الأربعاء، 25 يونيو 2014

قروض الأفراد.. هل هي حقاً شرعية؟


تقوم البنوك و المؤسسات المالية بالسعي وراء ابتكار و تطوير برامج تمويلية تقابل احتياجات السوق المحلية من منتجات و خدمات تتوافق مع أحكام الشريعة الاسلامية. تتفق معظم تلك البرامج التمويلية في مسميات الصيغ الشرعية التي تتبعها فتشمل على سبيل المثال التورق و المرابحة و الاستصناع و غيرها. و رغم اتفاق تلك البرامج في مسميات الصيغ, إلا أنها تتباين في تفاصيل أحكامها الفقهية و الأساليب البنكية المتبعة في تنفيذها.
إن الباحث في المسائل الفقهية التي تختص بتلك الصيغ التمويلية يجد اختلافا كبيرا بين آراء العلماء الشرعيين فيما يتعلق بالصور الجائزة و غير الجائزة التي تندرج تحت كل صيغة. و الذي يزيد المسائل تعقيدا اتخاذ البنوك و المؤسسات المالية أساليب مبتكرة وأحيانا متباينة فيما بينها عند عملية التنفيذ الفعلي لتلك الصيغ التمويلية. و لتوضيح هذا التباين, فالنفترض أن لدينا البنكين (أ) و (ب) و كلاهما يروجان لقروض فردية إسلامية تنتهج صيغة التورق. و وفقا لهذه الصيغة, تسير العملية التمويلية لدى كلا البنكين على الخطوات التالية: يقوم البنك بشراء سلعة محددة من قبل العميل, ثم يبيعها عليه بأقساط آجلة و بثمن أعلى من قيمتها عند عملية الشراء الأولى, و عند قيام البنك بتسليم السلعة للعميل, يقوم الأخير ببيعها و استلام النقدية. و قد يقع التباين بين البنوك في إجراءات التنفيذ الفعلي عند الخطوة الأخيرة و المتضمنة الطريقة التي يتم بموجبها تحويل السلعة إلى نقدية. فبينما تقضي بنود التعاقد لدى البنك (أ) بإلزام العميل بتوكيل البنك على بيع السلعة, أو بدلا من ذلك, منحه الحق في بيعها على أن تكون قد قُيدت خيارات الشراء الأولى في عدد من السلع الثقيلة كأطنان الحديد و الأرز التي يستحيل على العميل استخدامها و كذلك يصعب عليه بيعها فيضطر بذلك إلى توكيل البنك, تمنح بنود التعاقد لدى البنك (ب) العميل حرية التصرف الكاملة في السلعة مع إلتزام البنك المسبق بتوفير خيارات من السلع الخفيفة و عالية السيولة كالأسهم و السيارات ليتمكن العميل من استخدامها أو بيعها بيسر.
في ظل ذلك التباين بين عمليات التنفيذ الفعلي لدى البنوك, يبقى السؤال مطروحا: كيف يمكن للعميل التعرف على أفضل الممارسات التمويلية التي تحقق التوافق الأمثل مع الأحكام الشرعية؟
على الرغم من قيام بعض البنوك و المؤسسات المالية بإنشاء هيئات شرعية داخلية لدراسة و مراقبة عمليات تطوير و تنفيذ برامجها التمويلية و ضمان توافقها التام مع الأحكام الشرعية, إلا أنها لاتزال تستقبل انتقادات حادة حول انعدام الاستقلالية. إن اقتراح إنشاء هيئات داخلية كحل, يثير التساؤل حول إمكانية الوثوق في ممارسات رقابية يتبناها و يدعمها أرباب تلك البرامج التمويلية أنفسهم, باعتبارهم ممثلين لجهات ربحية خالصة.
إن ضبط تلك الممارسات التمويلية يتطلب إنشاء هيئة خارجية مستقلة تتكون من علماء شرعيين و بعض من ممثلي البنوك و المؤسسات المالية. تتكلف الهيئة بمهمة البحث عن أفضل الممارسات التمويلية التي تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية و اعتمادها. تفتح الهيئة المجال لاستقبال مقترحات ممثلي البنوك و المؤسسات المالية و تقوم بعقد حلقات نقاش لمقابلة تلك المقترحات بآراء العلماء الشرعيين و معالجتها بما يحقق التوافق الأفضل مع الأحكام الشرعية. و على ضوء ما تخرج به تلك الجلسات, تقوم الهيئة باصدار معايير موحدة للأساليب الشرعية المعتمدة لتنفيذ البرامج التمويلية.

