الأربعاء، 9 يوليو 2014

هيئة سوق المال و ورطة الاستثمار الأجنبي (1)


كنت قد تناولت في مقال سابق حاجة اقتصادنا الوطني الماسة للمستثمرين الأجانب من ذوي التقنيات و الخبرات المتقدمة و التي يمكن لها أن تتكامل مع الكوادر الوطنية المتميزة لإحداث النقلة المعرفية. أتبع مقالي مقالين للكاتب الاقتصادي عبدالحميد العمري بجريدة الإقتصادية تحدث فيهما عن نشوء ورطة لدى هيئة سوق المال اختصارها أن ما تم استقطابه من استثمارات أجنبية أخذت من مواردنا أكثر مما أعطت لاقتصادنا و أن 85% منها تركزت في قطاع الصناعات الأساسية و المعتمدة بشكل كبير على مواد اللقيم "الخام" منخفضة القيمة. اضف إلى ذلك, إن الأرقام الواردة في تقرير أونكتاد (unctad) عن عام 2014  تظهر وجود إنخفاض مستمر في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة  (FDI inflows)للمملكة, حيث تراجعت من مستوى 39,456$ مليار في عام 2008 إلى 9,298$ مليار في عام 2013 لتمثل بذلك ما نسبته 2.1% فقط من اجمالي التدفقات الداخلة لقارة آسيا و التي بلغت 426,355$ مليار و استحوذت على نصيب الأسد بما يعادل 30% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة.
يبدوا أن المزايا التي تقدمها هيئة سوق المال فضلا عن متانة الاقتصاد الوطني لم تعد حوافز كافية لإقناع معظم المستثمرين الأجانب - و بخاصة ذوي التقنيات المتقدمة - للقدوم. فالمؤشرات المذكورة بالأعلى تلوح بأعلام حمراء تستدعي سرعة الاستجابة بإعادة النظر بالملفات و البحث في الأسباب التي تقف وراءها. إن تجاهل تلك المشكلات قد يتسبب في تدهور استثمارات وطنية طائلة أنفقتها الدولة لأجل تنمية الإنسان و الصناعة المحلية.
قد تتفوق باقة المزايا الوطنية المعدة للمستثمرين الأجانب في عدد من الجوانب, و بالطبع لا توجد أي شكوك حول صلابة الإقتصاد الوطني و استقراره, لكن هل ما تم تقديمه من فرص استثمارية و حوافز هو فعلا ما تبحث عنه عيون الشركات العملاقة؟ أو بصياغة أخرى, هل بالخارطة العالمية قوى جذب أكثر فاعلية لدى اقتصاديات و أسواق أخرى نظيرة تصرف نظر أولئك العمالقة إليها دون غيرها و لا تبقي لنا سوى الفتات؟ و إن كان الجواب بنعم, فما هي؟
ستتطلب الإجابة على هذا السؤال عدة مقالات, فمتابعة أحداث و تطورات التجارة الدولية يكشف عن أنماط و منعطفات عديدة لمسارات القوى الاقتصادية العالمية. فحينما كانت الاقتصاديات المتقدمة كأوروبا و شمال أميركا تصدر استثماراتها للاقتصاديات الناشئة كالصين و الهند بحثا عن الأيدي العاملة الرخيصة, أصبحت الأخيرتان اليوم تقوم بتوجيه بعض من استثماراتها نحو الاقتصاديات المتقدمة لاستغلال مزايا المعرفة و العقول المتطورة. إن تلك التغيرات و غيرها تقص عن وجود لاعبين كبار يعرفون جيدا عن ماذا يبحثون و لماذا و يضعون على ضوءها خياراتهم الاستثمارية. أيضا, تكشف القصة عن وجود اقتصايات و أسواق دولية ناشئة و منافسة, تستطيع أن تلعب دورا مؤثرا في لفت الأنظار إليها و استقطاب النخبة من الاستثمارات الواعدة.  
يعتمد نجاح مبادرات جذب المستثمرين الأجانب على الإلمام الشامل بما في جعبة حقيبة التجارة الدولية من دروس قيمة يمكن استغلالها في إعادة تشكيل الفرص الاستثمارية الوطنية من منطلق متطلبات الأسواق العالمية.
و بتبني ذلك المنظور, يمكن طرح إجابة شاملة لكن مختصرة في "عبارة واحدة" تقول: يبحث المستثمرون المتميزون عن فرص استثمارية تمكنهم من بناء مزايا تنافسية – إما اختلاف بالسلعة أو بالسعر أو بكلاهما -  تستجيب بشكل فريد لمتطلبات الأسواق المستهدفة.
تحت مظلة تلك العبارة, يبدأ البحث المفصل أولا بالسؤال عن ماهية تلك الأسواق المستهدفة و ماهية متطلباتها؟ ثم يتبع ذلك سؤالا مفصلا عن ماهية الفرص التي تستجيب - بالشكل الأمثل- لمتطلبات تلك الأسواق و كيف يمكن إعدادها في باقات من الحوافز الوطنية تضاهي ما لدى المنافسين من الاقتصاديات الناشئة.

للمقال بقية..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق