السبت، 27 فبراير 2016

مقاييس الأداء .. رفع الكفاءة و تكبيل الفساد



تحدثت بالأسبوع الماضي عن أهمية التفرقة بين المشكلات الناشئة عن الفساد و الأخرى الناشئة عن الكفاءة، للوصول إلى تشخيص سليم و حلول ملائمة. و كنت قد أكدت على أنه ليس كل خطأ نتيجة للفساد، و لكن هناك مشكلات إدارية عديدة منها مثلا، تدني الكفاءة (efficiency).

اليوم أود الحديث عن إحدى الحلول الإدارية الجوهرية لتحقيق الكفاءة داخل المنظمات (سواءا كانت حكومية أو خاصة)، و تتضمن أنظمة مقاييس الأداء (performance measurement systems).

تبنى مقاييس الأداء على ضوء الأهداف و النتائج التي ترغب المنظمة في تحقيقها، و تعطي الإدارة أداة هامة لمتابعة و معرفة مدى توافق العمل اليومي (أداء الموظفين) مع النتائج المخططة و الأهداف الموضوعة مسبقا. و الجدير بالذكر، أن التخطيط السليم يعد حجر أساس لأي منظمة تسعى إلى الإستمرارية، و أي تنظيم لا يسير وفقا لعمل مخطط و نتائج محددة مسبقا، قد يتحول إلى بيئة خصبة لانتشار الأخطاء و تدني الأداء و بالطبع تفشي الفساد

و بعد التخطيط الجيد و وضوح النتائج المستهدفة، يمكن أن تلعب مقاييس الأداء دورها في جمع المعلومات (الرقمية و غير الرقمية) التي تستخدم لقياس مدى تقدم العمل اليومي مقارنة بالنتائج المستهدفة.

و لتصور طريقة عمل مقاييس الأداء، يمكن النظر إلى استراتيجية تطويرالتي اعتمدتها وزارة التعليم لإصلاح التعليم العام. فقد حددت الاستراتيجية بوضوح الأهداف و النتائج التي تريد أن تصل إليها بشأن تطوير المدارس في خلال عدد من السنوات (٢٠١٢-٢٠١٩)، و ذلك بعد دراسة مستفيضة غطت مشكلات المرحلة الحالية و تحديات المرحلة المقبلة.

و لم تغفل الاستراتيجية عن إدراج عدد من مقاييس الأداء التي تمكن المسؤولين من متابعة و قياس مستوى الانجاز (النتائج الفعلية) مقارنة بما هو مخطط ضمن الاستراتيجية. على سبيل المثال، أحد أهداف الخطة هو تحسين أداء الطلاب في اللغة العربية و توظيفها، و المقاييس التي أدرجتها للتأكد من تحقق ذلك الهدف تشمل: مستوى التحصيل الدراسي، معدل القراءة الحرة و القراءة للمتعة، اختبار القدرات في اللغة العربية، معدل الكتابة الإبداعية و التدوين، و ترتيب المملكة في اختبارات بيرلز (PERILS).

و ليس الهدف من تلك المقاييس هو دعم المسؤولين بالمعلومات حول مدى نجاح تطبيق الخطط فحسب، و إنما أيضا مساعدة الموظفين (إداريي المناطق و المعلمين) للتعرف على الأداء المتوقع منهم وفقا للاستراتيجية. بمعنى آخر، توفر تلك المقاييس قناة يدرك من خلالها المعلمين مهامهم، مسؤولياتهم، و مدى تقدم إنجازهم مقارنة مع ما هو متوقع منهم وفقا ل تطويرو ذلك عبر تقييمات و تقارير الأداء التي يستلمونها دوريا. فمستوى تحصيل الطلاب الدراسي و نتائجهم في اختبارات القدرات يوفران للمعلمين بعض الأدوات التي تمكنهم من معرفة جوانب القصور في الأداء كي يعملوا على تحسينها مستقبلا.

إن تحقق التكامل بين الخطط و بين الإنجاز الفعلي (اليومي) هو أحد أهم الوسائل التي يتم من خلالها تحسين الأداء و رفع الكفاءة.  

و حينما تضيق الدائرة الحكومية السبل أمام الانحرافات في الأداء و تصحح الأخطاء فور حدوثها، فذلك سيجلب تكبيلا أثقل للأيدي المفسدة و يكشف المقصرين و يمكن من محاسبتهم.