ختاما, إن إنشاء جهاز مستقل لضبط الممارسات التمويلية الشرعية سيعود على البنوك و المؤسسات المالية و كذلك العملاء بفوائد عديدة. من أهم تلك الفوائد, تحقيق الاستقلالية, و تخفيف التباين و تطوير أفضل الممارسات التمويلية الشرعية التي ستغني البنوك و المؤسسات المالية عن الحاجة للإنفاق على أعمال البحث و التطوير و الهيئات الداخلية. أيضا يمكن للهيئة فتح المجال لهذه المؤسسات للتقدم بطلب الحصول على شهادات اعتماد خارجية و مستقلة من شأنها طمأنة العملاء حول توافق أنشطتها التمويلية مع أفضل الممارسات الشرعية المعتمدة.

بين تحدي المجهول و الثراء


نعيش في عالم يعج بمتغيرات لا منتهية و لا متناهية, تسير على فُلُك متشابكة و متصادمة. و لكون الانسان مخلوق عقلاني, و يبحث عن الاستقرار النفسي و الاجتماعي, فهو أكثر الكائنات إحساسا باعتراض تلك المجاهيل لمسار حياته و أكثرها أيضا تضجرا من غموضها الذي يحيل عليه امكانية التعامل معها و جر مسارها لمساره.
يمكن أن نصور الوجود كميدان لتحدي عظيم يجمع بين الإنسان و المجهول. فبينما يعتقد البعض بعدم تكافؤ أطراف هذا التحدي و أن مواجهة المجهول لن تقدم للانسان سوى المخاطر و الخسائر, فإن لدى البعض الآخر طقوس و أساليب متنوعة للسيطرة عليه و استكشاف أسراره.  فقد كنا و لازلنا نسمع عن أسماء بارزة لأشخاص نجحوا في صناعة ثروات طائلة و انجازات رائدة و كانت لاسهاماتهم الفضل في بناء أسس ارتكزت عليها العديد من الحضارات المعاصرة. فمالسر الذي مكن أولئك الأثرياء و الرواد من التغلب على المجهول و اغتنام ما به من فرص و ثروات؟
إن مواجهة المجهول أشبه بتحدي في لعبة لم نعرفها من قبل. نستهل التجربة بترشيح أنفسنا كعناصر متنافسه فيها, و قبل أن نضع استراتيجيتنا للتغلب عليها, نبذل بعض الوقت و المجهود لدراسة و استيعاب مكوناتها الأساسية من عناصر أخرى و علاقات و قواعد تتحكم بمجريات الأحداث بها و تفاعلاتها.
إذن, هل يمكننا القول بأن استيعاب أولئك الأثرياء و الرواد  لقواعد اللعبة التي تقدموا لتحديها كان هو السر الذي مكنهم من صياغة  استراتيجيات استثنائية قادتهم دون غيرهم للتغلب على المجهول و اغتنامه؟ الجواب: لما لا, فهي فرضية ممكنة.
إن السعي لبناء الثروة لا يختلف كثيرا عن تجاربنا اليومية بالألعاب الإلكترونية. فالنجاح بعالم الأعمال يتطلب أن يستوعب الفرد كافة العناصر التي ستتفاعل معه من موارد و طاقات, و منافسين مختلفين من تجار و موردين و مستهلكين و مدراء و مستثمرين و منظمات و هيئات حكومية و دولية. أيضا, يحتاج إلى أن يدرك بأن هناك قواعد لللعبة, قد تمت صياغتها وفقا لتفضيلات من سبقوه بزيارتها, و ينبغي عليه استيعابها و التخطيط على ضوئها.
و لخوض التجربة عن قرب, نفترض أن زيدا أراد أن يصبح رجلا ثريا, و رغم جهله بقواعد صناعة المال و طبيعة المنافسة بين التجار, يغامر بسحب جزء كبير من مدخراته ليستثمرها في تشغيل مشروعه الذي يهدف إلى تخريج جيل من السلع النادرة و المتميزة. فهو يعتقد بأن القاعدة التي ستكفل له النجاح في تحدي السوق هي اكتساحه بمنتجات متميزة تجذب المستهلكين إليه و تضرب بالمنافسين و تحقق له الثراء العظيم. لا يعلم زيد بأن لللعبة قواعد أخرى لا تقل أهمية عن تلك القاعدة التي يؤمن بها, تتضمن على سبيل المثال تفضيلات المستهلكين بين السعر و الجودة و ردود فعل المنافسين المحتملة عندما تطرق الخسائر سجلاتهم و تهدد بقائهم. فإذا جرى السيناريو على نحو لم يتوقعه زيد, بحيث أعطى المستهلكون اهتماما كبيرا للأسعار لا الجودة, و اتخذ المنافسون ردود فعل عنيفه لإيقاف تقدمه كتنزيل الأسعار إلى مستويات يستحيل عليه أن يبلغها من دون أن يتكبد خسائر فادحة, عندها سيتلقى زيد ضربات قاسمة في أولى جولاته لعدم أخذه بالاعتبار تلك الجوانب الجوهرية عند صياغة استراتيجياته.
ختاما, المجهول هو عالم مليء بالفرص العظيمة و يمكن لأي شخص أن يتحداه و يغتنم منه. فالتغلب عليه ليس فن فحسب, بل معرفة و تجارب و خبرات واسعة تساعد الانسان على تكوين صورة شاملة لعناصره المؤثرة و القواعد التي تحكم تفاعلاتها. فمواجهة المجهول ماهي إلا استغلال فريد لتلك المعرفة للتنبوء بسيناريوهات من التحديات المحتملة و الاستعداد لها باستراتيجيات شاملة و ملائمة.  


