الأربعاء، 25 يونيو 2014

بين تحدي المجهول و الثراء


نعيش في عالم يعج بمتغيرات لا منتهية و لا متناهية, تسير على فُلُك متشابكة و متصادمة. و لكون الانسان مخلوق عقلاني, و يبحث عن الاستقرار النفسي و الاجتماعي, فهو أكثر الكائنات إحساسا باعتراض تلك المجاهيل لمسار حياته و أكثرها أيضا تضجرا من غموضها الذي يحيل عليه امكانية التعامل معها و جر مسارها لمساره.
يمكن أن نصور الوجود كميدان لتحدي عظيم يجمع بين الإنسان و المجهول. فبينما يعتقد البعض بعدم تكافؤ أطراف هذا التحدي و أن مواجهة المجهول لن تقدم للانسان سوى المخاطر و الخسائر, فإن لدى البعض الآخر طقوس و أساليب متنوعة للسيطرة عليه و استكشاف أسراره.  فقد كنا و لازلنا نسمع عن أسماء بارزة لأشخاص نجحوا في صناعة ثروات طائلة و انجازات رائدة و كانت لاسهاماتهم الفضل في بناء أسس ارتكزت عليها العديد من الحضارات المعاصرة. فمالسر الذي مكن أولئك الأثرياء و الرواد من التغلب على المجهول و اغتنام ما به من فرص و ثروات؟
إن مواجهة المجهول أشبه بتحدي في لعبة لم نعرفها من قبل. نستهل التجربة بترشيح أنفسنا كعناصر متنافسه فيها, و قبل أن نضع استراتيجيتنا للتغلب عليها, نبذل بعض الوقت و المجهود لدراسة و استيعاب مكوناتها الأساسية من عناصر أخرى و علاقات و قواعد تتحكم بمجريات الأحداث بها و تفاعلاتها.
إذن, هل يمكننا القول بأن استيعاب أولئك الأثرياء و الرواد  لقواعد اللعبة التي تقدموا لتحديها كان هو السر الذي مكنهم من صياغة  استراتيجيات استثنائية قادتهم دون غيرهم للتغلب على المجهول و اغتنامه؟ الجواب: لما لا, فهي فرضية ممكنة.
إن السعي لبناء الثروة لا يختلف كثيرا عن تجاربنا اليومية بالألعاب الإلكترونية. فالنجاح بعالم الأعمال يتطلب أن يستوعب الفرد كافة العناصر التي ستتفاعل معه من موارد و طاقات, و منافسين مختلفين من تجار و موردين و مستهلكين و مدراء و مستثمرين و منظمات و هيئات حكومية و دولية. أيضا, يحتاج إلى أن يدرك بأن هناك قواعد لللعبة, قد تمت صياغتها وفقا لتفضيلات من سبقوه بزيارتها, و ينبغي عليه استيعابها و التخطيط على ضوئها.
و لخوض التجربة عن قرب, نفترض أن زيدا أراد أن يصبح رجلا ثريا, و رغم جهله بقواعد صناعة المال و طبيعة المنافسة بين التجار, يغامر بسحب جزء كبير من مدخراته ليستثمرها في تشغيل مشروعه الذي يهدف إلى تخريج جيل من السلع النادرة و المتميزة. فهو يعتقد بأن القاعدة التي ستكفل له النجاح في تحدي السوق هي اكتساحه بمنتجات متميزة تجذب المستهلكين إليه و تضرب بالمنافسين و تحقق له الثراء العظيم. لا يعلم زيد بأن لللعبة قواعد أخرى لا تقل أهمية عن تلك القاعدة التي يؤمن بها, تتضمن على سبيل المثال تفضيلات المستهلكين بين السعر و الجودة و ردود فعل المنافسين المحتملة عندما تطرق الخسائر سجلاتهم و تهدد بقائهم. فإذا جرى السيناريو على نحو لم يتوقعه زيد, بحيث أعطى المستهلكون اهتماما كبيرا للأسعار لا الجودة, و اتخذ المنافسون ردود فعل عنيفه لإيقاف تقدمه كتنزيل الأسعار إلى مستويات يستحيل عليه أن يبلغها من دون أن يتكبد خسائر فادحة, عندها سيتلقى زيد ضربات قاسمة في أولى جولاته لعدم أخذه بالاعتبار تلك الجوانب الجوهرية عند صياغة استراتيجياته.
ختاما, المجهول هو عالم مليء بالفرص العظيمة و يمكن لأي شخص أن يتحداه و يغتنم منه. فالتغلب عليه ليس فن فحسب, بل معرفة و تجارب و خبرات واسعة تساعد الانسان على تكوين صورة شاملة لعناصره المؤثرة و القواعد التي تحكم تفاعلاتها. فمواجهة المجهول ماهي إلا استغلال فريد لتلك المعرفة للتنبوء بسيناريوهات من التحديات المحتملة و الاستعداد لها باستراتيجيات شاملة و ملائمة.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق