الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

صناعة المعلومة المالية


تعد المحاسبة المالية أحد أهم دعائم المنشآت الحديثة و أسواق الأسهم. يصنع المحاسب المعلومة المالية و يقدمها لأصحاب المصالح المرتبطين بالمنشأة كملاك الأسهم. يسير على معايير في إعدادها و لكنه يتحمل مسؤولية سلامتها و تبعات القرارات الاقتصادية التي تبنى عليها.
تواجه المحاسبة المالية تحديات متجددة لارتباطها بعوامل اقتصادية على مستويات متعددة بدءا من الظروف الداخلية للمنشأة مرورا بظروف الصناعة و المنافسة و انتهاءا بالوضع الاقتصادي المحلي و أحيانا العالمي. أيضا لكون المحاسبة لاتزال فن, حيث لم تنجح الجهود الاكاديمية في الخروج بنظرية علمية متفق عليها رغم العدد الهائل من الأوراق العلمية المنشورة بالدوريات المختصة بالأبحاث المحاسبية بعد ظهور منهج positivism بأواخر السبعينيات. 
بالسابق, كانت مهمة المحاسب هي قياس و تدوين المعاملات التي يترتب عليها تبادل مالي استنادا على المعلومات الواردة بالمستندات (كالفواتير) و تلخيصها في قوائم مالية ذات أغراض عامة. و لكن مع التطور التكنولوجي, أصبحت هناك حاجة لقياس الممتلكات بطرق أكثر شمولية (لتتضمن الممتلكات غير الملموسة كالعلامات التجارية و نتائج أنشطة التطوير) و بأدوات تعكس الظروف المحيطة بالمنشأة (كأسعار السوق). و فور صنع المعلومة المالية و إخراجها, يستلمها مستخدمين ذوي كفاءات فنية عالية و متقدمة في التدقيق و المسائلة من أمثال المراجعين و المحللين و كبار المستثمرين.
من المفيد أن نتعرف كيف يصنع المحاسب السعودي المعلومة المالية و ماهي الأدوات التي يستخدمها. حوالي نصف القيم المحاسبية تقديرية (تتضمن إهلاكات, مخصصات, مستحقات مقدمة و مؤجلة و ممتلكات غير ملموسة), لهذا تتطلب المحاسبة عناية و دراية واسعة بالظروف الاقتصادية سواءا الداخلية أو البيئية للمنشأة للخروج بتقديرات أقرب للواقع. يطبق المحاسب معايير المحاسبة المتفق عليها و الصادرة من SOCPA. تلك المعايير ليست إلا دليل للممارسات المحاسبية المقبولة في القياس و لا تمنحه الحماية من المسائلة إن أخطأ في التقدير. يقوم المحاسب بمتابعة أنظمة و لوائح هيئة السوق المالية و أيضا توقعات المحللين الفنية و حركة السهم و قد يقارنه بمؤشر الصناعة و أسعار الشركات النظيرة, و إن تبين وجود فروقات كبيرة أو تضارب بين المعلومات التي يعدها و المعلومات السوقية للسهم و عوائده سيكون عرضة للمسائلة من قبل المراجعين و المحللين و المهتمين بالأمر. و في قياسه للممتلكات كالعقارات و المعدات و براءات الاختراع, قد يلجأ المحاسب للتقارير و الإحصائيات الصادرة عن وزارة الاقتصاد و التخطيط و وزارة التجارة و الصناعة ليكون لمحة عن الأوضاع الاقتصادية المحلية و بنية الصناعة (حجم و قوة المنافسين) و حجم السوق المحتمل و مخاطره, قبل تقدير قيمها. قد يلجأ المحاسب أيضا إلى متابعة منشورات ساما ليتوقع تغيرات أسعار الفائدة و العملة و فرص التمويل و التأمين و التي قد تعطي المنشأة قوة مالية تساهم في تخفيض المخاطر حول التقديرات عندما تكون المؤشرات إيجابية. أخيرا, قد يستخدم المحاسب مصادر أخرى للمعلومات غير المذكورة أعلاه إن كانت تبرر استنتاجاته.     
ختاما, صناعة المعلومة المحاسبية مسؤولية معقدة, و بالرغم من أن جزءا كبيرا منها يعتمد على التقدير, إلا أنها مقادير أساسية لقرارات اقتصادية هامة على المستويين القومي و الجزئي (المنشآت).
حنان المرحبي


الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

هيبتك أم بريستيجك أيها المعلم و المعلمة!


إني أتسائل ماذا تعني الهيبة في أذهان المعلمين؟ و ماهي طريقتهم في تعزيزها؟ مما شهدته في طفولتي و مما أشاهده اليوم من ممارسات أستطيع أن أقول أن الهيبة لديهم تعني جعل الطالب يخاف منهم أو يشعر بأنه "لا شيء" أمامهم حتى يحترمهم. و كيف يغرسون الخوف و يحطمون ثقة الطلاب في أنفسهم؟ ببساطة, من خلال استخدام أساليب ترويع و إذلال أشبه بأساليب مربي الشارع التقليدي و ليس التربوي كالعنف اللفظي و منها رفع الصوت, التحقير, السب, و التهديد, و العنف البدني كالضرب أو الحبس, و ذلك بزعم تخريج طلبة مبدعين فكريا و أسوياء سلوكيا! و هل تحتمل العملية التربوية و التعليمية تلك النماذج المضطربة و المستحقرة!
المدرسة هي بيئة للتجارب الاجتماعية و التعلم, و من المفترض أن تكون معدة لاستقبال طلاب من طبقات إجتماعية متعددة, تعلمهم و تحثهم على التفاعل –خوض التجارب- الذي قد ينشأ عنه بعض الصدامات و الأخطاء. يتوقع التربويون تلك الأخطاء مسبقا و يجهزون الحلول العلمية لها قبل حدوثها, ليقوموا باحتواؤها و تصحيحها بهدوء.
لكن الذي يحدث في الواقع مختلف تماما. يقوم الكثير من التربويين بتضييق مساحة التجارب المدرسية للحد من الأخطاء ما أمكن مستخدمين تعاليم غير دقيقة أو غير محدثة و بالتالي مثيرة لسوء الفهم و حل تربوي واحد و هو الهيبة – و بالمعنى الترهيبي. قد يكون السبب هو عجزهم في إيجاد حلول بديلة لمشكلات الطلاب المتجددة, ما يشعرهم بالتوتر و يحفز سلوكهم العنيف. و محصلة ذلك التخبط السلوكي لدى أولئك المعلمين إما طلبة فاقدين الأمان و الثقة في من حولهم (مشاغبين و عنيفين) أو طلبة فاقدين الثقة في أنفسهم (قلقين, مترددين, و منطوين).
أيضا, ينتج عن الترهيب توتر العلاقات و بناء الحواجز بين الطلبة و المعلمين. تؤكد الدراسات بان الأجواء المتوترة و غير الآمنة تضعف القدرة على الاستيعاب و تعيق التعلم و الابداع. بالتالي, لن يكون هناك تحصيل علمي و لا سلوكي, و مربي "الشارع" التقليدي كان جديرا بالمسؤولية التربوية هو أيضا, فهم لا يختلفون.
غالبية الطلبة هم من الأسوياء و يستحقون الاحترام و الثقة و عدم تعميم البلاء عليهم, و إن أخطأو فهو أمر طبيعي في حقل التجارب و التعلم المدرسي و لا ينبغي ترهيبهم بل توجيههم و رفع ثقتهم. أخطاؤهم بالغالب غير مقصودة أو ناتجة عن سوء الفهم أو لعوامل نفسية خاصة بسن الطفولة أو المراهقة, و ينبغي النظر إليها كفرص لتفعيل الدور التربوي المنظم و المدروس.
ختاما, هناك بديل أمثل للهيبة و هو بريستيج المعلم الذي لا يمكن أن يجتمع مع أساليب المربي التقليدي في شخص واحد. بريستيج المعلم يمنحه القدرة على التأثير و بناء القدوة و كسب احترام الطلبة و ثقتهم. يبنى بريستيج المعلم على أساس مستواه العلمي و التربوي, إنجازه, قدرته على تنمية مهارات الطلبة, سلوكه المؤسسي المنضبط و المبني على أسس و أهداف تربوية و تعليمية حديثة و منسجمة مع محيطه المدرسي و لا تتصادم مع توقعات الطلبة و تحترم خصائص جيلهم, امتثاله بالخلق, التسامح, و التواضع عند صحبتهم.



الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

كن أنت!


الانسان, من المنظور الاجتماعي, إما تابع أو متبوع. و بعصر العولمة الذي نعيشه و الذي نتيج عن انتشار وسائل الاتصالات و المواصلات, ازدادت المجالات التي تجعل الانسان تابعا, و تراجعت الفرص التي تجعله متبوعا. فاقتصاديا, عندما يبحث الفرد عن الاستهلاك يكون تابع, و عندما يتقصى فرص التجارة المربحة و "ينجح" يصبح متبوعا. في التعليم, عندما يطلب العلم, يكون تابعا, و عندما يبتكر و يجدد المعرفة و ينجح في حصد اعتراف الناس يصبح متبوعا, و هكذا ببقية المجالات. و يبدو أن فرص التبعية أكثر متناولا للفرد, لأنها ضمن إرادته و اختياره, لكن إن أراد الانسان أن يكون متبوعا, فذلك أصعب, لأنه اختيار الناس.
التبعية و المتبوعية كلمتان تتحدث عن شيء واحد, و هو الاختيار – في تحديد الطريقة و التفضيلات. فإما أن يضع الشخص الطريقة و يسن التفضيلات لنفسه و للآخرين (فيكون متبوعا), أو أن يسير على طريقة أو تفضيلات غيره (فيكون تابعا).
في الغالب, يصعب على الانسان أن يمتلك الاختيار في الفرص التي تأتيه (بعكس الفرص التي يصنعها بنفسه). مثلا, عندما يحصل الفرد على منحة تعليمية, فهو أمام هذه الفرصة لا يملك سوى بذل أقصى جهده لتحصيل الدرجات المتطلبة للالتحاق بالتخصص الذي يحلم به, و لو كانت المناهج متقادمة أو كانت طريقة التقييم غير منصفة, أو كان المعلمون دون المستوى, هذه الأمور تخرج تماما عن اختياره و سيطرته. و المستهلك كتابع, لا يملك سوى الاختيار من بين مجموعة المواصفات و الجودة التي يختارها له المصنع (المتبوع أو المتحكم) وفقا للسعر الذي يتطلبه. و ينطبق هذا أيضا على العامل و رب العمل, فلن يملك الأول سوى قبول شروط من أوجد الفرصة الوظيفية له, و لو كانت لا تتفق مع طموحاته.
لهذا, لا تنظر للفرص التي تأتيك كغايات, فتسقط في فخ التبعية. و لكن كن أنت, كما تحب, بتعقيد خياراتك في قبول تبعية الآخرين. فإن كنت مستهلك, كن مساوما عنيفا على الاسعار و الجودة و المواصفات, حتى تضطر التجار لاحترام تفضيلاتك و تحسين أداء منتجاتهم و خدماتهم. و إن كنت ذا طموح, قم بتخطيط أهدافك المستقبلية و سبل تحقيقها و لا تنتظر أن تحددها لك المناهج أو رب العمل. فتلك الفرص تأتيك بتفضيلات من أوجدها, و التي قد لا تكون مثلى, فإن كانت سبيلا لتحقيق بعض أهدافك, فاقبلها كممرات للعبور فقط و لا تقبلها كغايات. ارتقي بأهدافك و رتب أولوياتك من أجلها باستقلالية.    

قبل أن أختم, لا أقصد من كلامي أن تبعية الآخرين شيء سيء, لأن العكس صحيح. فالانسان في حاجة للاختلاط بالأخرين باستمرار ليكتسب من معارفهم و خبراتهم, فيطور أهدافه تبعا لمستجداتهم فلا تتقادم. و في بعض الأحيان, قد تتطلب الاستفادة من الآخرين مرونة في تقبل شروطهم و لو كانت ملزمة بالصمت, كشرط الخضر على موسى عليه السلام عندما رغب في أن يتبعه. بالمناسبة, لم تكن تبعية موسى عليه السلام للخضر غاية في حد ذاتها, بل كانت وسيلة أراد منها تحقيق هدف أسمى, فكان مرنا مع شرطه, و لكن مدركا و مستقلا بأولوياته. 

