السبت، 28 نوفمبر 2015

فلسفة النجاح


لكي نصل إلى معنى أدق للنجاح, معنى يستطيع أن يتصوره الجميع و يتفقون عليه, سنحتاج أن نضعه ضمن إطارات معينة لنتحكم في قياساتنا و نتائجنا. يمكن أن نقترح إطارين لمفهوم النجاح, الأول: الإطار الشخصي, و الآخر الإجتماعي.

بالنسبة للإطار الشخصي, فلكل واحد منا مجموعة من الأهداف الشخصية التي يسعى إلى تحقيقها. من بينها مثلا الحصول على شهادة من جامعة مرموقة ترفع من الفرص بعد التخرج, أو الحصول على وظيفة بمردود عالي, أو السفر, أو زيارة معرض أو مطعم, أو تعلم طريقة صنع شيء للاستخدام الشخصي. أيا كانت الأهداف الشخصية, يمكن أن نقول أن تحقيقها هو نجاحا على الصعيد الشخصي. أما على الصعيد الإجتماعي, يتطلب الأمر أن نجد من يهمه تحققها لنقول أنها نجحت اجتماعيا أيضا.

 قبل أن أنتقل إلى الإطار الإجتماعي, لي وقفتين مع الأهداف الشخصية تلك: فكما تلاحظون, يمكن تصنيفها إلى مجموعتين, الأولى أهداف تجلب للإنسان منافع دائمة (الشهادة, الوظيفة), و الأخرى تحقق له منافع مؤقتة (زيارة مطعم - المنفعة هي الاستمتاع باللحظات فيه), و مع اختلاف النتائج, كلا الصنفين يستهلك جزءا من موارد الإنسان الشخصية (المال و الوقت).  

الآن مع الوقفة الثانية, عادة ما يضع الإنسان أهدافه الشخصية في حدود ما يملكه من وقت و مال يمكنه من تحقيقها, و بالتالي تحكمه فيها يكون أعلى. فمثلا, لو أراد شخصا أن يزور مطعما أو أن يسافر, فهو على الأغلب, لن يحتاج إلى موافقة الآخرين (المجتمع) أو دعمهم, كل الذي سيحتاج إليه هو الإرادة و بعض المال و الوقت. و مع ان التحكم في تحقيق الأهداف الشخصية عادة ما يكون أكبر مما هو عليه الحال مع الأهداف الإجتماعية كما سنرى, إلا أن الفرص المتوفرة لها لتنمو محدودة و مقيدة بمقدار موارد.

ماذا لو وضع الإنسان لنفسه أهدافا تتعدى منافعها الصعيد الشخصي و تصل للآخرين في مجتمعه, هنا يمكن أن ندخلها ضمن الإطار الإجتماعي و نحلل سبل نجاحها من ذلك المنظور. فتحقيق الأهداف ضمن الإطار الإجتماعي يتطلب تجاوز عدة خطوات قبل أن نقول أنها نجحت, فلن تكفي الإرادة و الموارد الشخصية.

إن نجاح الأهداف على الصعيد الإجتماعي يتطلب على الأقل إعتراف المجتمع بها (أو اعترافه بوجودها), و سيكون الفرد محظوظا لو قبلها المجتمع (أي أصبح يتابع تقدمها و يهمه أمرها), و سيكون عظيما لو تمكن من استقطاب دعم المجتمع (أي تمكن من تحفيز الآخرين ليشاركونه مواردهم, أموالهم و وقتهم و خبراتهم) في سبيل تحقيقها و تنميتها. 

بالتالي, يمكن أن نقول أن التحكم هنا أقل منه على الصعيد الشخصي كونه يعتمد على مدى قبول الآخرين لها و دعمهم أولا. و لكن الفرص على الصعيد الأجتماعي أكبر, لأنها إذا نجحت في استقطاب الدعم  سوف تنمو بشكل أسرع, و التحكم فيها سيتقدم. 

تذكر عزيزي القارئ أن الناس لا يهمهم تحقق أو عدم تحقق أهدافك الشخصية و لن ينشغلوا بمتابعة مدى تقدمها أو يبحثوا عن أي شراكات معك لدعمها مالم يجدوا ارتباط بينها و بين أهدافهم و شعروا أن نجاحك هو نجاح لهم أيضا. فلا تنسى أن تخلق القيمة (المنفعة) للآخرين و أنت تصيغ أهدافك إذا أردت لها النجاح ضمن الإطار الإجتماعي. 