الجمعة، 20 يونيو 2014

كوادرنا المتميزة و المستثمر الأجنبي.. فرص تكامل نحو اقتصاد معرفي

مع تسارع النمو التقني وازدهار شبكات الاتصالات و المواصلات, تقاربت الأسواق الدولية و توسعت قنواتها لتشمل وسائل أكثر كفاءة و قدرة على الانتشار كالمزادات الالكترونية و خدمات النقل و التوزيع البريدية.  لقد تمكنت التقنية من ربط البائعين بالمشترين من مختلف أنحاء المعمورة و لم تعد مهمة نقل السلعة من بائعا بالصين الى مشتريا بالبرازيل تشكل أي تحديا. أيضا تزامن مع هذا التقدم التقني تصاعدا هائلا في حدة المنافسة بين المنشآت التجارية نتيجة الكثافة النوعية و العددية للسلع و الخدمات الأجنبية. و كردة فعل طبيعية لتلك المنافسة المتزايدة, تقوم المنشآت باستثمار أموال طائلة في أعمال البحث و التطوير بهدف ابتكار وسائل و تقنيات أكثر تعقيدا و تقدما لتطوير سلع وخدمات منافسة.
إن ما عرض بالأعلى يعكس مشهدا حيويا للتحولات الكبيرة التي طرأت على الاقتصاديات العالمية. يقوم الاقتصاديون بالإشارة الى تلك الظروف باستخدام مصطلح "الاقتصاد المعرفي" و الذي قام بتطويره Peter Drucker في كتابه "The Age of Discontinuity". يولي الاقتصاد المعرفي اهتماما بالغا بالكادر البشري و ينظر اليه كأحد أهم الموارد التي ينبغي الاستثمار بها و استغلالها للنمو برؤوس الأموال و تحقيق العوائد. يقوم اللاعبون بهذا الاقتصاد بالتفريق بين العامل الذي يستخدم يده لانجاز أعمال روتينية و العامل الذي يستخدم عقله لتطوير أفكار و معارف. إن عملية التفريق هذه قد نتجت عن حاجة المنشآت المعاصرة الماسة للمعرفة باعتبارها السبيل الوحيد للاستجابة لظروف السوق المتقلبة و تمكينها من المنافسة. إن الكادر الانساني, على خلاف الموارد الأخرى كالآلات و المعدات, يعتبر العنصر الوحيد الذي يمكنه تحويل الاستثمارات إلى معرفة و المعرفة إلى منتجات و خدمات متميزة.
لقد أدركت حكومة المملكة العربية السعودية المسار الذي اتخذته الاقتصاديات العالمية و بادرت بتخصيص ميزانيات هائلة للاستثمار في الانسان و تطوير البيئة التعليمية.و وفقا لما جاء بالتقرير السنوي الصادر عن مجموعة Universties 21 , فقد احتلت المملكة المرتبة الثالثة على دول العالم في حجم الإنفاق الحكومي على التعليم العالي نسبة إلى ناتج الدخل القومي متقدمة على الدانمارك و فنلندا. بالإضافة إلى ذلك, لايزال برنامج الابتعاث الذي بدأ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز مستمرا في توفير فرصا تعليمية و تجارب دولية نادرة للفرد السعودي. و بالنظر إلى المخرجات, يثبت  السعوديون و السعوديات تفوقهم في كثير من المحافل الدولية. فقد تزايدت معدلات النشر بالدوريات العالمية و تصاعد عدد الحاصلين على براءات الاختراع و شهادات التميز من منظمات و جامعات عريقة. إن اهتمام المملكة بالتعليم قد ساهم في صناعة أنموذجا سعوديا فريدا من الشباب الطموح الذي يمكن الاعتماد عليه في بناء اقتصادا معرفيا متينا.
