لكي نصل إلى معنى أدق للنجاح, معنى يستطيع أن يتصوره الجميع و يتفقون
عليه, سنحتاج أن نضعه ضمن إطارات معينة لنتحكم في قياساتنا و نتائجنا. يمكن أن نقترح
إطارين لمفهوم النجاح, الأول: الإطار الشخصي, و الآخر الإجتماعي.
بالنسبة للإطار الشخصي, فلكل واحد منا مجموعة من الأهداف الشخصية التي
يسعى إلى تحقيقها. من بينها مثلا الحصول على شهادة من جامعة مرموقة ترفع من الفرص
بعد التخرج, أو الحصول على وظيفة بمردود عالي, أو السفر, أو زيارة معرض أو مطعم,
أو تعلم طريقة صنع شيء للاستخدام الشخصي. أيا كانت الأهداف الشخصية, يمكن أن نقول
أن تحقيقها هو نجاحا على الصعيد الشخصي. أما على الصعيد الإجتماعي, يتطلب الأمر أن
نجد من يهمه تحققها لنقول أنها نجحت اجتماعيا أيضا.
قبل أن أنتقل إلى الإطار
الإجتماعي, لي وقفتين مع الأهداف الشخصية تلك: فكما تلاحظون, يمكن تصنيفها إلى
مجموعتين, الأولى أهداف تجلب للإنسان منافع دائمة (الشهادة, الوظيفة), و الأخرى تحقق
له منافع مؤقتة (زيارة مطعم - المنفعة هي الاستمتاع باللحظات فيه), و مع اختلاف
النتائج, كلا الصنفين يستهلك جزءا من موارد الإنسان الشخصية (المال و الوقت).
الآن مع الوقفة الثانية, عادة ما يضع الإنسان أهدافه الشخصية في حدود
ما يملكه من وقت و مال يمكنه من تحقيقها, و بالتالي تحكمه فيها يكون أعلى. فمثلا, لو
أراد شخصا أن يزور مطعما أو أن يسافر, فهو على الأغلب, لن يحتاج إلى موافقة
الآخرين (المجتمع) أو دعمهم, كل الذي سيحتاج إليه هو الإرادة و بعض المال و الوقت.
و مع ان التحكم في تحقيق الأهداف الشخصية عادة ما يكون أكبر مما هو عليه الحال مع
الأهداف الإجتماعية كما سنرى, إلا أن الفرص المتوفرة لها لتنمو محدودة و مقيدة
بمقدار موارد.
ماذا لو وضع الإنسان لنفسه أهدافا تتعدى منافعها الصعيد الشخصي و تصل
للآخرين في مجتمعه, هنا يمكن أن ندخلها ضمن الإطار الإجتماعي و نحلل سبل نجاحها من
ذلك المنظور. فتحقيق الأهداف ضمن الإطار الإجتماعي يتطلب تجاوز عدة خطوات قبل أن
نقول أنها نجحت, فلن تكفي الإرادة و الموارد الشخصية.
إن نجاح الأهداف على الصعيد الإجتماعي يتطلب على الأقل إعتراف المجتمع
بها (أو اعترافه بوجودها), و سيكون الفرد محظوظا لو قبلها المجتمع (أي أصبح يتابع
تقدمها و يهمه أمرها), و سيكون عظيما لو تمكن من استقطاب دعم المجتمع (أي تمكن من
تحفيز الآخرين ليشاركونه مواردهم, أموالهم و وقتهم و خبراتهم) في سبيل تحقيقها و
تنميتها.
بالتالي, يمكن أن نقول أن التحكم هنا أقل منه على الصعيد الشخصي كونه
يعتمد على مدى قبول الآخرين لها و دعمهم أولا. و لكن الفرص على الصعيد الأجتماعي
أكبر, لأنها إذا نجحت في استقطاب الدعم سوف تنمو بشكل أسرع, و التحكم فيها سيتقدم.
تذكر عزيزي القارئ أن الناس لا يهمهم تحقق أو عدم تحقق أهدافك الشخصية
و لن ينشغلوا بمتابعة مدى تقدمها أو يبحثوا عن أي شراكات معك لدعمها مالم يجدوا
ارتباط بينها و بين أهدافهم و شعروا أن نجاحك هو نجاح لهم أيضا. فلا تنسى أن تخلق
القيمة (المنفعة) للآخرين و أنت تصيغ أهدافك إذا أردت لها النجاح ضمن الإطار
الإجتماعي.