السبت، 21 نوفمبر 2015

رأس مالك الإجتماعي قد يحكم فرصك

 إذا أراد الواحد منا قراءة مستقبله و التنبؤ بأعلى مركز (وظيفة, مكانة, ثروة, أو سلطة) يمكن أن يصله, عليه أولا قياس مقدار رصيده من رأس المال الإجتماعي.

يتكون رأس المال الإجتماعي من مجموعة الموارد القيمة أو الثمينة, و أقول قيمة لما لها من قيمة مادية, أو معنوية (منصب, مكانة, مال, أو قوة (سلطة)). و يمكن تقسيم هذه الموارد إلى صنفين: موارد شخصية و موارد إجتماعية.

الصنف الأول, الموارد الشخصية و هي كل ما يملكه الفرد و يستطيع استخدامه أو التحكم فيه بحرية تامة و لا يحق لأحد محاسبته عليه و لا مطالبته بتعويضه, كراتبه و ممتلكاته الشخصية و شبكاته الإجتماعية التي كونها وحده.

أما الصنف الثاني, الموارد الإجتماعية و هي موارد يملكها الآخرون أو المجتمع, يمكن للشخص الوصول إليها من خلال علاقاته الإجتماعية المباشرة و غير المباشرة. و من تمكن من الوصول إليها, لن يستطيع استخدامها بحرية كما لو كانت ملكا له, و لكن يستخدمها مؤقتا و يكون محاسب عليها و مطالب بتعويضها.

مثال للتوضيح, أفرض أن لك صديقا مقربا, و له أخ يعمل مديرا تنفيذيا في واحدة من أكبر الشركات المحلية (موارد إجتماعية). علاقتك الجيدة بصديقك قد تفتح لك نافذة توصلك إلى جزء من تلك الموارد الإجتماعية. بمعنى أدق, قد يأتي يوم و تمنحك تلك العلاقة الفرصة في الوصول إلى بعض أهدافك (وظيفة بمردود عالي), إذا قرر صديقك أن يدعمك لمعرفته اليقينية بتميزك. و إن حصلت على الفرصة, ستظل تلك الموارد تحت تحكم صديقك و أخيه و ما ستحصل عليه من مكانة أو سلطة أو مال من خلالهم سيكون بشكل مؤقت و ستظل محاسب عليه, باستثناء راتبك و ما استطعت إضافته إلى رصيدك الشخصي من علاقات إضافية خلال العمل أو مهارات و خبرات (بطرق جائزة شرعا و قانونا).

إذن, قدرة الفرد على الوصول إلى الموارد الإجتماعية تحددها جزئيا سعة و قوة شبكته الإجتماعية (علاقاته).

و لكن ليست العلاقات هي المحدد الرئيس لرصيدك من رأس المال الإجتماعي, فهناك أمور تسبقها و تتحكم في مدى امكانية تكونها و توسعها و هي تتضمن رأس مالك الشخصي (مستوى تعليمك و خبراتك و ثروتك), منصبك السابق و مكانة والديك الإجتماعية (ثرواتهم, مناصبهم, سلطاتهم,علاقاتهم), سوف تبدأ من هنا, من حيث انتهى عليه رأس مالك شخصي.

لتصبح فرصك أكبر, إجعل أهدافك متجهة نحو الصعود إلى قمة الهرم و ليس أفقيا, لأنك كلما تقدمت رأسا في سلمك الإجتماعي, قل عدد المنافسين و كثرت الموارد و اتسع نطاق السلطة الذي بين يديك, و عندها تصبح أقرب إلى صنع أحلامك و أحلام مجتمعك بتميزك. 

قبل الختام, هذه ليست دعوة لجعل علاقاتنا مادية, و لا لتبرير "الواسطة". هذه قطعة معرفية أريد توصيلها إلى أولئك المتميزون من قياديي المستقبل من أبناء مجتمعنا غير المحظوظين أو التائهين عن مفاتيح الفرص رغم تفوقهم و عظمتهم. فصعود أولئك المتميزون نحو المناصب القيادية سيكون في صالح تقدم المجتمع, و الخطوة التي تنتظرهم هي الظهور و توسيع العلاقات و مزاحمة الساحة بكل اسهام راقي يمكن إنتاجه و ترويجه, كي يعرفوا و يستقطبوا من قبل قياديي الوطن الآخرين.