و على الرغم من نجاح خطط و جهود الحكومة السعودية في مشاريع الاستثمار في الانسان, إلا أن مخرجاتها قد واجهت تحديا عظيما. لقد كان الهدف الرئيس من تلك الجهود هو إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ليصبح قائما على المعرفة الانسانية و منافسا بارزا بالأسواق العالمية. و لكن يبدو أن استعداد السوق المحلي لهذا التحول لايزال غير مواكبا لتلك المستويات من الطموحات و الجهود المبذولة. فعلى سبيل المثال, إن حجم الاستثمارات في مشاريع البحث و التطوير بالشركات المحلية لاتزال على مستويات هامشية إذا ما قورنت بتلك التي تبذلها المشروعات الدولية النظيرة. و علاوة على ذلك, إن معظم المنشآت المحلية تقوم بممارسة أنشطتها في معزل عن الأسواق العالمية. لهذا تتقيد استراتيجيات التوسع لديها بالانتشار المحلي, فتتجنب بذلك الاحتكاك بالمنافسين الأجانب. بالتالي لا ينبغي أن نستغرب من تراجع أنشطة صناعة المعرفة لديها و ذلك لغياب الحاجة للابتكار التي تولدها عنف المنافسة الدولية. أضف إلى ذلك, إن تطور الصناعة المحلية لايزال في مراحله الأولى فلم تتمكن غالب المنشآت المحلية من أن تكون طرفا هاما في سلسلة القيمة الدولية (Global Value Chain). و رغم محدودية الامكانيات ببعض الدول النامية بالشرق الآسيوي و القارة الافريقية, إلا أن العديد من منشآتها التجارية قد نجحت في حجز مقاعد هامة في تلك السلسلة و بصناعات أساسية تشمل على سبيل المثال قطع السيارات و الطائرات و الأجهزة الاليكترونية.  
لقد عرضت الأمثلة السابقة عددا من التحديات التي لاتزال تعيق المشروع الوطني للتحول نحو اقتصاد المعرفة. و كنتيجة طبيعية للجهود المتواضعة من قبل رواد السوق المحلي,  تفشل محاولات توطين الثروة البشرية المتميزة و تتراجع فرص استغلالها في تطوير منتجات و خدمات تتربع بعلامات تجارية دولية بارزة. إن البديل الأمثل لمواجهة تلك التحديات يكمن في استقطاب المستثمرين الأجانب الذين يمتلكون موارد مالية و تقنيات و كفاءات متقدمة. فعلى سبيل المثال, يمكن للمستثمر الأجنبي أن يرفع من درجة المنافسة بالسوق المحلي مما يضطر المنشآت الوطنية إلى رفع استثماراتها في أعمال البحث و التطوير و صناعة المعرفة من أجل مواجهة ذلك المنافس القوي و البقاء بالصناعة. أيضا يستطيع المستثمر الأجنبي أن ينشيء بيئة عمل تنسجم و تتكامل مع المهارات و القدرات العالية التي تتمتع بها الكوادر الوطنية المتميزة من الخرجين و المبتعثين. أضف إلى ذلك, يستطيع المستثمر الأجنبي أن يوفر فرص عمل متجددة و يفتح مجالات واسعة لنقل و توطين التقنية. فمن أجل أن تكتمل الحلقة و تنجح الجهود الحكومية و جهود الكوادر المتميزة في التحول إلى اقتصاد معرفي, يجب أن تنهض الصناعة المحلية و ترتقي مجهوداتها لتلك المستويات الطموحة. إن ذلك يتطلب عمل مبادرات جادة لاستقطاب مشاريع أجنبية عملاقة و هامة في سلاسل القيمة الدولية, بالإضافة إلى توفير المناخ الذي يضمن بقائها و تفاعلها الداعم.