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

قرية الرياديين و السعداء


بالأسبوع الماضي قمت باعطاء صورة عامة عن ظروف الصناعة و آثار أنشطة التطوير فيها على تقادم التخصصات و تعطيل إمكانيات الخريجين. ثم ختمت مقالي بنصائح أساسية لمن يريد الوقوف بوجه تلك القوى و التقدم بلعب أدوار قيادية من منطلق تخصصاتهم. مقال اليوم يقدم تفصيلا أوفر لبعض الفرص القيادية التي يمكن أن يخلقها الخريجين لأنفسهم.
أفتتح المقال بتصوير نموذج اسميته "قرية الرياديين و السعداء". لنتخيل أنه يعيش في إحدى القرى ثلاث أشخاص يمتلكون معارف وموارد لا يتمتع بها معظم الناس: الأول طبيب, و الثاني نجار و الثالث يمتلك حقول و مزارع. هناك خياران, إما أن يقوم هؤلاء الثلاثة بكتمان و حبس تلك المزايا عن الناس, و ترك أهل القرية يعانون من الأمراض و من نقص بالأدوات و الموارد الغذائية, أو أن يقومون - مستعينين بما يمتلكونه من امتيازات و معرفة جيدة بأوضاع القرية -  بتجهيز مبادرات أو حلول متكاملة في صورة منتجات أو خدمات فريدة, ثم عرضها على الناس كأدوات فاعلة في معالجة مشكلاتهم. أي الخيارين يفتح لهؤلاء الثلاثة فرص الريادة من منطلق صنعتهم و للمجتمع أبواب السعادة؟ بالطبع الخيار الثاني. فتبني الأفراد لمبادرات مجتمعية (سواءا تطوعية أو ربحية) سيجلب لهم اعتراف الناس و دعمهم و الارتقاء السريع بأنفسهم و بمجتمعاتهم.
قيس على هذا النموذج الخريجين و ما يمتلكونه من معارف و مهارات أو براءات اختراع و قيس عليه مجتمعنا الذي ينتظر حلولهم و مشاريعهم المتكاملة مع احتياجاته.
يتطلب العمل الريادي اتقان الفرد لتخصصه و إدراكه بمشكلات مجتمعه, حتى يتمكن من مزاوجة ما لديه من مزايا معرفية مع ما يتطلع إليه الناس من حلول أو مشاريع مثلى و فريدة. و متى يصبح الدور قيادي؟ عندما يكسب صاحب الفكرة أو المنتج الاعتراف الواسع من الناس ويستقطب دعم المهتمين لتمويلها كمشروع, أو تطبيقها أو شرائها و نشرها.
أيضا, يتطلب العمل الريادي إيمان الفرد بفكرته و عمل مستمر و ثبات في سبيل تعريفها للناس و نشرها, و يتطلب أيضا الاستمرار في تحسينها و كذلك تحديثها حسب ما يطرأ من تغيرات على تفضيلات الناس و ظروفهم. بعض الحلول أو المنتجات لا تأخذ وقتا في الانتشار, كتجربة شبكة الانستقرام. و بعضها معقدة و تتطلب مراعاة كبيرة لأذواق الناس و حملات دعائية مكلفة لاقناعهم بفاعليتها.
إليكم نموذج توضيحي: أتقن أحد الخريجين برمجة تطبيقات الهواتف الذكية, و يحلم بقيادة تلك الصنعة. يعاني مجتمعه من مشكلة و هي أن أغلب مزودي الخدمة لا يقدمونها بالجودة و لا السعر المطلوب. و لتحقيق حلمه الريادي, يبدأ بعمل نماذج لتطبيقات فريدة تحقق التكامل الأمثل بين ما تعلمه من معارف متقدمة و بين ما يتطلع إليه الناس من جودة و أداء و سعر. و لتنتشر نماذجه, يستعين بحملات إعلانية أو توعوية لتقديم شروحات مفصلة لطبيعة الفكرة و كيف تتميز على نظيراتها لتكتسب الثقة.
تذكر, كلما عانى المجتمع من مشكلات, كلما زادت الفرص القيادية فيه. فالعمل القيادي ماهو إلا تبنيك لحلول متخصصة و بارعة تغير حياة الناس للأفضل.