السبت، 14 نوفمبر 2015

التكنولوجيا.. المنافس الأهم

في اقتصاد تحكمه التكنولوجيا و متغيراتها, يواجه رواد الأعمال صعوبة في تسمية النشاط الرئيس لمشاريعهم. فقد غيرت التكنولوجيا العلاقة بين الشركات و عملائها و جعلت الطرف الأخير هو الحكم, و أصبح السؤال الأهم هو "ماذا يريد الزبون" و ليس "ماذا يفعل المنافس" كما كان في السابق.

فبالماضي القريب, كانت سيارات الأجرة تعتمد على قوائمها الخاصة من بيانات الزبائن التي كانت تجمعها ذاتيا, حتى جاء ذلك التطبيق الذكي الذي غير وجه العلاقة بين الطرفين و استبدل قوائمها الخاصة بشبكات اتسعت للجميع و وضعت الإختيار في يد العميل.

و مثالي الآخر هو ما أحدثته وسائل التواصل و الإنترنت من تغييرات كبيرة على تفضيلات متابعي الإعلام التي أصبحت تميل إلى المعلومة السريعة و المرونة في اختيار الوقت و هو ما لم تتنبأ به الوسائل التقليدية حتى رأت التحول قادما من خارج محيطها التنافسي المألوف, لتضطر إلى الإستجابة بالحضور أينما وجد الجمهور و كيفما أحب.

تلك التحولات جعلت الشركات تبحث عن أساليب و أصول و عمالة تتسم بمرونة عالية للتغيير لتتمكن من الاستجابة السريعة لتفضيلات الزبائن المتغيرة و المنافسة بطرق مبتكرة.

فوفقا للمسح الذي قامت به PwC و الذي شمل 1322 مدير تنفيذي من 77 دولة, 61% منهم يرى ازدياد الفرص و كذلك التحديات عما كانت عليه قبل ثلاث أعوام. 39% منهم واثقون من قدرة مشاريعهم على النمو بالعام القادم, علما بأن أغلب الآراء المتفائلة تعكس أسواق الشرق الأوسط و جنوب شرق آسيا.

و بالنسبة للتحديات, 78% منهم عبروا عن قلقهم من ازدياد الأنظمة و بخاصة أنظمة العمل و التبادل التجاري باعتبارها تعيق سرعة الاستجابة للتغيرات, و 73% يرون أن ندرة العمالة المدربة واحدة من التحديات الكبيرة.

أما من حيث المنافسة, 54% من التنفيذيين شرعوا بدخول صناعات مختلفة عن صناعاتهم الرئيسة, أو عقدوا العزم على ذلك. و من ناحية أخرى, 56% منهم يرى أن المنافسة ستكون قادمة من الصناعات البديلة و ليس المنافسين من نفس الصناعة (مثال للتوضيح, دخول الإنترنت في صناعة الإعلام كمنافس من خارج نطاق الإعلام التقليدي).

و من حيث التقنيات الأكثر أهمية, يرى 81% من التنفيذيين أن الهواتف الذكية أهم القنوات للوصول لشرائح أكبر من العملاء. و يعطي 80% منهم أهمية لتطبيقات جمع و تحليل البيانات, لاستخدامها في التنبؤ بالمتغيرات المقبلة و صناعة القيمة للزبائن.

يؤمن معظم التنفيذيون بأهمية تكوين تحالفات مع شركاء متنوعين, حيث عبر 51% منهم عن استعداده لذلك, و ذكر 47% منهم أن الدافع من تكوين الشراكات هو سد النقص (امتلاك تقنيات و مهارات جديدة غير متوفرة أو لا يمكن تكوينها داخليا بتكلفة أو وقت أقل).

و أخيرا, غطى المسح رأي التنفيذيون في تنوع العمالة من حيث الجنس, المعرفة, الخبرة, و القدرات لإضافة طرق مختلفة في التفكير و العمل. فقد أشار 85% ممن يعتمدون التنوع أن ذلك عزز من أداء مشاريعهم, و ذكر 56% منهم أن تنوع العمالة أعانهم على دخول صناعات جديدة بنجاح.