السبت، 20 فبراير 2016

فساد أم كفاءة!



يخلط الكثيرون في تشخيص الأخطاء التي ينتج عنها هدر في الموارد أو ضعف في الإنتاجية أو الجودة. و حينما نسمع بخبر وجود أخطاء بإحدى الوزارات، أو المؤسسات أو الشركات، فإن أول ما يطرأ على البال أنها ناتجة عن الفساد (أي استغلال الموظف للوظيفة لتحقيق مكاسب شخصية).

و كما نعلم جميعا، يقودنا التشخيص الخاطئ إلى صياغة حلول خاطئة، قد ينتج عنها المزيد من الهدر للموارد.

و في الواقع، ليس كل خطأ هو نتيجة لوجود فساد. هناك مشكلات إدارية عديدة، تقليدية و حديثة، تقود إلى ضعف الأداء و تراجع الإنتاجية و إهدار الموارد.

كل منشأة أو شركة وجدت من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف. على سبيل المثال، الجامعة تعمل من أجل تزويد المجتمع بالدراسات و الأبحاث التي تعالج أبرز قضاياه و من أجل دعم سوق العمل بالكوادر البشرية عالية التأهيل، و المستشفيات وجدت من أجل القضاء على الأمراض الوبائية، استقبال الحالات الطارئة، و معالجة المرضى.

 و لكي تتمكن الجامعة، مثلا، من تحقيق أهدافها تلك، يتطلبها ذلك أن تملك مجموعة من الموارد البشرية و التقنية و أن تحسن إدارتها (و قد يتطلب ذلك الإنفاق عليها لاستقطابها (نفقات تعيين، تكوين، أو تأسيس)، الإنفاق من أجل صيانتها أو منع تسربها، ثم أيضا تنفق من أجل تجديدها أو تطويرها لتواكب التغيرات الطارئة (نفقات في صورة برامج تدريبية أو تحديث للتطبيقات و الأنظمة)). و بإدارة هذه الموارد و اتخاذ العديد من القرارات الإدارية و المالية بشأنها يمكن للمنشأة البقاء و الإستمرار للوصول إلى النتائج التي ترغب في تحقيقها (الأهداف).

و لكن، تقف الكثير من التحديات و المعوقات أمام الوصول إلى الإدارة المثلى (الكفاءة - efficiency) لتلك الموارد، و هي تحديات تختلف عن مشكلة الفساد. فماهي مشكلة الكفاءة و ما تأثير غيابها؟

الكفاءة بمنظور عام تعني تحقيق أقصى كمية، أو ربح، أو إنتاجية ممكنة من الموارد المتوفرة. و بطريقة أخرى تعني تقليص هدر الموارد باستغلالها الاستغلال الأمثل. و ذلك يتطلب معرفة واسعة بالأساليب الإدارية و الأدوات الحديثة و التحديات المعاصرة لوضع الخطط و السياسات و ترشيد القرارات على ضوء نتائج دراسات و مسوح و رؤى واضحة.

و الكفاءة ليست هدف ثابت، و لكنه في حالة شد و جذب مستمر، هدف يتطلب إدارة متوازنة للموارد بين الربحية و المسؤولية الاجتماعية، بين الحاجة للاستقرار و الحاجة للتطوير، بين الإنفاق للتنويع و بين الإنفاق للتوسع، بين التعاون و بين المنافسة، بين التكلفة و بين التميز، بين الإستجابة للبيئة و بين المعيارية، و قد تطول الثنائيات المتناقضة.

مما سبق قد يمكن للبعض تصور الفرق بين المشكلات التي تتبع غياب الكفاءة في إدارة الموارد و بين المشكلات التي تتعلق بنزاهة الموظفين (الفساد).

و مشكلات الكفاءة لا تعالج بفصل أو محاسبة من أرتكب الخطأ و لا بإحكام الرقابة، بل تتطلب معالجة مختلفة. فمثلا، قد تأخذ المعالجة مسارات هيكلية أشمل (أي قد تبدأ من الخطط و السياسات و الإستراتيجيات، ثم تصل إلى تقليص أو دمج إجراءات العمل اليومي و رفع أداء الموظف).