المعلنة للشركة و التي أظهرت نموا مستقرا انتقل من مستوى 2.8 مليون دولار في 2011
إلى مستوى 7.8 مليون دولار بنهاية عام 2013, أن تنعكس على حركة أسهمها التي أقفلت
على مستوى 74.92 دولار أمريكي الاثنين الماضي, و هو ما يعادل ارتفاعا نسبته 153%
من سعر الإقفال لأول يوم للتداول. هنا تظهر كفاءة سوق المال في احداث التوازن بين
ما تخبر به المعلومات المالية المعلنة من قبل الشركات و بين ما تعكسه أسعار الأسهم
من توقعات للمستثمرين مبنية على تنبؤات عقلانية – أي مستندة على نتائج التحليل
المالي لتلك المعلومات.
almarhabi.h@makkahnp.com