ختاما, بقدر ما جلبت التكنولوجيا من فرص, فقد جلبت تحديات, و عقدت اللعبة أمام كل من تأخر عن امتلاك مفاتيحها.     

السبت، 7 نوفمبر 2015

ضبابية حول سياسة التعليم


بالاسبوع الماضي, نشرت الصحف خبر عن وزارة التعليم, تعمم فيه على الجامعات بالموافقة على ابتعاث المعيدات و المحاضرات داخليا.

إننا نشعر بعمق المشكلة و الصعوبات التي تواجهها أخواتنا المعيدات و المحاضرات نتيجة للضغوط المتكررة عليهن لاتخاذ قرار الإبتعاث على الرغم من أن القرار قد لا يكون بيدهن, و من الجانب الآخر, نشعر أيضا بحاجة الطالبات الملحة لخدمة تعليمية لا تقل عن المستوى الذي يرفع من فرصهن في القبول بالوظائف الجيدة, و تؤمن لهن حياة كريمة.

النقاط المذكورة بالأعلى ليست محور مقالي لليوم, و إنما الطريقة التي استخدمتها الوزارة في صياغة القرار. فقد فجرت عدد من علامات الاستفهام التي شكلت ضبابية حول سياسة التعليم الوطني و أعادت بالذاكرة لحال التعليم في زمن الإرتجال بالسياسات.

الذي يمكن لنا أن نفهمه هو أن الذي يحدد كيف ينبغي أن تكون عليه سياسات التعليم هي الرؤى الواضحة التي بلورتها الإستراتيجيات (آفاق و تطوير) و معايير الجودة المعتمدة لدعم احتياجات الطلاب التعليمية.

فنحن نملك توصيات بنيت على خطط و دراسات متقدمة حددت بكل دقة كيف ينبغي أن تكون عليه القرارات, بل و حتى البرامج و الإجراءات و بكل تفاصيلها. و قد أنفق على تلك الجهود الملايين و شارك في تجهيزها نخبة من المختصين و الباحثين, كي يتم الإسترشاد بها عند صياغة القرارات, و ذلك لتقديم خدمة تعليمية تسير على خطى راسخة و تؤمن للطلبة مستقبلهم و تحفظ جهدهم.

و رغم ذلك, يبدو أننا آثرنا الارتجال. و من بين علامات الإستفهام الكبيرة التي أثارتها الطريقة ما يلي:  

ماهو مبرر اتخاذ قرار غير واضح من منظور استراتيجية آفاق و من منظور متطلبات الجودة و احتياجات الطالبات التعليمية للقرن الحادي و العشرين؟

و ماذا يقصد الوزير من وصف جامعاتنا بالعريقة, هل من حيث العمر؟ أم من حيث الإعتمادات الأكاديمية التي لم تنجح بعد برامجها للدراسات العليا من الحصول عليها؟ أم تواضع مراكزها في التصنيفات العالمية؟

و إذا كان الغرض من القرار هو معالجة مشكلة قائمة و إزالة الضرر عن أخواتنا, فمن الممكن تفهم ذلك مرحليا, و لكن لم يوضح معالي الوزير ما إذا كان قراره شاملا للتعينات بالمستقبل, لندخل في ضبابية تضعف قدرتنا على رؤية مستقبل التعليم. فنحن نرى و بوضوح الشمس ما قد تتسبب به تلك السياسة من تضارب جوهري ما بين الممارسات الميدانية و بين الخطط المعتمدة و متطلبات الجودة.

الأهم من ذلك كله, هل القرار هو إشارة للعودة مجددا للإرتجال بالسياسات و التخلي عن الخطط المدروسة و الاستراتيجيات؟

آمل أن لا تكون الإجابة بنعم, فقد تقدمنا بمراحل كبيرة و تأملنا كثيرا. و لن تنجح أي سياسة تعليمية تضع الطالب في مكانة ثانوية و هو العنصر الأهم من وجود المؤسسات التعليمية, لأن ذلك سيؤدي إلى التضارب الذي يقود إلى بعثرة الجهود و الموارد و ضياع مستقبل الطلاب.