الجمعة، 20 يونيو 2014

كوادرنا المتميزة و المستثمر الأجنبي.. فرص تكامل نحو اقتصاد معرفي

مع تسارع النمو التقني وازدهار شبكات الاتصالات و المواصلات, تقاربت الأسواق الدولية و توسعت قنواتها لتشمل وسائل أكثر كفاءة و قدرة على الانتشار كالمزادات الالكترونية و خدمات النقل و التوزيع البريدية.  لقد تمكنت التقنية من ربط البائعين بالمشترين من مختلف أنحاء المعمورة و لم تعد مهمة نقل السلعة من بائعا بالصين الى مشتريا بالبرازيل تشكل أي تحديا. أيضا تزامن مع هذا التقدم التقني تصاعدا هائلا في حدة المنافسة بين المنشآت التجارية نتيجة الكثافة النوعية و العددية للسلع و الخدمات الأجنبية. و كردة فعل طبيعية لتلك المنافسة المتزايدة, تقوم المنشآت باستثمار أموال طائلة في أعمال البحث و التطوير بهدف ابتكار وسائل و تقنيات أكثر تعقيدا و تقدما لتطوير سلع وخدمات منافسة.
إن ما عرض بالأعلى يعكس مشهدا حيويا للتحولات الكبيرة التي طرأت على الاقتصاديات العالمية. يقوم الاقتصاديون بالإشارة الى تلك الظروف باستخدام مصطلح "الاقتصاد المعرفي" و الذي قام بتطويره Peter Drucker في كتابه "The Age of Discontinuity". يولي الاقتصاد المعرفي اهتماما بالغا بالكادر البشري و ينظر اليه كأحد أهم الموارد التي ينبغي الاستثمار بها و استغلالها للنمو برؤوس الأموال و تحقيق العوائد. يقوم اللاعبون بهذا الاقتصاد بالتفريق بين العامل الذي يستخدم يده لانجاز أعمال روتينية و العامل الذي يستخدم عقله لتطوير أفكار و معارف. إن عملية التفريق هذه قد نتجت عن حاجة المنشآت المعاصرة الماسة للمعرفة باعتبارها السبيل الوحيد للاستجابة لظروف السوق المتقلبة و تمكينها من المنافسة. إن الكادر الانساني, على خلاف الموارد الأخرى كالآلات و المعدات, يعتبر العنصر الوحيد الذي يمكنه تحويل الاستثمارات إلى معرفة و المعرفة إلى منتجات و خدمات متميزة.
لقد أدركت حكومة المملكة العربية السعودية المسار الذي اتخذته الاقتصاديات العالمية و بادرت بتخصيص ميزانيات هائلة للاستثمار في الانسان و تطوير البيئة التعليمية.و وفقا لما جاء بالتقرير السنوي الصادر عن مجموعة Universties 21 , فقد احتلت المملكة المرتبة الثالثة على دول العالم في حجم الإنفاق الحكومي على التعليم العالي نسبة إلى ناتج الدخل القومي متقدمة على الدانمارك و فنلندا. بالإضافة إلى ذلك, لايزال برنامج الابتعاث الذي بدأ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز مستمرا في توفير فرصا تعليمية و تجارب دولية نادرة للفرد السعودي. و بالنظر إلى المخرجات, يثبت  السعوديون و السعوديات تفوقهم في كثير من المحافل الدولية. فقد تزايدت معدلات النشر بالدوريات العالمية و تصاعد عدد الحاصلين على براءات الاختراع و شهادات التميز من منظمات و جامعات عريقة. إن اهتمام المملكة بالتعليم قد ساهم في صناعة أنموذجا سعوديا فريدا من الشباب الطموح الذي يمكن الاعتماد عليه في بناء اقتصادا معرفيا متينا.
و على الرغم من نجاح خطط و جهود الحكومة السعودية في مشاريع الاستثمار في الانسان, إلا أن مخرجاتها قد واجهت تحديا عظيما. لقد كان الهدف الرئيس من تلك الجهود هو إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ليصبح قائما على المعرفة الانسانية و منافسا بارزا بالأسواق العالمية. و لكن يبدو أن استعداد السوق المحلي لهذا التحول لايزال غير مواكبا لتلك المستويات من الطموحات و الجهود المبذولة. فعلى سبيل المثال, إن حجم الاستثمارات في مشاريع البحث و التطوير بالشركات المحلية لاتزال على مستويات هامشية إذا ما قورنت بتلك التي تبذلها المشروعات الدولية النظيرة. و علاوة على ذلك, إن معظم المنشآت المحلية تقوم بممارسة أنشطتها في معزل عن الأسواق العالمية. لهذا تتقيد استراتيجيات التوسع لديها بالانتشار المحلي, فتتجنب بذلك الاحتكاك بالمنافسين الأجانب. بالتالي لا ينبغي أن نستغرب من تراجع أنشطة صناعة المعرفة لديها و ذلك لغياب الحاجة للابتكار التي تولدها عنف المنافسة الدولية. أضف إلى ذلك, إن تطور الصناعة المحلية لايزال في مراحله الأولى فلم تتمكن غالب المنشآت المحلية من أن تكون طرفا هاما في سلسلة القيمة الدولية (Global Value Chain). و رغم محدودية الامكانيات ببعض الدول النامية بالشرق الآسيوي و القارة الافريقية, إلا أن العديد من منشآتها التجارية قد نجحت في حجز مقاعد هامة في تلك السلسلة و بصناعات أساسية تشمل على سبيل المثال قطع السيارات و الطائرات و الأجهزة الاليكترونية.  
لقد عرضت الأمثلة السابقة عددا من التحديات التي لاتزال تعيق المشروع الوطني للتحول نحو اقتصاد المعرفة. و كنتيجة طبيعية للجهود المتواضعة من قبل رواد السوق المحلي,  تفشل محاولات توطين الثروة البشرية المتميزة و تتراجع فرص استغلالها في تطوير منتجات و خدمات تتربع بعلامات تجارية دولية بارزة. إن البديل الأمثل لمواجهة تلك التحديات يكمن في استقطاب المستثمرين الأجانب الذين يمتلكون موارد مالية و تقنيات و كفاءات متقدمة. فعلى سبيل المثال, يمكن للمستثمر الأجنبي أن يرفع من درجة المنافسة بالسوق المحلي مما يضطر المنشآت الوطنية إلى رفع استثماراتها في أعمال البحث و التطوير و صناعة المعرفة من أجل مواجهة ذلك المنافس القوي و البقاء بالصناعة. أيضا يستطيع المستثمر الأجنبي أن ينشيء بيئة عمل تنسجم و تتكامل مع المهارات و القدرات العالية التي تتمتع بها الكوادر الوطنية المتميزة من الخرجين و المبتعثين. أضف إلى ذلك, يستطيع المستثمر الأجنبي أن يوفر فرص عمل متجددة و يفتح مجالات واسعة لنقل و توطين التقنية. فمن أجل أن تكتمل الحلقة و تنجح الجهود الحكومية و جهود الكوادر المتميزة في التحول إلى اقتصاد معرفي, يجب أن تنهض الصناعة المحلية و ترتقي مجهوداتها لتلك المستويات الطموحة. إن ذلك يتطلب عمل مبادرات جادة لاستقطاب مشاريع أجنبية عملاقة و هامة في سلاسل القيمة الدولية, بالإضافة إلى توفير المناخ الذي يضمن بقائها و تفاعلها الداعم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق